هل يفهم الذكاء الاصطناعي العامية؟ اختبارات حديثة تكشف فجوة اللهجات العربية

كلما اقترب الذكاء الاصطناعي من اللغة التي يتحدث بها الناس في حياتهم اليومية، ظهرت أمامه مشكلة مختلفة عن مجرد معرفة الكلمات والقواعد، فالنموذج قد يتعامل بصورة جيدة مع العربية الفصحى المكتوبة، لكنه يواجه تحديًا أكبر عندما تنتقل الجملة إلى اللهجة، وحين تصبح الكلمات مرتبطة بسياق اجتماعي أو ثقافي لا يظهر معناه الكامل من القاموس وحده، وهذه الفجوة بدأت تظهر بوضوح في سلسلة من الاختبارات البحثية الجديدة التي تحاول قياس قدرة النماذج اللغوية على التعامل مع العربية كما يستخدمها أهلها بالفعل.

وفي سبتمبر 2026 ظهر اختبار بحثي جديد يحمل اسم EDRAC، وهو اختصار لـ«Benchmarking Arabic Dialect Reading Comprehension»، ويقدم واحدًا من أكثر الاختبارات ارتباطًا باللغة العربية اليومية، لأنه لا يكتفي بأسئلة الاختيار من متعدد، وإنما يختبر فهم النصوص اللهجية والإجابة عن الأسئلة المتعلقة بها، وقد صُمم ليقيس الفهم القرائي والإجابة التوليدية في خمس لهجات عربية هي المصرية والمغربية والإماراتية والسورية والسعودية.

499 مقطعًا و4977 سؤالًا

يعتمد اختبار EDRAC على 499 مقطعًا مأخوذًا من تفاعلات كلامية طبيعية، وربط الباحثون بهذه المقاطع 4977 سؤالًا وإجابة، وجاء بناء البيانات من خلال عملية تجمع بين التوليد بمساعدة النماذج اللغوية والمراجعة البشرية والتحقق من جودة الأسئلة والإجابات، ثم استُخدمت البيانات لاختبار نماذج عربية وأخرى متعددة اللغات باستخدام مقاييس لغوية ودلالية مختلفة.

أهمية هذه الطريقة أن الباحثين لم يسألوا النموذج فقط عن معلومة مكتوبة بلغة عربية معيارية، وإنما وضعوه أمام نصوص أقرب إلى اللغة التي تظهر في الكلام اليومي، ثم طلبوا منه أن يفهم ما يقال وأن يقدم إجابة، وعند هذه النقطة تظهر المشكلة الحقيقية، فالإجابة قد تكون صحيحة من الناحية العامة، لكنها لا تحافظ بالضرورة على الخصائص اللهجية أو الدقة التي يتطلبها السياق، وقد وجد الاختبار فجوة واضحة بين جودة الإجابة من الناحية الدلالية وبين مدى وفائها للهجة المستخدمة في النص.

لماذا تصبح اللهجة أصعب من الفصحى؟

اللهجة ليست مجرد فصحى جرى تغيير بعض كلماتها، فالجملة العامية تحمل معها تاريخًا اجتماعيًا وطريقة في التعبير وسياقًا ثقافيًا، وقد تتغير دلالة الكلمة نفسها بحسب البلد أو الموقف أو نبرة الحديث، كما أن المتحدثين لا يلتزمون دائمًا ببنية لغوية ثابتة، وإنما يختصرون الكلمات ويحذفون أجزاء من الجملة ويستخدمون تعبيرات محلية ويخلطون أحيانًا بين العربية وكلمات أجنبية، وكل ذلك يجعل فهم المعنى الحقيقي أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى النظام الآلي.

ولهذا فإن اختبار اللهجات لا يقيس فقط قدرة النموذج على التعرف إلى كلمة مصرية أو سورية أو مغربية، وإنما يختبر قدرته على ربط الكلمات بالسياق الذي ظهرت فيه، وهي نقطة مهمة لأن النموذج قد يعرف الكلمة منفردة، لكنه لا يفهم بالضرورة ما تعنيه داخل محادثة معينة، ولذلك فإن «معرفة اللهجة» و«فهم اللهجة» ليسا الشيء نفسه.

المصرية داخل الاختبار

وجود اللهجة المصرية ضمن EDRAC مهم على نحو خاص، لأنها واحدة من اللهجات الخمس التي اختيرت لبناء الاختبار، إلى جانب المغربية والإماراتية والسورية والسعودية، وهذا يعني أن الباحثين لم يتعاملوا مع العربية العامية بوصفها كتلة واحدة، وإنما حاولوا قياس الاختلاف بين مجموعة من البيئات العربية المختلفة.

