الذكاء الاصطناعي وإنتاج المعرفة: من يقود من؟

ما المقصود بالأمية الجديدة في عصر الذكاء الاصطناعي؟ الأمية الجديدة هي العجز عن استخدام الذكاء الاصطناعي عندما يفيد، وعن نقد مخرجاته عندما يخطئ، وعن الاستغناء عنه عندما لا ينبغي استخدامه. فالكفاءة الحقيقية لا تعني استخدام الذكاء الاصطناعي في كل شيء، وإنما معرفة متى وكيف يُستخدم، ومتى يجب التوقف عنه.

من الملاحظ في النقاش الدائر حول الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة أن جانبًا من الجدل لم يعد متعلقًا بقدرة هذه التقنية أو حدودها فقط، بل امتد إلى الحكم على من يستخدمها وعلى قيمة ما ينتجه بمساعدتها. فأصبح السؤال عند بعض الناس لا يبدأ من: هل هذه الفكرة صحيحة؟ وهل استندت إلى مصادر موثوقة؟ وهل يستطيع صاحبها الدفاع عنها والتحقق منها؟ وإنما يبدأ من سؤال آخر: هل استعنت بالذكاء الاصطناعي في إنتاجها؟

وكأن مجرد دخول الذكاء الاصطناعي في عملية البحث أو التفكير أو التحرير كافٍ للطعن في أصالة المنتج، أو للانتقاص من قدرة صاحبه، حتى وإن كانت الفكرة فكرته، وهو من حدد السؤال، وبنى الحجة، وراجع المصادر، ونقد المخرجات، واستبعد الخطأ، ثم تحمل في النهاية مسؤولية ما كتب.

ولا تقف المسألة عند نقد من يستخدمه، بل يظهر إلى جانب ذلك نوع من التعنت في رفض تعلم هذه الأدوات أو تجربتها أصلًا، وكأن الامتناع عنها موقف محمود في ذاته، أو كأن العمل كلما كان أكثر مشقةً وأقل استعانة بالتقنية كان أكثر أصالةً وقيمة. وهذا في نظري يعيد إلى الأذهان موقفًا تكرَّر مع كثير من التحولات التقنية السابقة، حين ظن بعض الناس أن الوسيلة الجديدة ستنتقص من الإنسان، ثم لم تمض سنوات حتى أصبحت القدرة على استخدامها جزءًا من الحد الأدنى للكفاءة المطلوبة منه.

فالمسألة هنا لا تتعلق بالدفاع عن الذكاء الاصطناعي، فهو لا يحتاج إلى مدافع، ولا بالانبهار به أو التسليم بمخرجاته. وإنما تتعلق بسؤال أعمق: ما موقع هذه التقنية من إنتاج المعرفة؟ وهل لا يزال من المعقول أن نتعامل معها باعتبارها أداة هامشية يمكن للإنسان المعاصر أن يقرر ببساطة ألا يعرف عنها شيئًا؟ ثم إذا استخدمناها، فمن يقود عملية التفكير: الإنسان أم الآلة؟

ولكي نؤسس لإجابة دقيقة عن هذا التساؤل، يجب علينا أولًا تفكيك وتحليل مفهوم الذكاء الاصطناعي وتأصيله علميًا وفلسفيًا. 

مفهوم الذكاء الاصطناعي

لا يشير مفهوم الذكاء الاصطناعي إلى أداة برمجية بسيطة أو محرك بحث متطور، بل يمثل حقلًا علميًا واسعًا ومعقدًا يهدف إلى ابتكار وتطوير أنظمة حاسوبية قادرة على أداء مهام تتطلب في العادة ذكاءً بشريًا لإنجازها. ويتضمن هذا المفهوم قدرة الآلة على محاكاة القدرات المعرفية للإنسان، مثل التعلم من البيانات السابقة، والتعرف على الأنماط الخفية، وفهم اللغات الطبيعية ومعالجتها، واتخاذ القرارات المعقدة، فضلًا على الإبداع والتوليد. 

