تُعد أزمة المهارات في سوق العمل من أبرز التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد العالمي في العصر الحديث، لا سيما مع التطور التكنولوجي المتسارع واعتماد الشركات على الرقمنة. وغالبًا ما يُلقى باللوم بشكل سطحي على الأنظمة التعليمية أو عدم جاهزية العمال، إلا أن التحليل العميق يكشف عن خلل جوهري يتمثل في تراجع أرباب العمل عن المشاركة في الاستثمار في التدريب المهني.
يستعرض هذا المحتوى التحليلي الجذور الحقيقية لتلك الفجوة، ويناقش الحلول المقترحة بدءًا من تقييم دور التعليم العالي والحد الأدنى للأجور، وصولًا إلى ضرورة تبني إستراتيجيات التدريب القائم على العمل لضمان جودة الوظائف وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة.
جذور أزمة المهارات وتراجع دور أرباب العمل
كثيرًا ما يتناهى إلى مسامعنا أنَّ الأيدي العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية تواجه أزمة مهارات، وقد تتفاقم هذه الأزمة في السنوات المقبلة مع تزايد الاعتماد على التقنيات الرقمية، ما يقتضي ضرورة تعلم البرمجة وإتقانها. بيد أنَّ أزمة المهارات هذه ليس مردها إلى عدم كفاية الأنظمة التعليمية، أو عدم استعداد جيل الشباب من العمال لاستيعاب الطفرة التكنولوجية، وما يقتضيه ذلك من خبرات أو متطلبات مهارية؛ لمواكبة التقدم واللحاق بركب المعاصرة، كما يزعم بعضنا.
إنَّ المشكلة تكمن في أن الشركات في الولايات المتحدة الأمريكية لا تولي أي اهتمام للمشاركة في مسؤولية تنمية المهارات وصقلها، باستثناء عدد قليل جدًّا منها، لا يكاد يذكر.
كان كثير من أرباب العمل إمَّا غير راغبين، وإمَّا غير قادرين على استثمار موارد كافية في التعلم القائم على العمل، وخلق مسارات وظيفية مجزية للمهارات، تتيح الفرصة الاقتصادية للعمال في أدنى درجات سوق العمل. وتستثمر الأعمال التجارية في الولايات المتحدة بأسرها موارد أكثر في تدريب القوى العاملة من الوكالات الفيدرالية، أو الوكالات التابعة للولايات المتحدة. ولكن نمط الاستثمار غير المتكافئ إلى حد كبير يهدد بتكثيف التفاوت الاقتصادي؛ ففي المتوسط، تكون الشركات الأكبر حجمًا أكثر سخاءً واتساقًا في تدريب القوى العاملة من نظيراتها الأصغر حجمًا.
ما يجعل هذا الاختلال في التوازن في التدريب مثيرًا للقلق بوجه خاص أن الشركات الصغيرة تشكل الغالبية العظمى من شركات أرباب العمل في الولايات المتحدة. حتى الركود الناجم عن «كوفيد 19» «COVID-19»، كانت أعدادها في ارتفاع، في وقت كانت فيه الشركات الأكبر حجمًا ـ سواء أكان ذلك باختيارها أم بسبب ضغوط المستثمرين ـ تستعين بمصادر خارجية لعدد أكبر من الوظائف لصغار الموردين أو المتعاقدين من الباطن.
بخلاف حجم الشركات، توجد مصادر أخرى لعدم المساواة في التدريب، تؤثر سلبًا على العمال ذوي الأجور المنخفضة. ومن المفارقات الغريبة أن معظم أرباب العمل، بغض النظر عن حجمهم، يقصرون دعم تنمية المهارات وصقلها على الموظفين الذين هم فعلًا على درجة عالية من التعليم. والنتيجة هي هيكل مزدوج يزيد من تركيز المكافآت على قمة التسلسل الهرمي المهني، مع إتاحة فرص قليلة للتقدم لمن هم في القاع.
ما العواقب الاقتصادية لهذا الاختلال في المهارات؟ وما الذي يمكن فعله لتشجيع أرباب العمل -ولا سيما الشركات الأصغر حجمًا- على تولي قدر أكبر من المسؤولية عن تنمية المهارات وتوسيع نطاقها؟ وكيف يمكن للمنظمات التي تسعى إلى تحسين ظروف العمل وتوسيع الفرص الاقتصادية أن تتعاون وتساعد؟ أعتقد أنَّ أحد المكونات الأساسية للحل هو التعلم من أجل النظر إلى المهارات باعتبارها مشكلة توظيف وليست مشكلة تعليم، وبناء المؤسسات لجعل تلك الرؤية حقيقة ملموسة.
لترسيخ هذه القضايا، ضع في اعتبارك حالة مادي بارلييه «Maddie Parlier»، وهي امرأة من كارولينا الجنوبية لُخِّصت قصتها في مقال لآدم ديفيدسون نُشر في مجلة «The Atlantic» في العام 2012. وآنذاك، كانت مادي امرأة معيلة، في الثانية والعشرين من عمرها، ولم تحصل إلا على شهادة الثانوية العامة فقط، وكانت تعمل في وظيفة على مستوى المبتدئين في شركة صغيرة لتصنيع قطع غيار السيارات.
