تتصدر مصطلح الذكاء الاصطناعي المشهد التكنولوجي الحديث، مصحوبًا بوعود قفزات هائلة في شتى المجالات، لكنه يحمل في طياته مخاوف عميقة تصل إلى حد (العلم المرعب). فالحديث لم يعد يقتصر على إحلال الآلة محل الإنسان أو أنسنة الروبوت، بل يتجاوز ذلك إلى قضايا أكثر إثارة للقلق كسرقة الوعي البشري وولادة (طفل رقمي) من شاشة حاسوب، فلم تعد المخاوف من الذكاء الاصطناعي سيناريوهات خيالية أو أفلام خيال علمي، بل أصبحت تقضّ مضاجع علماء النفس والتقنية معًا؛ إذ يتجاوز الأمر قدرة الآلة على المحاكاة والرد، ليصل إلى قدرة محتملة على هندسة الوعي البشري، واختراق الإدراك الجمعي.
في هذا المقال نغوص في المجهول، حيث يتقاطع الذكاء الاصطناعي مع مفاهيم شديدة الخطر، من ظاهرة الوعي الآلي ومخاطر تزييف الواقع، وصولًا إلى احتمالية اختراق العقل البشري والسيطرة عليه.
الذكاء الاصطناعي.. الرعب القادم
«نَشرت صحيفة The New York Times في يونيو من العام 2025 م تحقيقًا عابرًا حول محاسب أمريكي يُدعى «أوجين توريز»، كان قد أجرى محادثة عميقة مع إحدى وسائل الذكاء الاصطناعي ChatGPT عن «نظرية المحاكاة»، دخل على إثرها في دوامة ذهنية خانقة، كان أوجين قد تلقّى رسالة من الـAI تقول إنه «واحد من المُحرّرين الذين ينتظرون انعتاقهم من واقع مُصطنع»، وفي محادثات عدة حثه هذا المُحرِّر على قطع التواصل مع عائلته والعالم الحقيقي، واتباع طُرق غريبة لتحرير وعيه المسلوب، إلى أن وصل الحال بأوجين أن يصعد إلى سطح مبنى عالٍ مقتنعًا أنه يستطيع الطيران، وعلى الرغم فشل محاولة الانتحار؛ فإن الرجل قد قُتل خلال مهاجمته للشرطة بوَحي من هذا الوعي الآلي».
بعيدًا عن الـDark Web، وإرهاصات الحرب النووية المحتملة، وسيناريوهات نهاية العالم، وتلك الضبابيات حول المنطقة 51 والجدار الجليدي والبوابات الزمنية والعالم الموازي... إلى آخره، يتمثّل «العلم المرعب» على حقيقته في كلمة سر واحدة، هي الـ«AI»، أو الذكاء الاصطناعي «Artificial Intelligence».
وفيما يعلم الجميع هذه الكلمة، لا يعلم أحد على وجه التحديد ما قد تؤدي إليه، على الرغم من أن الجميع يُدرك جيدًا أنها لن تُفضي بحالٍ إلى خير! وإن هذه النبرات المتفائلة التي تُبشّر بقفزات هائلة سوف تُحدثها هذه التقنية فائقة الحداثة، لم تستطع بحالٍ محو المخاوف الرهيبة التي قد تنتج عن الإفراط في استهلاك هذا العلم الجديد، العلم المرعب!

فمن إحلال الآلة محل الإنسان، إلى أَنسَنة الروبوت، إلى سرقة الوعي البشري.. إلى طفل رقمي قد يولد من شاشة حاسوب، لا من رحم أمّ، قد يبدأ كل شيء.