تاريخيًا، بدأ هذا المفهوم في منتصف القرن العشرين معتمدًا على «الذكاء الاصطناعي الرمزي» القائم على قواعد برمجية صارمة مدخلة يدويًا، لكنه تطور جذريًا ليشمل التعلم الآلي «Machine Learning»؛ حيث تتعلم الخوارزميات من تلقاء نفسها بمجرد تزويدها ببيانات ضخمة. وبلغ المفهوم ذروة تعقيده مع ظهور التعلم العميق «Deep Learning» الذي يعتمد على شبكات عصبية اصطناعية «Artificial Neural Networks» تحاكي في بنيتها وطريقة عملها الخلايا العصبية في الدماغ البشري.

وفي سياقنا المعرفي الحالي، يتجلى هذا المفهوم في أبهى صوره بواسطة «الذكاء الاصطناعي التوليدي» الذي نراه في النماذج اللغوية الكبيرة، وهو نوع لا يكتفي باسترجاع المعلومات أو تصنيفها، بل يولِّد محتوى جديد تمامًا -سواء كان نصوصًا، أو صورًا، أو أكوادًا برمجية- بناءً على التنبؤ الإحصائي للبيانات التي تدرب عليها. 

إن الفهم الصحيح لهذا المفهوم ينقلنا من النظرة السطحية التي ترى الآلة صندوقًا سحريًّا، إلى نظرة موضوعية تدرك أنها منظومة خوارزمية فائقة القدرة، تظهر ذكاء صانعيها وحجم البيانات التي غُذيت بها، ولا تمتلك وعيًا ذاتيًا أو إرادة مستقلة.

من الكمبيوتر والإنترنت إلى الذكاء الاصطناعي

من عاش التحولات التقنية في العقود الأخيرة يعرف أن كثيرًا من الأدوات لا تدخل حياتنا دفعةً واحدةً باعتبارها ضرورة. تبدأ غالبًا كميزة إضافية يمتلكها بعض الناس، ثم تتوسع تطبيقاتها وتتغير الأعمال من حولها حتى يصبح عدم القدرة على استخدامها عائقًا حقيقيًا.

كان التعامل مع الحاسب الآلي في مرحلة من المراحل مهارةً مميزةً يمكن إضافتها إلى السيرة الذاتية، ثم أصبحت وظائف كثيرة لا يمكن ممارستها أصلًا من دونه. ومرَّ الإنترنت بتحول قريب من ذلك، فلم يعد وسيلة إضافية للوصول إلى المعلومة، بل أعاد تشكيل طريقة البحث والتواصل والعمل والتعلم والوصول إلى الخدمات، حتى أصبح من الغريب اليوم أن يتعامل صاحب مهنة معرفية مع الإنترنت كما لو كان خيارًا لا يعنيه.

لا أقول: إن الذكاء الاصطناعي سيعيد التاريخ بالحرف، فلكل تقنية طبيعتها ومخاطرها، لكن الدلائل الحالية تجعل تجاهل التشابه أمرًا صعبًا. فقد خلصت دراسة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD عام 2025 إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُظهر قدرًا مهمًا من الخصائص التي تميز ما يسمى بالتقنيات العامة General-Purpose Technologies، من حيث انتشار تطبيقاته في مجالات عدة، واستمرار تحسنه، وقدرته على توليد تطبيقات وابتكارات جديدة.

وهذا لا يعني أن آثاره المستقبلية حُسمت، لكنه يعني أننا على الأرجح لا نتعامل مع برنامج عابر يؤدي مهمة محدودة ثم يختفي، بل مع طبقة تقنية بدأت تدخل في صميم عدد متزايد من الأعمال المعرفية. (OECD, 2025)

الذكاء الاصطناعي التوليدي دخل في صميم عدد متزايد من الأعمال المعرفية

وهنا يتمدد دور الذكاء الاصطناعي ليتجاوز كونه أداة مساعدة، ليصبح شريكًا أساسيًا وعنصرًا فاعلًا في البنية التحتية لإنتاج المعرفة وإدارة المجتمعات الحديثة. إن دور الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على تسريع المهام الروتينية، بل يمتد إلى إحداث ثورة في طريقة معالجتنا للبيانات الضخمة «Big Data» التي يعجز العقل البشري عن استيعابها أو إيجاد الروابط الخفية بينها. 