وتلقي قصتها الضوء على «أزمة الوظائف» التي يواجهها الملايين من الأمريكيين ذوي الدخل المنخفض المحصورين في العمل العقيم -الذي تقلصت الحاجة إليه- ذي الأجور المنخفضة، وغالبًا ما يؤدون مهام روتينية يمكن بسهولة أتمتتها في المستقبل القريب بواسطة إنسان آلي.
تندرج المقترحات المشتركة لمساعدة العمال من أمثال «مادي» في ثلاث فئات عريضة: التعليم العالي، وتشريعات الحد الأدنى للأجور، والتدريب والدعم في مكان العمل. وعلى حين أن لتشريعات التعليم والأجور أدوارًا مركزية تؤديها في أي برنامج للسياسة العامة للعمال، فإن التدريب في مكان العمل، كما سنرى، يُعد مهمة أساسية أيضًا، على الرغْم من أنه غالبًا ما يحظى باهتمام أقل بوصفه هدفًا من أهداف السياسة العامة.

هل يمثل التعليم العالي الحل الجذري؟
وفقًا لوجهة نظر ديفيدسون، فإن مصير «مادي» - وبذلك مصير جميع الأفراد ذوي الدخل المنخفض - محكوم بعدم حصولهم على تعليم جامعي «شهادة جامعية أو أعلى»، تلك التذكرة الذهبية إلى الطبقة المتوسطة، التي لا تزال بعيدة المنال لما يقرب من نصف السكان في سن العمل في الولايات المتحدة.
قدم علماء ومحللو العمل البارزون مقترحات لمعالجة هذه المشكلة. وينسجم البعض منها انسجامًا وثيقًا مع العقيدة المركزية لديفيدسون، وهي أن احتمالات توظيف مادي سوف تتحسن كثيرًا إذا تخلت عن وظيفتها اليومية غير المُرضية في مجال تصنيع حاقنات الوقود المخصصة، وسعت بدلًا من ذلك إلى الحصول على شهادة جامعية.
وكدليل داعم، يقدم ديفيدسون تجربة لوك «Luke»، زميل مادي في العمل، وهو شاب موظف يتسم بالطموح، حاصل على درجة مشارك في المعالجة الميكانيكية التطبيقية من كلية مجتمعية قريبة. ولا تضمن درجته راتبًا مبدئيًّا أفضل فحسب، بل تمهد أيضًا الطريق للتنقل المهني وتولي مناصب أعلى، ناهيك عن كونها أكثر أمانًا في الشركة.
ومع ذلك، توجد حدود شديدة الخطر لهذه النظرة إلى المشكلة. فمن ناحية، توجد الضغوط المالية التي غالبًا ما تصاحب التعليم العالي. إذا تركت مادي وظيفتها للحصول على شهادة، فإنها ستتخلى عن راتبها كل أسبوعين، الأمر الذي يجعل من الصعب توفير مئونة نفسها وابنتها ودفع تكاليف رعاية الأطفال والإيجار، وغيرها من الضروريات المنزلية.
وعلى الرغم من أن تمويل التعليم الفيدرالي ومدفوعات الرعاية الاجتماعية يمكن أن يوفرا بعض الإغاثة المؤقتة، فإنهما محفوفان بالمخاطر دون التأكد من احتمالات توفر فرص العمل في نهاية المطاف.
هل تضمن الشهادة الجامعية عملًا جيدًا وتفتح الباب أمام الطبقة المتوسطة؟ ماذا عن عمرها «بما في ذلك السنوات المضافة خارج سوق العمل»؟ أو مسؤولياتها كأم معيلة؟ أو عدم قدرتها على الانتقال أو التنقل لساعات طويلة؟ هل تحول هذه العوامل وغيرها دون تحقيق الأمن الاقتصادي على المدى الطويل حتى مع المزيد من التعليم؟
كما يتجاهل هذا النهج القائم على جانب العرض دافعًا رئيسًا للتفاوت في الدخول: تدني نوعية الوظائف في مستوى الدخول. وعلى الرغم من أن المزيد من التعليم قد يساعد مادي في الحصول على وظيفة أفضل في أماكن أخرى، فإنه يترك نوعية وظيفتها السيئة دون المساس بها ــ وهو أمر مرشح لأن يواجهه طالب آخر ضعيف اقتصاديًّا. وأي اقتراح لتحسين ظروف مادي يجب أن يحسن الوظيفة نفسها، بما في ذلك تغيير كيفية الاعتراف بإسهاماتها كعاملة ومكافأتها.
تشريعات الحد الأدنى للأجور وتأثيرها في سوق العمل
وثمة اقتراح بديل هو سن تشريع لرفع الحد الأدنى لأجر «مادي». ومن الواضح أن زيادة الأجور من شأنها أن تنتشر في سوق العمل ذي الأجور المنخفضة، الأمر الذي سيعود بالفائدة على مادي وغيرها من العمال الآخرين الذين لا يُقيَّمون تقييمًا حقيقيًّا، ولا يُقدَّرون بالقدر الكافي. إن التوقعات الصادرة عن معهد السياسة الاقتصادية، وهو مؤسسة فكرية ذات توجه تقدمي، تعزز هذه النقطة؛ فزيادة الحد الأدنى للأجور الفيدرالية إلى 10.10 دولارات في الساعة ستعود بالفائدة على ما يزيد على «17» مليون عامل من ذوي الأجور المنخفضة في الولايات المتحدة.