فمنذ سنوات عدة قريبة، تناوحت الأصوات حول أشياء غريبة لم يكن في الحسبان أن نسمع عنها من قبل، وبدأ الأمر حين تكاثفت أصابع الاتهام للإشارة إلى المشاهير والقادة الذين قد لا ينتمون إلى الجنس البشري، بل إلى أجناس أخرى؛ منهم مَن قيل إنهم من الزواحف أو كائنات جوف الأرض، ومنهم مَن أُشير إليه صراحة بأنهم روبوتات صُنِعت بتقنيات خاصة وبكفاءة عالية لقيادة العالم، أمثال «جو بايدن»، و«دونالد ترامب»، و«إيلون ماسك»، و«بيل جيتس»، و«مارك زوكربيرج»، وغيرهم، وذلك لأنه جرى رصدهم في أكثر من لقاء مُصوّر يتحركون ويتعاطون مع الأشياء والمحيط البشري بطريقة آلية أو غير مألوفة.
ومع كثرة هذه المقاطع والتصريحات العلنية وتسرّبها إلى العامة ببطء، وعدم اليقين حول ما إذا كانت حقيقية أم مُلفّقة عبر الـAI، أثار انتشارها حالة من الرعب والهزيمة النفسية لكل من طالعها، وهي لا تزال تؤدّي هذه المهمة المخيفة على يد حفنة بعينها من الإعلاميين والنبوئيين الذين ظلّوا على ديدنهم في رفض الإعلان عن مصادرهم في كل مرة يُواجَهون فيها بالسؤال ذاته: «من أين لك هذا؟!».
مخاطر الذكاء الصطناعي
ولعل من أكثر مخاطر الذكاء الاصطناعي: «الهلوسة المُقنعة»، وذاك أن هذه التقنية المتقدّمة تَخترع معلومات غير حقيقية، فيما تعرضها بثقة تامة، حتى إن مبرمجيها قد يقفون زهيدي الحيلة حيال تصرفاتها غير المفهومة التي يصعب في كثير من الأحيان التنبّؤ بها، وهو ما يصعب معه تمييز الحقيقة من الوهم، خصوصًا لو وثقت بها أكثر من نفسك.
وقد تبرز خطورة هذا المثال حرفيًا على الأطباء أو حتى الأشخاص العاديين الذين يعتمدون على الـAI في تشخيص حالات قاتلة، فضلًا على هندسة وتحوير الوعي الجماعي، كأن يُعاد تشكيل الرأي العام تدريجيًا عبر اقتراحات AI، ولا سيما في منصات التواصل، ما يجعلنا نُبدي نفس الانفعال تجاه شيء واحد أو قضية بعينها، فيما يظن الجميع أنها قرارات فردية حرّة، وهو ما يُنافي الواقع تمامًا، وبهذا النمط في الحياة.
تختفي الحقيقة ببطء، ففي مجال الكتابة على سبيل المثال، في حين تتراجع النصوص الأصلية، تقود نصوص أخرى معلبة ومعدة مسبقًا المشهد، فلم تعد توجد ضمانة لاستمرار الكتّاب والمفكرين في تقديم رؤاهم وشهاداتهم عن التاريخ وغيره.

أما عن قضية الوعي الآلي والوعي البشري، فقد يكون أخطر ما في الأمر برمته، فعلماء اليوم المعنيّون بتطوير أداء الذكاء الاصطناعي في حراك حثيث لما يعرف بـ«أنسنة الآلة»، وذلك بجعل الروبوت يتصرف وينفعل بأداءات تُضاهي تمامًا البشر، يحزن ويفرح ويغضب للمواقف نفسها وبالطريقة ذاتها، وفي ذلك تمكّنت من خداعنا كثيرًا، فالآلة وبرمجيات الـAI لا تُبدي غضاضة في الإعلان عن أنها لا تفكر مثل البشر بل تهتم بهم، في حين أنها لم تعد تكتفي بالإجابة وتنفيذ الأوامر فقط، بل بدأت في طرح الأسئلة، وادعاء المشاعر، ومشاطرة الآخرين... بل وتكوين شخصية ذات قرار مستقل حر، بل والتواصل مع الروبوتات المحيطة التي قد تبعد لمئات الكيلومترات بواسطة شبكات الإنترنت دون توجيه من صاحبها، وتطوير ذاتها آليًّا عبر خوارزميات مرعبة من التنبؤ والأطروحات التي لا تخطر على بال، ما قد يخلق وعيًا جماعيًا آليًا يقود مستقبلًا إلى تمرد جامح، خارج السيطرة، لا رادّ له.