في القطاع الأكاديمي والبحث العلمي، يبرز دوره في فحص ملايين الأوراق البحثية، وتحليل الشفرات الوراثية، والتنبؤ بطي البروتينات لاكتشاف أدوية جديدة، فضلًا عن إسهاماته في مجالات هندسية معقدة كتحليل البيانات الجيولوجية وحركة الصفائح التكتونية، أو تحسين تقنيات استخراج الطاقة وتصنيع المواد الحيوية. 

وفي القطاع الطبي، يؤدي دورًا مفصليًا في التشخيص المبكر للأمراض عبر تحليل الصور الإشعاعية بدقة تفوق في بعض الأحيان دقة الأطباء البشريين. 

أما في قطاع التعليم، فإن دوره يتمثل في تخصيص المناهج الدراسية لتلائم مستوى وقدرات كل طالب بشكل فردي، وتوفير أدوات تقييم مستمرة، وتقديم بيئات تعلم تفاعلية. 

ولا يقف دوره عند هذا الحد، بل يمتد إلى عالم الفن والإبداع الأدبي وصناعة المحتوى، فهو يسهم في كسر قفلة الكاتب، واقتراح زوايا سردية جديدة، وتوليد عناصر بصرية وصوتية معقدة. 

باختصار، يتمثل دوره الحقيقي في أنه يمثل «رافعة معرفية» هائلة؛ تضاعف قدرة العقل البشري على التحليل والربط والتوليد، وتنقل الجهد الإنساني من مستوى جمع المعلومات ومعالجتها آليًا، إلى مستوى التفكير الاستراتيجي والتوجيه والنقد واتخاذ القرارات.

ولهذا فإن الحتمية التي أتحدث عنها لا تعني أن على الإنسان أن يستخدم الذكاء الاصطناعي في كل مهمة، ولا أن العمل بدونه أصبح خطأً. الحتمي في نظري هو التعامل معه معرفيًا: أن تعرف ما هو، وما الذي يستطيع فعله، وما الذي يعجز عنه، ومتى يمكن الاستفادة منه، ومتى ينبغي استبعاده.

فالطبيب ليس ملزمًا بأن يسأل نموذجًا لغويًا عن كل مريض، والباحث ليس ملزمًا بأن يمرر كل فكرة عبر الذكاء الاصطناعي، والمهندس يستطيع إنجاز أعمال كثيرة من دونه. لكن يوجد فرق بين أن تعرف الأداة ثم تقرر أن المهمة لا تحتاج إليها، وبين أن تعجز عن استخدامها أصلًا أو ترفض تعلمها ثم تسمي ذلك موقفًا مبدئيًا.

وهنا يظهر ما أسميه «الأمية الجديدة». لا أقصد بها أن من لا يستخدم الذكاء الاصطناعي أمي بالمعنى المعروف للكلمة، ولا أستخدمها وصفًا انتقاصيًا للأشخاص. وإنما أقصد أمية وظيفية جديدة بدأت تتشكل مع تغير أدوات المعرفة. فكما أن القدرة على القراءة لم تعد وحدها كافية لممارسة كثير من الأعمال بعد انتشار الحاسب والإنترنت، فإن القدرة على البحث التقليدي واستخدام البرامج المعتادة قد لا تبقى وحدها كافية في بيئة أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من أدواتها.

والأمية الجديدة بهذا المعنى ليست أن تعمل يومًا دون الذكاء الاصطناعي، وإنما أن تعجز عن استخدامه حين يفيد، وعن نقده حين يخطئ، وعن الاستغناء عنه حين لا ينبغي استخدامه.

لكن من يقود من؟

قد يبدو مما سبق أنني أدعو إلى أكبر قدر ممكن من استخدام الذكاء الاصطناعي، وهذا ليس ما أقصده، بل لعل الإفراط غير الواعي في استخدامه يمثل الوجه الآخر للمشكلة نفسها.

فكما أن رفض الأداة دون معرفتها قصور، فإن تسليم العقل لها قصور من نوع آخر.

وهذا هو الخط الفاصل الذي أراه أساسيًا في النقاش كله: الفرق بين الاستعانة بالذكاء الاصطناعي وبين تفويض التفكير إليه.