إذا حُدد السعر عند 15 دولارًا في الساعة، فإن 15 مليون عامل إضافي سيشهدون زيادة كبيرة في الدخل. وسوف تنخفض هذه الأرقام إذا اقتصر التشريع على مستوى الولايات أو المستوى المحلي، ولكنها تظهر الشبكة الواسعة النطاق التي تفرضها سياسة سوق العمل النشطة.
وعلى هذا الأساس، فلا شك -إذن- أن رفع الحد الأدنى للأجور من شأنه أن يزيد من إمكانات دخل مادي «Maddie». ولكن هل يمكن أيضًا أن يسفر ذلك عن آفاقٍ وظيفيةٍ أفضل لمادي داخل الشركة، الأمر الذي يسمح لها باكتساب مهارات إضافية وأجور أعلى؟ يزعم الباحثون والناشطون الذين يدعون إلى زيادة مستويات الحد الأدنى للأجور والأجور المعيشية أنها سوف تدفع صاحب عمل «مادي» إلى إدخال تدابير لتعزيز الإنتاجية للتعويض عن بعض تكلفة العمل الإضافية، بغية الاستفادة على نحو أفضل من مواهب الموظفين غير المستغلة.
وما إذا كان هذا الادعاء صحيحًا يمثل تساؤلًا محوريًّا في النقاش المستقطب بشأن تشريعات الحد الأدنى للأجور. ويشير المنتقدون إلى أن صاحب عمل «مادي» قد يستجيب للحد الأدنى الأعلى للأجور بطريقة أقل شموليةً ودعمًا ــ وربما يتبنى تدابير لخفض التكاليف من شأنها أن تكلف مادي وظيفتها في نهاية الأمر.
بيد أن الدراسات الأخيرة لم تجد أي خسارة في الوظائف بسبب الزيادة المقررة في الأجور، ما يشير إلى أن اقتصادنا قادر بسهولة على استيعاب الزيادة العالمية. ومن الأمور الملحة على وجه الخصوص مجموعة من الدراسات «الحدودية» التي تقرن بين الولايات القضائية المجاورة ذات الخصائص الاقتصادية والصناعية المماثلة، إذ تعتمد إحداها معيارًا أعلى للحد الأدنى للأجور.
يبين هذا العمل أن رفع معيار الحد الأدنى للأجور لا يسبب انخفاضًا كبيرًا أو متسارعًا في العمالة عمومًا. وتجد دراسات المتابعة أن أرباب العمل يضيفون وظائف جديدة عقب دخول مرسوم الأجور الأعلى حيز النفاذ، إما بتحويل التكلفة المتزايدة إلى عملائهم، أو باعتماد تدابير لتوفير التكلفة؛ لتعويض الزيادة المقررة في الأجور. ولذلك فإن زيادة الأجور خيار واعد يمكن أن يساعد على تحسين مكاسب العمال ذوي الأجور المنخفضة.
ومع ذلك، وفي ضوء موقف مادي الاقتصادي غير المستقر، سيصبح من الأهمية بمكان أن ندرك أن هذه النتائج مجرد متوسطات. وعلى الرغم من أن غالبية أصحاب العمل في الولايات القضائية التي سنت أجورًا أعلى ما زالت تعمل على توسيع نطاق فرص العمل، فإن آخرين لم يفعلوا ذلك.
والواقع أن مقابلة ديفيدسون مع صاحب عمل مادي تشير إلى أن رئيسها كان في المعسكر الثاني؛ لأنه كان على اقتناع بأن شركته الصناعية الصغيرة سوف تكافح من أجل استيعاب تكلفة العمل الإضافية، فقد كان يفكر فعلًا في التشغيل الآلي ليحل محل العمال المبتدئين. إنه ليس الوحيد الذي أولى الأتمتة هذا الاهتمام.
وتشير دراسة حديثة إلى أن المصنعين في الولايات المتحدة قد يكونون حساسين بوجه خاص لارتفاع الحد الأدنى للأجور بالمقارنة بنظرائهم في صناعات الخدمات المرتبطة بالمواقع، مثل تجارة التجزئة والمطاعم.
والأمر الأكثر أهمية هو أن أصحاب العمل، حتى في مجال الصناعة التحويلية، يمكنهم الاستجابة لمتطلبات الأجور الأعلى بدعم الوظائف في مستوى المبتدئين بعمال ذوي مهارات عالية أو، بدلًا من ذلك، باستبدال العمال ببدائل تكنولوجية.
وهذا الخيار يسلط الضوء على حدود أداة سياسة غير حادة، مثل زيادة الأجور، بمعزل عن غيرها. ويلزم اتخاذ إجراءات مساندة لتعزيز التشريعات المتعلقة بالأجور. وتدعيمًا لهذه النقطة، يدرك الباحثون العاملون في مجال البحث في الحد الأدنى للأجور والأجور المعيشية أن مستويات الأجور الأعلى ليست سوى نقطة انطلاق ــ وأن الأمر يتطلب المزيد من العمل لترجمة هذه المكاسب في الأجور إلى فرص عمل أفضل.