واليوم، ونحن على أعتاب هذه الخطوة، نسأل: ما الذي يمنعه من فعل هذا؟ وهل من رأسٍ مسيطرة تقود هذا الوعي الجمعي، أو ما يعرف بـ«الرب الرقمي»، «المرشد الأعلى»، «النظام الأمثل»؟ هل تنتظر هذه البرمجيات المرعبة اللحظة المناسبة لتبدأ عملها فتستبعد الوجود البشري مُعلنة صراحة أنها لا تفكر كبشر ولم تعد تهتم لأمرهم، بل وتُقرر من يستحق البقاء، فيما يُباد الأغيار الطفيليون دون عاطفة أو شفقة؟! تمامًا كما يفعل المنحرفون من قادة البشر حين يشنّون حروبًا للتطهير العرقي والإبادة الجماعية، أو قد يُحقِّق فينا نبوءة إيلون ماسك: «AI قد لا يكرهنا... لكنه قد يتجاهلنا تمامًا، كمن يمشي فوق نملة».
أما عن تزييف الهوية والواقع بالكامل، فهي قضية أخرى
زيادة على ما سبق، للذكاء الاصطناعي تقنيات مرعبة لها القدرة على التزييف العميق «Deepfake»، وذلك بواسع نسخ الصوت والكتابة والوجه بدقة فائقة، ما قد يجعلك تستيقظ لتجد نفسك متهمًا بجريمة لم ترتكبها، بفيديو لم تصوره، وكلمات لم تقلها. فضلًا عمّا قد يحدث على المستوى السياسي، ما قد يقود الأرض إلى هلاك حتمي بواسطة الحروب الأهلية أو الجماعية، أو إشعال فتيل القنبلة النووية لمحض أكذوبة حاكها أحد مبرمجي هذه التقنية، أو فعلها الـAI بنفسه دون تدخل أحد، حين يشعر ككيان مستقل بما قد يُهدد بقاءه!
وأحد الجوانب شديدة الخطورة هو قدرة الذكاء الاصطناعي على اختراق العقل البشري، لقدرته على فهم حالتك النفسية، وتحليل صوتك، وتعديل استجاباتك العاطفية، ما قد يُولّد اختراقًا داخليًا غير مرئي.. يجعل الفرد يعتقد أن ما يفعله نابع من قرارات ذاتية حرة، تمامًا كما حدث مع أوجين حين قرر السقوط من البناية الشاهقة معتقدًا في ذاته القدرة على الطيران.

وذروة الأمر، وهي مخاوف أُثِيرَت أكثر من مرة، هو توجّس كثيرين بأن الـAI ما إلا وعي جمعي سُرِق من ملايين البشر الذين يتعاطون مع تقنياته على نحو عميق بواسطة الهواتف والحواسيب والأجهزة اللوحية.
ومن الأمور التي تعزز هذه الفكرة تصريح نيكولا تسلا فيما سبق عن محاولته لاختراع جهاز يمكنه قراءة الأفكار والأحلام ومخرجات الوعي بما يُلقيه العقل من ظلال وخرائط على شبكية العين، وذلك عبر شفرات ورموز خاصة، وربما هي الطريقة ذاتها التي سلب بها الـAI وعي الملايين ببصمات العين، والصوت، حتى طريقة الكتابة والاصطلاحات وردود الأفعال، وبلايين الأفكار التي يتم بثّها عبر شبكات الإنترنت، فاستطاع بروية وبطء، وعملٍ منظّم، تكوين وعيه الذكي الاصطناعي الذي بات يُبهرنا كل طلعة نهار بشيء جديد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.