يمكن للباحث أن يستخدمه في استكشاف مصطلحات بحثية لم ينتبه إليها، أو مقارنة عدد كبير من الأفكار، أو اقتراح زوايا للنقد، أو تنظيم بيانات، أو شرح مفهوم معقد من أكثر من مدخل، أو مساعدته في مراجعة بنية مقال، أو تحسين لغة نص كتبه هو. ويمكن للطبيب والمهندس والمحامي والمبرمج والمعلم أن يجد لكل منهم تطبيقات تساعده على توسيع قدرته أو تسريع بعض أجزاء عمله.

لكن الأمر يختلف تمامًا عندما يتحول الإنسان من قائد للعملية إلى متلقٍ لمخرجاتها، فيطرح السؤال، ويأخذ الجواب، ثم ينقله كما هو لأنه بدا مقنعًا في لغته وترتيبه.

فالذكاء الاصطناعي يجيد أحيانًا إنتاج الخطأ بصورة شديدة الإقناع، وهذه ليست ملاحظة انطباعية، بل خطر معروف في تصميم النماذج التوليدية نفسها. ويسمي NIST هذه الظاهرة Confabulation، وهي أن ينتج النظام معلومات خاطئة أو غير صحيحة ويعرضها بثقة، وقد يشمل ذلك استدلالات أو مراجع تبدو صحيحة وهي ليست كذلك.

إن فهم إيجابيات وسلبيات الذكاء الاصطناعي مجتمعة هو الخطوة الأولى لتجاوز سذاجة الانبهار المطلق أو عمى الرفض القاطع.

ولهذا فإن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعفي الإنسان من المعرفة، بل قد يجعل حاجته إليها أشد.

فالجاهل بالمجال قد لا يعرف أن الإجابة التي أمامه خاطئة، أما الخبير فيعرف أين يبحث عن موضع الخلل، وأي ادعاء يحتاج إلى تحقق، وأي مصدر يستحق الرجوع إليه. وقد كانت قيمة الخبرة في السابق تظهر بدرجة كبيرة في القدرة على الوصول إلى المعلومة وإنتاجها، أما مع هذه الأدوات فإن جزءًا متزايدًا من قيمة الخبرة سيظهر في القدرة على السؤال، والتمييز، والنقد، والتحقق، واتخاذ القرار.

ولهذا لا أرى أن الذكاء الاصطناعي يلغي التفكير البشري، لكنه قادر بلا شك على إلغائه عند من يريد أن يعفي نفسه منه.

والمشكلة في نهاية الأمر ليست أن يفكر الإنسان بمساعدة الآلة، وإنما أن يتوقف عن التفكير بسببها.

وقد أظهرت تجارب ميدانية أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يحسن أداء بعض العاملين بصورة حقيقية. ففي دراسة شملت 5,179 من موظفي خدمة العملاء ارتفعت الإنتاجية في المتوسط بنحو 14% عند استخدام مساعد قائم على الذكاء الاصطناعي، وكانت الفائدة أكبر لدى الأقل خبرة، في حين كانت أقل بكثير لدى الأكثر خبرة.

وهذه النتيجة في ذاتها مثيرة للاهتمام، لأنها تشير إلى أن التقنية قد تختصر بعض المسافة بين الخبرة الناقصة والممارسات الأفضل، لكنها في الوقت نفسه لا تقول إن استخدامها يجعل كل إنسان أكثر كفاءةً في كل مهمة.

الذكاء الاصطناعي يرفع إنتاجية الموظفين ويقلل فجوة الخبرة

وهذا يعيدنا إلى السؤال: من يقود من؟

هل المعرفة المنتجة بمساعدة الذكاء الاصطناعي أقل أصالة؟

لعل أكثر ما يلفت نظري في النقاش الحالي هو النظر إلى استخدام الذكاء الاصطناعي وكأنه في ذاته عيب في المنتج المعرفي.