وهذه النقطة تكشف مشكلة أوسع في التعامل الآلي مع العربية، فالنموذج الذي ينجح في فهم صياغة معينة قد يواجه صعوبة عندما تتغير المفردات أو التراكيب أو السياقات الثقافية، وبالتالي فإن السؤال لم يعد فقط «هل يفهم النموذج العربية؟»، وإنما أصبح «أي عربية يفهم؟ وفي أي سياق؟ وإلى أي درجة؟».

اختبار آخر وضع 5 لهجات في مواجهة النماذج

ولم يبدأ هذا النوع من الاختبارات مع EDRAC، ففي مايو 2026 قدم باحثون في مؤتمر LREC اختبار DialectalArabicMMLU، الذي نقل 3000 سؤال متعدد الاختيارات إلى خمس لهجات هي السورية والمصرية والإماراتية والسعودية والمغربية، ليصل عدد الأسئلة باللهجات الخمس إلى 15 ألف سؤال، ضمن 32 مجالًا أكاديميًا ومهنيًا، ومع إضافة الفصحى والإنجليزية يصل حجم المجموعة إلى نحو 22 ألف سؤال وإجابة.

واختبر الباحثون من خلال هذه المجموعة 19 نموذجًا عربيًا ومتعدد اللغات مفتوح الأوزان، تراوحت أحجامها بين مليار و13 مليار معامل، وكانت النتيجة الأساسية وجود تفاوت ملحوظ في الأداء بين اللهجات واستمرار فجوات في قدرة النماذج على التعميم اللهجي، وهو ما يعني أن نجاح النموذج في التعامل مع صيغة عربية معينة لا يضمن انتقال هذا النجاح تلقائيًا إلى لهجة أخرى.

المشكلة أعمق من الكلمات

إذا كان الأمر يتعلق فقط بمفردات مختلفة، لكان من الممكن التعامل معه بوصفه مشكلة ترجمة أو قاموس، لكن الاختبارات الحديثة تشير إلى أن المسألة أكثر تعقيدًا، لأن جزءًا من الصعوبة يرتبط بالسياق الثقافي نفسه، وهو ما ظهر أيضًا في بحث ArabCulture-Dialogue الذي قدم مجموعة محادثات تغطي 13 دولة عربية، وتضم العربية الفصحى ولهجات كل دولة، مع 12 موضوعًا من موضوعات الحياة اليومية و54 موضوعًا فرعيًا.

استخدم الباحثون هذه البيانات في ثلاثة أنواع من المهام، هي الاستدلال الثقافي، والترجمة بين الفصحى واللهجات، وتوليد النص باللهجة المطلوبة، وكانت النتيجة العامة أن أداء النماذج في الإعدادات اللهجية ظل أقل من أدائها في الإعدادات الخاصة بالعربية الفصحى في المهام الثلاث، وهو ما يضع الثقافة نفسها داخل مشكلة فهم اللغة، وليس على هامشها.

حين تكون الإجابة صحيحة لكنها ليست كافية

من أكثر النتائج إثارة للاهتمام في اختبار EDRAC أن جودة الإجابة من الناحية الدلالية لا تعني بالضرورة أن النموذج نجح بالكامل، فقد يحصل المستخدم على إجابة تبدو منطقية وتعكس المعنى العام للنص، في حين تكون الصياغة بعيدة عن اللهجة أو تفقد بعض الخصائص الموجودة في النص الأصلي، ولذلك يشير البحث إلى وجود فجوة بين جودة المعنى وبين «الوفاء اللهجي» للإجابة.

وبناءً على ذلك تظهر مشكلة مهمة في الطريقة التي نقيس بها الذكاء الاصطناعي، فإذا كان معيار النجاح هو أن يقدم النموذج إجابة تبدو صحيحة للقارئ فقط، فقد نغفل أخطاء أخرى أكثر دقة، مثل تحويل تعبير محلي إلى صياغة فصحى أو تغيير معنى اجتماعي أو إنتاج جملة صحيحة لغويًا لكنها لا تشبه الطريقة التي يتحدث بها أصحاب اللهجة فعلًا، ولهذا تحتاج النماذج العربية إلى اختبارات لا تسأل فقط عن «الإجابة الصحيحة»، وإنما عن مدى فهم اللغة التي أنتجت السؤال أصلًا.