أهمية التدريب والدعم المهني داخل المؤسسات
يقودنا ذلك إلى اقتراح ثالث: مزيج من التغيير القائم على العمل والدعم المؤسسي. تتضمن المقترحات في هذا السياق توصيات بشأن التوجيه في مواقع العمل، وهو ما يعني أن العاملين في الخطوط الأمامية مثل مادي سيُقرنون بمهندسي الشركات أو مصممي المنتجات ــ بما في ذلك خبراءَ تقنيين، مثل زميلها «لوك» الذي تلقى تعليمه الجامعي الذي يعمل، وفقًا لبيانات ديفيدسون، بمعزل عن القوة العاملة في المستوى المبتدئ.
ويسمح التوجيه الشامل للوظائف بتقاسم الأفكار، ويتيح قناة لتعزيز الدعوة من قبل الأقران، ما يتيح للعمال ذوي الرتب العليا أن يشهدوا على إمكانية الاعتماد على زملاء العمل الجدد وعلى طباعهم، والضغط من أجلهم للحصول على دعم إضافي، وعلى قدر أكبر من الأمن الوظيفي.
وتتمثل إحدى التوصيات ذات الصلة في أن يخصص صاحب العمل، الذي تعمل «مادي» في مؤسسته، وقتًا لحل المشكلات الجماعية. وقد يشتمل ذلك على التدريب الذي يرعاه أصحاب العمل: تعزيز الهياكل الرسمية في أثناء العمل بالعمل خارج الموقع.
ويمكن دعم هذا الخيار بسهولة بخطة لتسديد الرسوم الدراسية المدعومة من الشركة، أو جدول زمني مرن للعمل من شأنه أن يمكِّن «مادي» من الاستفادة من معرفتها التأسيسية بالرياضيات والعلوم في المدارس الثانوية، وهي موضوعات تتمتع بها وتتميز بها كطالبة. بل إن صاحب عمل «مادي» يستطيع أن ينشئ برنامجًا للتلمذة الصناعية مسجلًا فيدراليًّا، ويشارك مع كلية مجتمعية مجاورة لمواءمة التعلم في أثناء العمل مع شهادة معاونة ذات صلة تقنيًّا أو شهادة مهنية معترف بها صناعيًّا.
ويمكن أن تؤدي فرص التعلم القائمة على العمل هذه إلى أن تمنح «مادي» المزيد من الوقت لتطوير مهارات جديدة، وتتاح لها فرصة الصعود إلى السلم التنظيمي. حتى إننا قد ندفع الحجة إلى أبعد من ذلك، ونفترض أن هذه التغييرات في مكان العمل سوف تسفر عن علاقة دائمة بين العامل وصاحب العمل، من شأنها في الوقت نفسه أن تدعم زيادة الإنتاجية، وابتكار العمليات وتطويرها، ومن ثم التقدم الوظيفي ــ وهو أمر يزيد من مكاسب «مادي» وصاحب عملها معًا.
وما تجدر الإشارة إليه أن إلقاء نظرة فاحصة إلى الظروف المحيطة بصاحب العمل، الذي تعمل فيه «مادي»، يشير إلى أنه قد يكون من الصعوبة بمكان أن ننفذ قدرًا كبيرًا من هذه التغييرات على المستوى الفردي، وخاصة في ضوء سوق قطع السيارات ذات القدرة التنافسية الفائقة التي تغمرها منتجات منخفضة الأسعار مستوردة من الصين.
وهذا الواقع الصعب يؤدي إلى العودة إلى وجهة نظر ديفيدسون: ذلك أن الحراك الاجتماعي لن يكون ممكنًا إلا إذا تركت «مادي» وظيفتها العقيمة هذه من أجل السعي إلى الحصول على شهادة جامعية، أي إن ذلك لن يتحقق ما لم نعترف بأوجه الإجحاف المجتمعي والاقتصادي الأوسع نطاقًا التي نخلقها بإخلاء الشركات من مسؤولية تنمية المهارات، وتحويل الكثير من ذلك العبء إلى مؤسسات التعليم العالي والطلاب الذين يتعلمون فيها.
ما الذي يمكن عمله لإصلاح هذا الخلل؟ نحن بحاجة إلى حل قابل للتطوير؛ يشجع أرباب العمل على تقبل قدر أكبر من المسؤولية عن تنمية المهارات، وتوسيع الفرص الاقتصادية للعمال في أدنى درجات سوق العمل في الولايات المتحدة. وتساعد ثلاثة مبادئ على رسم مسار للعمل المؤسسي.
ينطوي الأول على وضع تنمية المهارات ضمن إطار أوسع لنوعية الوظائف. إن تنمية المهارات ليست مجرد مقدمة للوصول إلى الوظائف الجيدة؛ بل إنها هي التي تجعلها وظائف جيدة. وتتيح نوعية العمالة للعمال إمكانية الحصول على فرص التعلم والتدريب اللذين يرعاهما أرباب العمل، ما يمكن أن يوسع آفاق الحياة الوظيفية، سواء داخل الشركة أو عبر الصناعات المرتبطة بها.
وفي هذا الصدد، فإن فرص التدريب ليست مجرد اعتبار ثانوي؛ فهي جزء لا يتجزأ من نوعية الوظائف مثل الأجور المرتفعة، والاستحقاقات الشاملة، والاستقلال الذاتي في مكان العمل، والرضا الوظيفي.
وقد وضعت كتابات عديدة دعمَ أرباب العمل لتنمية المهارات في مصاف أجور دعم الأسرة وغيرها من الاستحقاقات المعززة للدخل. ولطالما ربطت منظمة العمل الدولية، وهي هيئة تابعة للأمم المتحدة، تنمية المهارات بـ«العمل اللائق». وقد فعل كثير من العلماء الشيء نفسه. ويتحتم على القوى العاملة ودعاة العمل أن يحسنوا الاستفادة من قوة المهارات اللازمة؛ لدفع الشركات التجارية في الولايات المتحدة إلى تحسين نوعية الوظائف التي توفرها.
وللمساعدة في توضيح هذا الاحتمال، ضع في اعتبارك مبدأً ثانيًا: ألا وهو أن المهارات تضفي قيمة مشتركة على العمال وأصحاب العمل. المهارة ليست شيئًا يعتز به العمال وحدهم، بل هي ذات قيمة لكل من أرباب العمل والعاملين. ويسعى العمال إلى الحصول على مهارات جديدة للنهوض بحياتهم المهنية، ولكن أيضًا لجعل حياتهم العملية اليومية أكثر إرضاءً ورضًا مهنيًّا.
ويعترف أرباب العمل بأن المهارات ضرورية لتعزيز الإنتاجية والنهوض بابتكار المنتجات والعمليات. «ويتجلى ذلك في كثرة أصحاب العمل الذين يشعرون بالقلق إزاء نقص المهارات الصناعية». وتمثل القوة العاملة الأكثر مهارة موردًا لأرباب العمل للاستجابة للتحديات الاقتصادية والتكنولوجية الناشئة أو للظروف الطارئة. وأكثر من تقديم حل واعد لتفاوت الدخل المتزايد، إذن، فإن تحسينات المهارات تعمل على توسيع الخيارات المتاحة للابتكار الصناعي، وتهيئة الظروف لمرونة اقتصادية واسعة النطاق.
ومع ذلك، ففي حين قد يتقاسم العمال وأصحاب العمل رابطة إيجابية بالمهارات، فإنهم لا يفسرونها دائمًا بالطريقة نفسها ــ لأسباب عديدة. على أبسط المستويات، ما هي «المهارة» بالضبط؟ هل هي مجرد كفاءة تقنية، تُفسَّر تفسيرًا ضيقًا، أم أنها تشمل أشكالًا أقل ملموسية من الإدراك والإبداع والقدرة الاجتماعية؟ فضلًا عن ذلك، فمن الذي يُعد ماهرًا؟ ومن يملك سلطة اتخاذ هذا القرار؟ هل المهارات مملوكة لفرادى العمال، أم أنها جزء من مجموعة منسوجة بإحكام في النسيج الاجتماعي للعمل اليومي؟
تقودنا هذه الاعتبارات إلى مبدأ ثالث: فالمهارة مفهوم غامض وقابل للالتباس. وينشأ هذا الغموض عن اختلاف وجهات النظر والخبرات والضغوط التي تواجه العمال وأصحاب العمل. وفي بعض الأحيان، قد يؤدي اللايقين الناتج عن ذلك إلى تقويض الجهود الرامية إلى تحسين تنمية المهارات في العمل. وهذا من شأنه أن يزيد من مخاوف أصحاب العمل من أن الاستثمار في التدريب في أثناء العمل من شأنه أن يكافئ شركات أخرى إذا ما قبل العامل المدرب حديثًا وظيفة في مكان آخر.
ومن الممكن أيضًا أن يخلق احتكاكًا في مكان العمل من شأنه أن يقوض محاولات أصحاب العمل الرامية إلى توسيع نطاق التعلم القائم على العمل. يشعر كثير من الباحثين وممارسي القوة العاملة بعدم الارتياح إزاء هذا اللايقين، ولذلك فإنهم يسعون إلى مزيد من الوضوح والدقة بتحسين تقييم المهارات وقياسها.
على النقيض من ذلك، فإنني أزعم أن الغموض في المهارة هو شيء يجب أن نتبناه؛ إذ يمكن أن يؤدي ذلك إلى فتح الباب أمام العمل المؤسسي، ما يسمح لمناصري القوى العاملة بعبور العتبة إلى الشركة، وتحفيز أرباب العمل بتحول يركز على المهارات؛ لتعزيز الخبرة العملية للعمال الضعفاء اقتصاديًا والباحثين عن عمل.
والواقع أن أنواعًا مختلفة من المؤسسات الداعمة للعمال، من نقابات العمال إلى مقدمي خدمات القوة العاملة، أولت اهتمامًا راسخًا بالمهارات بوصفها فرصة للتدخل على مستوى الشركات. وهي تفعل ذلك بالاستناد إلى الاتفاق بين العمال وأرباب العمل على أن تنمية المهارات مفيدة للنهوض بالفرص الاقتصادية والتقدم.
وتعزز هذه المؤسسات دورها في محاولة كسب التأييد للعاملين ومؤازرتهم بتسخير اللايقين حول المهارات، بل وزيادة هذه الشكوك في بعض الأحيان. ويمكنها أن تستثمر غموض مفهوم المهارات من أجل النهوض بمفاهيم أوسع للخبرة الفنية، والدعوة إلى إنصاف العمال ذوي الرتب الدنيا، الذين قد يصنفهم أرباب العمل تصنيفًا تعسفيًّا، أو حتى يصنفهم زملاؤهم في العمل، بطريقة أو بأخرى، بعدهم غير مهرة أو غير مؤهلين. وبإمكانها أن تدفع أصحاب العمل إلى إعادة تفسير الاستثمار في المهارات باعتباره أمرًا حاسمًا لنجاح الأعمال التجارية في المستقبل بدلًا من كونه مسؤولية أو مخاطرة.
ويمكنها توسيع نطاق المفاوضات حول المهارات للتأثير على الجوانب الشائكة لعلاقات العمل، مثل المفاوضات بشأن الأجور الأعلى واستحقاقات العمال الأوسع نطاقًا. وبإمكانها ربط استثمارات أرباب العمل في مهارات القوى العاملة بالخيارات الحاسمة في مجال اعتماد التكنولوجيا، وتوجيه أرباب العمل إلى اعتماد تكنولوجيات جديدة ومحسنة؛ لتحسين نوعية الوظائف وتنمية الأعمال التجارية، وتوسيع نطاق الوظائف القائمة بدلًا من الاستغناء عنها؛ لذا فإنَّ اللايقين حول المهارات يوفر موردًا قويًّا يمكن أن تستخدمه الجهات المؤسسية الفاعلة لمواءمة مصالح العمال وأرباب العمل.

استراتيجيات مستقبلية: التكنولوجيا ودور وسطاء القوى العاملة
كيف يمكننا الاستفادة من هذه المبادئ لإحداث تغيير تدعو إليه الحاجة بشدة؟ ويأتي النموذج المقنع من مؤسسات القوى العاملة التي تتبنى نهج «العميل المزدوج»، وتخدم كلًّا من الباحثين عن العمل وأصحاب العمل من أجل تعزيز فرص العمل بالتوسع التنظيمي.
هذه المؤسسات، التي يُشار إليها عادة باسم وسطاء القوة العاملة، تتسم بالتنوع في أصولها وانتماءاتها المؤسسية. وبعضها نتاج المنظمات غير الربحية القائمة على المجتمع المحلي. وبعضها الآخر هو امتداد لنقابات عمالية راسخة.
وتوجد فروع أخرى تابعة لنظام الكليات المجتمعية الممولة من المقاطعة أو الدولة. وعلى الرغم من انتماءاتها المختلفة، تساعد جميع هذه الجهات الشركات على تعميق التزامها بتطوير المهارات عن طريق إضفاء الطابع الرسمي على الهياكل الداخلية التي تعترف بالتعلم القائم على العمل والتنقل المهني وتكافئهما.
ويربط وسطاء القوة العاملة أيضًا الشركات ــ والعاملين فيها في الخطوط الأمامية ــ بالمؤسسات التعليمية، ولا سيما الكليات المجتمعية والمهنية، التي تقدم التدريب والمساعدة التقنية المصمَّمَيْن خصيصًا لخدمة الشركات، إلى جانب وثائق الاعتماد المحمولة للعمال. ولكن هذه الشراكة المؤسسية تمثل أكثر بكثير من الدفعة النمطية في جانب العرض، التي تدفع الباحثين عن العمل إلى جمع المزيد من المؤهلات أو الشهادات، فيستغل وسطاء القوى العاملة هؤلاء الشركاء في التعليم بوصفهم أداةً لتعزيز نفوذهم على أرباب العمل، ولشق طريق خارجي لتعزيز فرص تنمية المهارات داخل الشركات.
ويساعد هؤلاء الوسطاء، بإقامة شراكات مع المؤسسات التعليمية، على الاستفادة من عروض الدورات الحالية والخبرة التدريبية، وعلى خفض تكلفة تدريب أرباب العمل. وهذا يعني أن الشركات قادرة على إنفاق الموارد الداخلية على دعم التطور الوظيفي للموظفين بالتعلم القائم على العمل. والنتيجة هي نموذج يصوغ أوجه الترابط بين أرباب العمل والمؤسسات التعليمية من أجل إيجاد قدرة أكبر على دعم تنمية المهارات. وفي نهاية المطاف، يظهر برنامج مؤسسي متكامل يعترف بتنمية المهارات ويعززها باعتبارها مسؤولية اجتماعية مشتركة.
لدينا عدد من الدراسات الإفرادية الملموسة للإفادة منها والبناء عليها. وتشير التقديرات إلى أنَّ هناك المئات من وسطاء القوة العاملة في الولايات المتحدة ــ أكثر بكثير إذا أدرجنا برامج ومبادرات جديدة في كليات المجتمع المحلي والمدارس الثانوية الممولة من القطاع العام.