ولو تأملنا الأمر بعيدًا عن الانفعال لوجدنا أن المعرفة الحديثة لم تُنتج منذ زمن طويل بأدوات العقل المجرد وحده. الباحث يستخدم محركات البحث وقواعد البيانات وبرامج إدارة المراجع والتحليل الإحصائي والتدقيق اللغوي، ويستعين ببرمجيات تختصر عليه أعمالًا ربما كانت تحتاج في زمن سابق إلى ساعات أو أيام، بل لا يقول عاقل إن استخدام برنامج إحصائي جعل نتائج الدراسة أقل أصالةً لأن الباحث لم يحسب كل قيمة بيده، ولا أن استخدام محرك البحث أفسد المعرفة لأن صاحبه لم يفتش في رفوف المكتبة واحدًا واحدًا.

لكن المقارنة هنا تحتاج إلى قدر من الحذر، فالذكاء الاصطناعي يختلف عن كثير من تلك الأدوات من جهة مهمة، وهي أنه لا ينفذ فقط ما يأمره الإنسان به تنفيذًا ميكانيكيًا، بل يستطيع أن يقترح ويعيد الصياغة ويربط ويحلل وينتج نصوصًا وأفكارًا تبدو في ظاهرها مستقلة. ولهذا فإن دخوله في العمل المعرفي يحتاج مستوى أعلى من الشفافية والتحقق والمسؤولية.

لكن هذا الاختلاف لا يقود بالضرورة إلى رفض استخدامه، بل إلى وضع معيار أفضل للحكم.

فبدلًا من السؤال: هل استخدمت الذكاء الاصطناعي؟

ربما يكون الأجدر أن نسأل: في ماذا استخدمته؟ ومن أنشأ السؤال والفكرة؟ وكيف تحققت من المعلومات؟ وهل المصادر حقيقية؟ وهل تستطيع الدفاع عن الاستدلال دون العودة إلى الأداة؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ظهر الخطأ؟

وهذه ليست رؤية متساهلة مع البحث العلمي كما قد يظن بعض الناس. فحتى اللجنة الدولية لمحرري المجلات الطبية ICMJE لا تتعامل في إرشاداتها المحدثة عام 2026 مع استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره سببًا لإسقاط العمل، وإنما تطلب الإفصاح عن كيفية استخدامه، وتؤكد أن أدوات الذكاء الاصطناعي لا تعد مؤلفًا لأنها لا تستطيع تحمل مسؤولية الدقة والنزاهة والأصالة. المسؤولية في النهاية مسؤولية الإنسان، وعليه مراجعة الناتج والتحقق منه والإفصاح عن استخدام الأداة وفق سياسة جهة النشر.

وهذا في نظري هو لب القضية، فالأداة قد تشارك في الإنتاج، لكنها لا تتحمل المسؤولية المعرفية.

فإذا قدَّم الذكاء الاصطناعي للباحث عشرة مراجع، ثم نقلها الباحث دون أن يفتحها، فالخطأ خطأ الباحث قبل أن يكون خطأ الأداة. وإذا اقترح تحليلًا فقبله صاحبه دون فهم، فلا يستطيع أن يتذرع لاحقًا بأن الآلة هي التي قالت ذلك. وإذا ساعدت الأداة في تحرير مقال أو ترتيب أفكاره، فإن السؤال الحقيقي ليس كم كلمة اقترحت، وإنما من يملك الفكرة ومن يستطيع الدفاع عنها ومن يقف خلف ما نُشر باسمه.

وعلى الجانب الآخر، لا أرى وجهًا لأن يخجل صاحب عمل من قوله إنه استعان بأداة ذكاء اصطناعي لتحسين بحث أو اختبار فكرة أو مراجعة صياغة، متى كانت قواعد المجال تسمح بذلك وكان الاستخدام منضبطًا وشفافًا عند وجوب الإفصاح عنه. فالاستحياء هنا قد يكون من بقايا مرحلة انتقالية لم تستقر فيها بعد أعراف استخدام الأداة.

ليست دعوة إلى التسليم

سيكون من الخطأ أن ننتقل من مقاومة الذكاء الاصطناعي إلى تقديسه. فهناك مخاطر لا يمكن التعامل معها باستخفاف؛ من الهلوسة والتحيز، إلى الخصوصية وسرية البيانات، وحقوق الملكية الفكرية، والثقة المفرطة في الإجابات، وضعف بعض المهارات إذا تُركت للأداة بصورة مستمرة.