العربية اليومية تكشف ما لا تكشفه الفصحى

على مدى مدة طويلة كان جزء كبير من تقييم النماذج العربية يعتمد على نصوص فصيحة أو أسئلة مكتوبة بصورة رسمية، وهذا يجعل الاختبار أقرب إلى قياس قدرة النموذج على التعامل مع اللغة المعيارية، لكنه لا يعكس بالضرورة التجربة اليومية للمستخدم العربي، الذي قد يكتب رسالة باللهجة المصرية، أو يسأل بلهجة مغربية، أو يمزج بين العربية والإنجليزية، أو يستخدم تعبيرًا محليًا لا يظهر في النصوص الرسمية.

وبذلك تصبح اللهجات اختبارًا أكثر واقعية للذكاء الاصطناعي، لأنها تضع النموذج أمام اللغة غير المصقولة، اللغة التي يعيش بها الناس لا اللغة التي يكتبون بها في الكتب المدرسية، وهذا يفسر لماذا أصبح الاهتمام بالبيانات اللهجية والثقافية جزءًا متزايدًا من أبحاث تقييم النماذج العربية.

من الكلام إلى الصوت

ولا تتوقف المشكلة عند النص المكتوب، فاختبارات أخرى في 2026 اتجهت إلى الكلام نفسه، لأن فهم اللهجة عبر الصوت يضيف طبقة جديدة من الصعوبة تتعلق بالنطق والضوضاء والاختلافات الإقليمية وسرعة الحديث والظروف التي يجري فيها التسجيل، وهو ما يجعل بناء أنظمة تفهم العربية المنطوقة في الحياة الواقعية تحديًا مختلفًا عن التعامل مع نص مكتوب بعناية.

وبذلك تتحرك أبحاث العربية في الذكاء الاصطناعي من سؤال بسيط مثل «هل يستطيع النموذج قراءة العربية؟» إلى أسئلة أكثر تعقيدًا: هل يستطيع فهم لهجة بعينها؟ وهل يفهم الاختلاف بين اللهجات؟ وهل يستطيع التعامل مع الثقافة التي تحملها المحادثة؟ وهل يستطيع إنتاج إجابة تحافظ على معنى الكلام وطبيعته اللهجية في الوقت نفسه؟

ماذا يعني ذلك للمستخدم العربي؟

المستخدم العادي قد لا يهتم باسم الاختبار أو عدد الأسئلة، لكنه يواجه المشكلة عمليًا عندما يطلب من نموذج ذكي أن يفسر له جملة عامية أو يكتب له رسالة بلهجة معينة أو يفهم محادثة محلية أو يتعامل مع موقف ثقافي شديد الخصوصية، فإذا كانت البيانات التي تعلم منها النموذج أقل تمثيلًا لهذه اللغة، فمن الطبيعي أن تزيد احتمالات سوء الفهم أو التعميم أو تقديم إجابة تبدو سليمة لكنها لا تلتقط المقصود بالكامل.

وهذا لا يعني أن النماذج الحالية «لا تفهم العربية»، فهذه نتيجة أوسع من الأدلة المتاحة، كما أن الاختبارات نفسها تختلف في طبيعتها وفي اللهجات والمهام والنماذج التي تستخدمها، لكن الاتجاه المشترك في نتائج هذه البحوث واضح: توجد فجوة قابلة للقياس بين التعامل مع العربية الفصحى وبين التعامل مع اللهجات العربية في عدد من مهام الفهم والاستدلال والتوليد، وهذه الفجوة أصبحت موضوعًا بحثيًا مستقلًا بدل أن تكون مجرد ملاحظة من المستخدمين.

السؤال الحقيقي: هل يفهم الذكاء الاصطناعي الناس؟

ربما تكون أهم نتيجة لهذه الاختبارات أنها تغير السؤال نفسه، فاللغة العربية التي يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى فهمها ليست فقط تلك الموجودة في الكتب والصحف، وإنما العربية التي يعيش بها الناس، بتنوعها واختلافها وتعبيراتها المحلية وذاكرتها الثقافية، وكلما اقتربت النماذج من هذه المنطقة أصبحت عملية تقييمها أكثر صعوبة وأكثر أهمية في الوقت نفسه.

ولهذا فإن المستقبل لن يتحدد فقط بمن يملك نموذجًا أكبر أو عددًا أكبر من المعاملات، وإنما أيضًا بمن يملك بيانات أفضل وأكثر تمثيلًا للغات الناس الحقيقية، لأن النموذج الذي يعرف العربية الفصحى جيدًا لكنه يتعثر أمام لهجة مستخدميه لم يواجه بعد الاختبار الكامل للغة العربية، وربما يكون اختبار اللهجات إحدى الوسائل التي ستكشف في السنوات المقبلة إلى أي حد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن ينتقل من معرفة اللغة إلى فهم أهلها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.