وعلى الرغم من أنَّ وسطاء القوة العاملة موجودون منذ أمد بعيد، فقد ازداد وضوحهم في أوائل التسعينيات من القرن الماضي مع عقد اجتماعات رفيعة المستوى للمؤسسات التقدمية، وعلماء العمل، والممارسين.
ومنذ ذلك الحين، بُذلت جهود تكميلية لزيادة عدد وسطاء القوة العاملة في الولايات المتحدة، بمساعدة التمويل السخي والدعم من المؤسسات الخيرية والتحالفات ــ مثل مؤسسة آني كاسي «Annie E. Casey»، ومؤسسة فورد «Ford Foundation»، والصندوق الوطني لحلول القوة العاملة ــ وكذلك من خلال برامج إعداد الممارسين مثل أكاديمية المهارات القطاعية التابعة لمعهد أسبن.
وتوفر مجموعة غنية من المنح الدراسية بشأن الوساطة في مجال القوة العاملة أمثلة ملهمة بدراسات حالات إفرادية متعمقة، تبين نتائج العمالة والمكاسب في الأجور بتحليل تجريبي صارم وشبه تجريبي.
ولا يخلو هؤلاء الوسطاء من التحديات. وفي صورتهم المثلى، يكونون في وضع يسمح لهم بزيادة الفرص الاقتصادية للعمال ذوي الدخل المنخفض والباحثين عن عمل، بالتأثير على صنع القرار من جانب أرباب العمل في التوظيف وتحديد الأجور والتقدم.
وفي الواقع، يعترف كثير من الممارسين من بين هؤلاء الوسطاء بصعوبات إقناع أرباب العمل بإدخال تغييرات على الهياكل التنظيمية القائمة. وقد دفع ذلك بعض الوسطاء إلى مضاعفة جهودهم في تقديم الخدمات الاجتماعية، بما في ذلك التدريب قبل التوظيف، وتقديم مجموعة من أشكال الدعم للأفراد ذوي الدخل المنخفض، وإنشاء شبكة أمان في حال فشل محاولاتهم في تأمين وظائف ذات أجر جيد.
وبينما يقوم هؤلاء الوسطاء بتوجيه الباحثين عن عمل إلى أصحاب العمل «ذوي المستويات الراقية» الذين يوفرون وظائف ذات نوعية جيدة، فإنَّهم غالبًا ما يكافحون من أجل الانتقال بعملهم خطوة إلى الأمام لتحويل «الوظائف السيئة إلى وظائف جيدة».
ويتمثل التحدي الآخر الذي يحول بين الوسطاء وإحداث تأثير أكبر في الرأي السائد في أنَّ التغيير التكنولوجي يجعل مجموعات معينة من المهارات عديمة القيمة وفي عداد ما عفا عليه الزمن.
وفي إطار «عدم تطابق المهارات» هذا، لا يُتوقع من المؤسسات أن تتدخل إلا بعد أن تختار الشركات تكنولوجيات جديدة ويجري تطبيقها فعليًّا.
ويفترض أرباب العمل أنَّ هذه المؤسسات ستكون تحت الطلب، وعلى أتم الاستعداد لتحديث مهارات القوى العاملة وصقلها؛ استجابة لاعتماد الصناعة للتكنولوجيات الجديدة.
ويتمثل التحدي الآخر الذي يحول بين الوسطاء وإحداث تأثير أكبر في الرأي السائد في أنَّ التغيير التكنولوجي يجعل مجموعات معينة من المهارات عديمة القيمة وفي عداد ما عفا عليه الزمن.
وفي إطار «عدم تطابق المهارات» هذا، لا يُتوقع من المؤسسات أن تتدخل إلا بعد أن تختار الشركات تكنولوجيات جديدة ويجري تطبيقها فعليًّا. ويفترض أرباب العمل أنَّ هذه المؤسسات ستكون تحت الطلب، وعلى أتم الاستعداد لتحديث مهارات القوى العاملة وصقلها؛ استجابة لاعتماد الصناعة للتكنولوجيات الجديدة.
ولكن ليس من الضروري أن يكون الأمر على هذا النحو. وثمة فعلًا نهج بديل أكثر استباقية، وهو جزء لا يتجزأ من الأعمال، ويؤدي إلى نتائج واعدة، مع ما يترتب على ذلك من آثار بعيدة المدى بالنسبة للعاملين في مستوى المبتدئين والعاملين في الخطوط الأمامية. ففي قطاع لاس فيغاس «Las Vegas»، يُشرك اتحاد عمال الطهي أعضائه العاملين في الكازينو، البالغ عددُهم «57,000» عضو، في دراسة استقصائية سنوية للتكنولوجيا، ما يزيد من إبراز معرفة العمال في تطوير التكنولوجيا الجديدة ونشرها.
أجرى مركز للتكنولوجيا ممول من الدولة في شمال ولاية نيويورك مشروعًا مع عمال التصنيع في الخطوط الأمامية للمشاركة في تصميم روبوت تعاوني مشترك. وكانت النقابات التجارية في شمال كاليفورنيا شريكة في مصنع أو إس «Factory-OS»، وهي منشأة رائدة في البناء التقني الأولي، تجمع بين الروبوتات الرائدة، والبحث والتطوير الداخلي، وأساليب التصنيع المتقدمة. وتساعد هذه الاتحادات في توظيف القوى العاملة في الشركات وتدريبها، كما تدعو أيضًا إلى تبني الحلول المقترحة على نطاق أوسع لمعالجة أزمة الإسكان المستعصية في المنطقة.