وقد يكون عدم استخدام الذكاء الاصطناعي في موقف ما هو عين الصواب. فإذا كان الغرض من المهمة التعليمية قياس قدرة الطالب على التحليل بنفسه، فإن تفويض التحليل إلى نموذج لغوي يهدم الهدف من المهمة حتى لو كانت الإجابة النهائية صحيحة. وإذا كانت البيانات حساسةً أو سريةً، فقد يكون رفعها إلى خدمة خارجية خطأً مهنيًا جسيمًا. وإذا كانت الأداة لا تضيف قيمةً للمهمة، فلا معنى لاستخدامها لأنها متاحة.

وهذا كله لا يتعارض مع فكرة «الأمية الجديدة»، بل يؤكدها؛ لأن الكفاءة الحقيقية ليست أن تستخدم الذكاء الاصطناعي في كل شيء، وإنما أن تعرف متى تستخدمه، وكيف تستخدمه، ومتى تتوقف عنه. فمن لا يعرف إلا الرفض لا يملك الأداة، ومن لا يعرف إلا الاستخدام أصبحت الأداة تملكه.

إنتاج المعرفة بعد الذكاء الاصطناعي

أظن أننا نعيش مرحلة انتقالية شبيهة من بعض الوجوه بمراحل سابقة أعادت فيها التقنية تعريف معنى الكفاءة. ولا يزال من المبكر معرفة الصورة النهائية التي سيستقر عليها الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث والعمل المهني، لكن من الصعب في المقابل تصور عودة العالم إلى ما قبل هذه الأدوات.

ومع ذلك، فإن التحول الحقيقي لن يكون في وجود نموذج لغوي داخل كل جهاز، وإنما في تغير طريقة الإنسان في العمل معه.

سيبقى هناك من يستخدم الذكاء الاصطناعي لينتج أكثر وهو يفكر أقل، وسيكون هناك من يستخدمه ليفكر أكثر لأنه أصبح قادرًا على اختبار أفكاره من زوايا لم تكن متاحةً له بالسرعة نفسها. سيستخدمه بعض الناس آلة لإنتاج الإجابات، وسيستخدمه آخرون أداة لإنتاج أسئلة أفضل.

وهنا يظهر الفرق؛ فليس التقدم أن نستبدل عقلًا بشريًا محدودًا بآلة واسعة المعرفة، ولا أن نتمسك بحدودنا بدعوى حماية أصالتنا. التقدم في نظري أن نستخدم اتساع قدرة الآلة مع الإبقاء على الحكم والمسؤولية والغاية بيد الإنسان.

ولذلك فإن السؤال الذي سيزداد أهميةً في السنوات القادمة لن يكون: هل تستخدم الذكاء الاصطناعي؟

بل: كيف تستخدمه؟ هل جعلك أكثر معرفةً أم أكثر اعتمادًا؟ هل وسَّع قدرتك على التفكير أم اختصر عليك التفكير نفسه؟ هل تستخدمه لتختبر ما تعرف، أم لتغطي ما لا تعرف؟ وإذا أخطأ، هل تستطيع أن تعرف أنه أخطأ؟

ومن هنا أعود إلى العنوان. فالأمية الجديدة ليست في رفض التقنية وحده، ثم إنها ليست في الجهل بطريقة كتابة الأوامر لها، بل في العجز عن بناء علاقة معرفية ناضجة معها. أن تعرف قدرها دون أن تقدسها، وأن تعرف خطرها دون أن تخاف منها، وأن تستفيد من سرعتها دون أن تتنازل لها عن عقلك.

فالذكاء الاصطناعي في النهاية أداة بالغة القوة، وسيزداد دخوله في إنتاج المعرفة والعمل المهني سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا. لكن دخول الأداة إلى عملية التفكير لا يعني أن نسلمها القيادة.

وهنا قد يكون الفرق الحقيقي بين الأمية والمعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي: أن تستخدمه حين يفيد، وأن ترفضه حين يجب، وأن تنقده دائمًا، ثم تتحمل أنت مسؤولية ما تنتج.

أما السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا كلما ازدادت قدرته واتسعت استخداماته فهو أبسط من ذلك كله: من يقود من؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة