قد تستغرب من كلامي، لكن الذكاء الاصطناعي ليس وليد العقد الحالي أو السابق كما ظننت. بالطبع، فقد كان الظهور الأول لمفهوم الذكاء الاصطناعي في منتصف القرن الماضي، تحديدًا في العقد السادس من القرن الماضي، لكن الانتشار الهائل والتطور غير المسبوق لأدواته مثل (ChatGPT) و (Canva) في الأربع أو الخمس سنوات السابقة أوهم كثيرين أنه وليد هذا العقد أو سابقه.
اقرأ أيضًا: بداية حروب البحث في الذكاء الاصطناعي
هل أخذ الذكاء الاصطناعي أكبر مما يستحق؟
في الحقيقة هو سؤال يستحق التأمل والتمعن. فكما نعلم من الطبيعي أن نجد كثيرًا من التضخيم والتهويل إذا كان الأمر متعلقًا بأي "تريند". فهل الذكاء الاصطناعي استثناء؟ أم هو كغيره من "التريندات"؟
وللوصول إلى إجابة لهذا السؤال أستعرض معكم في الفقرات التالية أهم مزايا الذكاء الاصطناعي وإسهاماته، وأيضًا -بالطبع- أبرز عيوبه، للوصول لحكم موضوعي وإجابة صادقة للسؤال المطروح.
دور الذكاء الاصطناعي في زيادة معدل الإنتاج وتحسين كفاءته
للوهلة الأولى قد يلتبس عليك الأمر وتتوهم أنني في معرض الحديث عن مزايا "الآلات" على إطلاقها، لكن مهلًا!، لا تتسرع في الحكم؛ فالذكاء الاصطناعي، هو بحد ذاته من منتجات الآلة، والعلاقة بينهما وطيدة الصلة متعددة الجوانب، والحديث هنا إنما هو حديث عن عام وخاص، أو كل وجزء. فوجود الذكاء الاصطناعي يتطلب -بالضرورة- وجود الآلة، لكن العكس غير صحيح.. ولئلا نخرج عن موضوعنا أستعرض معكم بعض جوانب إسهام الذكاء الاصطناعي في الإنتاج:
· زيادة عدد "الأيدي العاملة" أو فلنقل: العناصر العاملة. فأداة واحدة من أدوات الذكاء الاصطناعي كفيلة بأن تقوم بعمل عدد لا يحصى من "العناصر البشرية" وذلك عن طريق الروبوتات القادرة على أداء المهام على نحو تلقائي -وأحيانًا إبداعي- ولعدد غير محدود من المرات.
· الإسهام في فهم طبيعة الإنتاج ومتطلباته ومن ثم زيادة معدله وفقًا لما تمليه تلك المتطلبات وهو ما نسميه بلغة العلم: التغذية الراجعة (Feedback).
· تقليل معدل استهلاك مصدر الطاقة وزيادة فاعلية المصادر المتاحة.
· فهم طبيعة المستهلكين وميولهم وتحليل آرائهم، ومن ثم الوصول إلى ملخصات لآرائهم يستفيد منها مديرو الإنتاج في تغيير طبيعة المنتجات بما يتواءم مع طلبات المستهلكين ورغباتهم.
اقرأ أيضًا: على يد من سيكون عصر الظلام؟
أدوات الذكاء الاصطناعي المتعددة ونماذج منها
حينما نتحدث عن أدوات الذكاء الاصطناعي، فلا بد من ذكر العلَم الأبرز والعلامة الفارقة -وهل يخفى القمر؟- هنا أعني بالطبع: (ChatGPT) والذي أعلنت عنه للمرة الأولى شركة أوبن إيه أي (OpenAI) الأميريكية في الثلث الرابع من عام 2022م، محدثًا طفرة هائلة في مجال الذكاء الاصطناعي باعتباره محركًا قادرًا على التفاعل مع المستخدم بالإجابة على أسئلته مهما صعبت إذا صيغت بشكل صحيح ولم تتعلق بآراء أو مسائل شخصية أو بعض الأمور التي تخالف سياسات الشركة المالكة، ويمكن له تقديم اقتراحات وتوصيات وترجمة ما يطلبه المستخدم، بل وحتى توفير الدعم النفسي إذا طلبه المستخدم.
يتوفر (ChatGPT) بلغات متعددة منها العربية والإنجليزية والفرنسية وغيرها كثير، مع الأخذ في الاعتبار أن الإنجليزية هي لغته الأساسية، لكن كعادة العصر لا يخلو مجال من المنافسة، ولعل أحد أبرز المنافسين لـ(ChatGPT) في مجال الذكاء الاصطناعي التفاعلي أو التوليدي (GenerativeAI) هو محرك الذكاء الاصطناعي جروك (GrokAI) الذي يملكه رجل الأعمال الأثرى في العالم إيلون ماسك.
من أبرز إسهامات أدوات الذكاء الاصطناعي هو دوره في مجال تصميم الرسوميات (Graphic Design). ولعدم اتساع المقام سيقتصر حديثنا على إحدى أشهر الأدوات في هذا المجال إن لم يكن أشهرها، وأعني (Canva)، الذي يستخدمه قرابة الـ 200 مليون شخص حول العالم، لما له من مزايا لا يشق لها غبار ولا يسعنا حصرها جميعًا في هذا المقال، أهمها احتواؤه على قاعدة هائلة من القوالب والتصميمات الجاهزة التي بإمكان المستخدم إجراء التعديلات عليها كيفما أراد، بالإضافة إلى امتلاكه عددًا هائلًا من مقاطع الفيديو وإطارات الصور والملصقات والخطوط بشتى اللغات التي يستخدمها المصممون في تصميماتهم؛ لذا يعد كانفا خيارًا رائعًا إذا أردت تصميمًا على المستوى الشخصي أو المحلي، قد لا يكون الخيار الأمثل إن تحدثنا عن الجودة أو أردنا تصميمًا على مستوى الاستخدام متسع النطاق كالشركات مثلًا، لكنه يعد بديلًا سريعًا على قدر مناسب من الكفاءة.
ولأدوات الذكاء الاصطناعي إسهامات في مجالات أخرى كالتعليق الصوتي، والتسويق، وأيضًا الصحة والمجالات التعليمية بدءًا من المراحل الأولى وصولًا لما بعد الجامعية.
الجانب المظلم من الذكاء الاصطناعي
يقولون: مصائب قوم عند قوم فوائد، وهو ما ينطبق بالضبط على الذكاء الاصطناعي. فبالرغم من إسهامه في زيادة الإنتاج وتقليل المبالغ التي يتكلفها ملاك الشركات ومديروها في تمويل موظيفها عن طريق إقصائهم، لكنه -بطبيعة الحال- يمثِّل طامة ومأساة حلَّت بأولئك الموظفين وأُسَرِهم. وحقيقةً هذه المسألة تحديدًا معضلة أخلاقية تحتاج كثيرًا من التفكير.
ويبقى السؤال: هل الأولوية للمصلحة العامة والمجموع ممثلة في زيادة الإنتاج وتحسين كفاءته، أم التعاطف مع عدد من الأفراد -سيصبح كبيرًا إن طُبق هذا المبدأ على جميع الشركات؟، بناءً على إجابتك عن هذا السؤال تستطيع التغاضي عن هذا العيب أو عدَّه معضلة صعبة الحل.
وعلى رأي الشاعر المهجري فوزي المعلوف حين قال في وصف استغلال الإنسان السيئ للطائرات:
زجّ بالعلم في الفضاء طيورا مـن جمـادٍ يـدبـرها بـبـنـانه
مـا بـنـاها إِلا لـهـدم المبانـي ولسفك الدماء في طيرانه
فالذكاء الاصطناعي لا يخلو من مواطن الاستغلال السيئ، كما تفعل كثير من الدول في الحروب وفي تطوير الأسلحة الذي لا يخفى على أحد استخدامها -للأسف- في قتل كثير من الأبرياء في كثير من الأحيان.
وكما هو متوقع، فمن المنتظر أن تزداد الفجوة بين الشركات الغنية التي تملك تكلفة تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي باهظةِ الثمن بطبعها والشركات الناشئة الأقل ثراءً.
إضافة لتلك المخاطر توجد بعض العيوب الأخرى كتزايد احتمالات اختراق الخصوصية، وبعض التحيزات التي تظهر توجهات أصحاب تلك المحركات.
إجابةً عن السؤال المطروح في مطلع المقال
وكعادة أي عمل بشري -كما استعرضنا معكم- فالذكاء الاصطناعي لا يخلو من العيوب أو المخاطر التي قد تكون قاتلة في بعض الأحيان، لكنه -إحقاقًا للحق- يستحق -في رأيي- جزءًا كبيرًا من الضجة التي أُثيرت حوله إذا ما أخذنا في الاعتبار السرعة الهائلة التي تتطور بها أدوات الذكاء الاصطناعي الموجودة على الساحة وتزايد أدواته يومًا بعد يوم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.