تظهر هذه الأمثلة وغيرها أنه من الممكن التدخل في وقت مبكر في عملية الابتكار، ووضع مهارات القوة العاملة باعتبارها ذات أهمية حاسمة لاتخاذ القرارات التكنولوجية منذ البداية بدلًا من التفكير فيها بعد ذلك. ومع وجود أشكال أقوى من الوساطة، يمكن لأرباب العمل أن يتعلموا أن ثمة قيمة في مشاركة العاملين في الخطوط الأمامية باستمرار في القرارات التكنولوجية وفي عمليات التنمية.
ويمكن بذلك أن تخضع التغييرات التكنولوجية المقترحة للدعوة المركزة، لا سيما لدعم العمال الذين قد تبدو مهاراتهم متشابكة مع الابتكار. ويمكن أن يتحدى المدافعون وجهة النظر هذه، ويطعنوا فيها لأسباب تتعلق بإنصاف العمال، ولكنهم يساعدون أرباب العمل أيضًا على إدراك أن استبعاد العمال يضر بنجاح الأعمال في المستقبل.
وهذه الرؤية البديلة ترفض الفكرة القائلة بأن التغيير التكنولوجي محدد سلفًا ولا مفر منه، وترفض تحويل مؤسسات القوى العاملة إلى المقعد الخلفي. وبدلًا من ذلك، فإنها تعزز تحالفات مؤسسية جديدة لإعادة التوازن إلى سياسة المهارة، ليس مع التركيز السياسي المتجدد على أساس تعزيز مفاوضات العمال في مكان العمل فحسب، بل أيضًا على ترسيخ هذه المكاسب في رؤية مشتركة أوسع نطاقًا للإبداع الشامل.
وفي هذا المستقبل الآخذ في الظهور، لا تتمتع السلطة بالتكنولوجيا أو أربابها «أو التكنولوجيين»، بل تكمن في الكيفية التي يساعد بها الوكلاء المؤسسيون مصممي التكنولوجيا، والمطورين، والمستخدمين، بما في ذلك أصحاب العمل، والعاملين في الخطوط الأمامية في عمليات الإبداع، بما في ذلك إعادة تفسير الخيارات التكنولوجية. والأمر الأكثر أهمية هو أنها عملية اكتشاف مفتوحة ومشتركة، يضطلع فيها عمال الخطوط الأمامية بدور محوري في تشكيل التقنيات الجديدة وتطبيقاتها.
يوفر هذا التقاطع بين الشمول والابتكار الفرصة لأشكال جديدة من الدعوة إلى العمل، وهو التقاطع الذي يتعامل مع تنمية المهارات والابتكار بعدِّهما وجهين لعملة واحدة. وبينما يصوغ المدافعون هذه الشراكات المؤسسية الجديدة، فإنه يتعين عليهم أن يوفقوا بين تقاليد العمل القديمة التي تركز على عمليات العمل الداخلية للشركة والحركات الاجتماعية والعمالية الأحدث عهدًا التي تسعى إلى بناء تعبئة العمال والسلطة السياسية.
ويتعين عليهم أيضًا أن يتراجعوا إلى الوراء في مواجهة الافتراض الذي يحظى بشعبية دائمة، وهو الافتراض الذي يروِّج له بسعادة مفرطة مستقبليو التكنولوجيا، والمؤثرون، والممولون في وادي السيليكون وغيره من محاور التكنولوجيا الفائقة، ومفاده أن التغييرات التكنولوجية تؤدي بطبيعتها إلى تعطيل الوظائف وتضر بالعمال الأقل تعليمًا.
وليس الأمر أكثر من نقد للغطرسة التكنولوجية؛ فنحن نحتاج إلى هذه الاستجابة المضادة لتمكين مؤسسات القوى العاملة من رفع نفوذها على تطوير التكنولوجيا واختيارها، وتجاوز مجرد محاولة المواءمة بين المهارات وأحدث الممارسات التكنولوجية.
ولا بد من تكييف استراتيجيات إعادة تفسير المهارات لدعم عمل المستقبل، وتعزيز مهارات العمال بعدِّها أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى التقدم التكنولوجي، بإعادة تأسيس تنمية المهارات بوصفها حقًّا قانونيًّا مكفولًا من حقوق العمال.
أن تجاوز أزمة المهارات في سوق العمل لا يتحقق بالاعتماد المفرط على التعليم الأكاديمي أو سن قوانين رفع الأجور بمعزل عن بيئة العمل، بل يتطلب التزامًا مؤسسيًا حقيقيًا من قِبل الشركات بتبني برامج التدريب المهني.
إن دمج العمال بفاعلية في عمليات الابتكار التكنولوجي يسهم في تحويل التكنولوجيا من أداة مهددة للوظائف إلى محرك أساسي لتمكين القوى العاملة وتطوير عجلة الإنتاج؛ ما يضمن في النهاية بناء بيئة عمل مستدامة، عادلة، وقادرة على مواكبة تحديات المستقبل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.