لم يعد الكتاب المستعمل مجرد نسخة قديمة يبحث عنها قارئ في متجر أو على رف بعيد، فقد كشفت التطورات الأخيرة في صناعة الذكاء الاصطناعي عن وظيفة جديدة يمكن أن تجعل بعض هذه الكتب هدفًا لعمليات شراء واسعة، بعدما أصبحت النصوص نفسها مادة أساسية في تدريب النماذج التي تقف وراء روبوتات المحادثة والأنظمة الذكية، وحينئذ تظهر مفارقة لافتة، فالكتاب الذي كان يُشترى ليُقرأ قد يُشترى اليوم لكي يتحول إلى بيانات، وربما لا يبقى منه بعد ذلك سوى النص المخزن داخل حاسوب أو خادم.
من الرف إلى قاعدة البيانات
إحدى أكثر الوقائع إثارة للجدل ظهرت في قضية شركة Anthropic، بعدما كشفت وثائق قضائية عن مشروع حمل اسم «Project Panama»، سعت الشركة من خلاله إلى شراء كميات ضخمة من الكتب الورقية ومسحها ضوئيًا لاستخدام محتواها في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، وتشير الوثائق التي كُشف عنها إلى أن الشركة أنفقت عشرات الملايين من الدولارات على شراء الكتب، ثم أزالت أغلفتها وتجليدها ومسحت صفحاتها قبل التخلص من النسخ الورقية، في عملية حولت الكتاب من منتج مادي إلى ملف رقمي قابل للمعالجة داخل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
المسألة لا تتعلق فقط بعدد الكتب التي جرى شراؤها، وإنما بفكرة أوسع تتغير معها طبيعة الكتاب نفسه، فالكتاب المطبوع يحمل قيمة ثقافية ومادية وتاريخية، أما بالنسبة إلى نموذج الذكاء الاصطناعي فإن أهم ما فيه هو النص الذي يمكن تحويله إلى بيانات وتحليله وربطه ببيانات أخرى، ولذلك تصبح النسخة الورقية في هذه العملية مجرد وسيلة للوصول إلى محتواها.

هل شراء الكتاب يعني امتلاك حق استخدامه؟
عندئذ تبدأ المسألة الأكثر تعقيدًا، فامتلاك نسخة مادية من كتاب لا يعني بالضرورة امتلاك حقوق النص الموجود داخلها، وهذه التفرقة تبدو بسيطة لكنها أصبحت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في عصر الذكاء الاصطناعي، لأن الشركة قد تشتري كتابًا بصورة قانونية من متجر للكتب المستعملة، لكنها بعد ذلك لا تستخدمه بالطريقة التقليدية التي يستخدمه بها القارئ، وإنما تنسخ محتواه بالكامل وتحوله إلى بيانات تدخل في عملية تدريب نموذج تجاري.
القانون الأمريكي نفسه لا يقدم إجابة واحدة تصلح لكل الحالات، إذ يعتمد مبدأ «الاستخدام العادل» على مجموعة من العوامل، من بينها طبيعة الاستخدام والغرض منه وحجم الجزء المستخدم وتأثيره المحتمل في سوق العمل الأصلي، وهو ما يجعل السؤال القانوني أكثر تعقيدًا من مجرد معرفة ما إذا كانت الشركة قد دفعت ثمن النسخة الورقية أم لا. وفي يونيو 2025، خلص القاضي الفيدرالي وليام ألسوب في قضية Anthropic إلى أن استخدام الكتب لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي يمكن أن يندرج في إطار الاستخدام العادل في الظروف التي تناولها الحكم، لكن القضية لم تنته عند هذا الحد، إذ بقيت مشكلات الحصول على نسخ مقرصنة من الكتب منفصلة عن مسألة التدريب نفسها.
الكتب المستعملة تدخل دائرة الشك
خلال 2026 ظهرت تقارير من بائعي الكتب المستعملة في الولايات المتحدة وأوروبا وأستراليا عن أوامر شراء غير معتادة، بعضها يضم عشرات أو مئات الكتب التي لا يجمع بينها موضوع واضح، وهو ما أثار تكهنات بأن شركات الذكاء الاصطناعي أو جهات مرتبطة بها تبحث عن مصادر جديدة للنصوص التي يمكن استخدامها في تدريب النماذج، خصوصًا الكتب القديمة التي قد لا تكون متاحة بسهولة في قواعد البيانات الرقمية.
لكن هذه النقطة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، فوجود طلبات شراء غريبة لا يعني تلقائيًا أن وراءها شركة ذكاء اصطناعي، كما أن Anthropic قالت إن الحصول على الكتب أحد الأساليب المستخدمة في صناعة الذكاء الاصطناعي، لكنها نفت أن تكون برامج جمع البيانات لديها تشتري وتدمر الكتب النادرة أو العتيقة، ولذلك فإن الحديث عن «استيلاء الذكاء الاصطناعي على سوق الكتب المستعملة» سيكون مبالغة لا تدعمها الأدلة المتاحة حتى الآن. الأكثر دقة هو القول إن سوق الكتب المستعملة أصبح جزءًا من نقاش أكبر حول مصادر البيانات التي تحتاج إليها نماذج الذكاء الاصطناعي، وإن بعض عمليات الشراء غير المعتادة أثارت أسئلة لم تحصل الصحافة ولا البائعون في جميع الحالات على إجابات واضحة عنها.
التسوية التي أعادت حقوق المؤلفين إلى الواجهة
في الجانب الآخر من القضية، دفعت Anthropic ثمنًا باهظًا بسبب استخدام نسخ مقرصنة من الكتب، ففي يوليو 2026 حصلت تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار على موافقة نهائية من المحكمة الفيدرالية الأمريكية، في قضية تتعلق بكتب حصلت عليها الشركة من مصادر غير قانونية واستخدمتها في تطوير نماذجها، ويُقدَّر نصيب العمل المؤهل للتسوية بنحو 3000 دولار قبل خصم التكاليف وتقسيم المبالغ وفق حقوق كل عمل.
ومن هنا تظهر نقطة مهمة يجب ألا تختلط مع الجدل الحالي حول شراء الكتب المستعملة، فالتسوية لا تعني أن المحكمة قررت أن تدريب الذكاء الاصطناعي على أي كتاب أمر غير قانوني، كما أنها لا تعني أن شراء نسخة ورقية من متجر مستعمل يمنح الشركة تلقائيًا الحق في استخدامها لأي غرض، وإنما جاءت التسوية في سياق محدد يتعلق بنسخ حصلت عليها الشركة من مواقع مقرصنة، في حين ظل الحكم الخاص باستخدام الكتب في التدريب قائمًا في حدوده التي حددتها المحكمة.

من يملك الكتاب.. ومن يملك النص؟
ربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي تخفيه قصة الكتب المستعملة، فالعالم الرقمي أعاد تعريف العلاقة بين الكتاب وقيمته، وأصبح من الممكن أن يكون الشيء المادي الذي دفع المشتري ثمنه ملكًا له، في حين تظل الحقوق المتعلقة بالمحتوى والنسخ والاستغلال خاضعة لقواعد أخرى، ومع الذكاء الاصطناعي تظهر طبقة جديدة من المشكلات، لأن استخدام الكتاب لم يعد مجرد قراءة أو اقتباس أو بحث، وإنما قد يعني إدخال النص بكامله في منظومة قادرة على التعلم منه واستخدام ما استخلصته منه في إنتاج إجابات جديدة.
وهذا يضع المؤلف أمام سؤال لم يكن مطروحًا بهذه الصورة قبل سنوات قليلة، فإذا كان كتابه جزءًا من البيانات التي بُني عليها نموذج تجاري، فهل يكفي أن تكون الشركة قد حصلت على نسخة من الكتاب بصورة قانونية، أم ينبغي أن توجد آلية واضحة للترخيص والتعويض والإفصاح؟ وهي أسئلة لا تتعلق بالمؤلفين وحدهم، وإنما بصناعة النشر والناشرين والمكتبات وسوق الكتب المستعملة أيضًا.
الكتاب بين قيمته الثقافية وقيمته كبيانات
المفارقة أن الذكاء الاصطناعي لا يكتشف قيمة الكتاب بالطريقة التي يفعلها القارئ، فهو لا يهتم بالطبعة الأولى على أنها قطعة نادرة، ولا بلمسة صاحب الكتاب على الصفحة، ولا بتاريخ النسخة التي انتقلت من مكتبة إلى أخرى، وإنما يبحث عن المعلومات واللغة والمعرفة التي يمكن استخلاصها منها، ولهذا فإن تحول الكتب إلى بيانات قد يمثل أحد أكبر التحولات في تاريخ العلاقة بين الكتاب والتكنولوجيا.
ولا يبدو أن هذه المسألة ستنتهي بحكم قضائي واحد أو تسوية واحدة، فمكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكي ما زال يدرس قضايا استخدام الأعمال المحمية في تدريب الذكاء الاصطناعي، كما أن نماذج الترخيص بدأت تظهر بوصفها أحد المسارات المطروحة لتنظيم العلاقة بين أصحاب الحقوق وشركات التكنولوجيا.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في أن شركة اشترت كتابًا مستعملًا، وإنما في السؤال الذي يأتي بعد الشراء: ماذا فعلت الشركة بمحتواه، وتحت أي حق استخدمته، وهل يعرف صاحبه أن كتابه أصبح جزءًا من منظومة تجارية جديدة؟ ففي اللحظة التي ينتقل فيها الكتاب من رف المكتبة إلى قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي، لا يعود الأمر مجرد قصة عن كتاب قديم أو شركة تكنولوجيا، بل يصبح سؤالًا عن القيمة التي نمنحها للمعرفة ومن يملك حق استخدامها عندما تتحول من صفحات مطبوعة إلى بيانات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.