الذاكرة بين التجربة والنسيان: كيف يصبح الماضي حاضرًا فينا؟

ليس غريبًا أن تبدو الذاكرة، في التجربة اليومية، أكثر الأشياء بداهةً وأشدها غموضًا في الوقت نفسه. نحن نتذكر وجهًا لم نره منذ سنوات، أو مكانًا لم نعد نزوره، أو جملةً قيلت لنا في طفولة بعيدة، ثم نعجز في اللحظة نفسها عن تذكر اسم شخص التقيناه بالأمس. كأن الماضي لا يسكن فينا بالطريقة نفسها، وكأن الذاكرة لا تفتح أبوابها على نحو محايد، بل تختار ما تسمح له بالعودة، وتغلق أبوابًا أخرى دون أن تخبرنا دائمًا بسبب إغلاقها. ومن هنا فإن السؤال عن الذاكرة لا يبدأ من مقدار ما نحتفظ به من الماضي، بل من الكيفية التي يصبح بها الماضي حاضرًا فينا.

إن الذاكرة، بهذا المعنى، ليست مجرد قدرة على التخزين والاسترجاع، وإنما تجربة يعيش فيها الإنسان علاقته بالزمن. نحن لا نتذكر الماضي بوصفه شيئًا موجودًا في مكان آخر ثم نستدعيه، بل نختبره من داخل الحاضر، ومن خلال الذات التي تغيرت منذ أن وقع ما تتذكره. ولذلك فإن الذي يتذكر في هذه اللحظة ليس هو الإنسان نفسه تمامًا الذي عاش الحدث؛ لقد حدثت تحولات في الجسد والوعي والموقف والعلاقات، وأصبح الحدث القديم يُرى من موقع جديد. إن الماضي لا يعود إذن كما كان، بل يعود بوصفه ماضيًا لشخص تغيّر. وهذه المسافة الصغيرة بين «من عاش» و«من يتذكر» هي التي تجعل الذاكرة تجربةً لا مجرد وظيفة.

أولًا: الذاكرة كتجربة فردية

يمكن أن يبدو التذكر في بدايته فعلًا فرديًا خالصًا: صورة تستيقظ في الذهن، صوت يعود من بعيد، رائحة تفتح فجأة بابًا مغلقًا، أو مشهد صغير يطفو من سنوات سابقة دون استدعاء مقصود. غير أن هذه الفردية لا تعني أن الذاكرة نسخة داخلية محفوظة من الواقع. فالذكرى ليست الشيء نفسه الذي وقع، كما أن استحضارها ليس إعادة إنتاج ميكانيكية له. إننا عندما نتذكر لا نعيد الزمن إلى الوراء، وإنما نمنح الماضي حضورًا جديدًا داخل تجربة راهنة.

وقد التقط هنري برغسون هذه المفارقة حين ميز بين الذاكرة التي ترتبط بالفعل والعادة، والذاكرة التي تحتفظ بالماضي بوصفه ماضيًا يمكن أن يعود إلى الوعي. فالذاكرة ليست عنده مجرد وظيفة عضوية يؤديها الدماغ، وإنما لها علاقة بالديمومة وبالحياة النفسية التي لا تُختزل في الحاضر المادي المباشر. والماضي لا يوجد في الحاضر بوصفه كتلة جامدة، وإنما يمكن أن يتقدم نحوه حسب حاجات الفعل والوعي. وهذا التصور مهم لأنه يحرر الذاكرة من صورة «المخزن»؛ فما هو محفوظ لا يبقى ساكنًا في انتظار الاسترجاع، بل يدخل في حركة مستمرة مع الحاضر.

لكن التجربة الفردية للذاكرة تكشف، في الوقت نفسه، هشاشتها. فالإنسان لا يستطيع أن يستعيد كل ما عاشه، ولا يمكن لكل التفاصيل أن تحتفظ بدرجة الحضور نفسها. هناك ذكريات تزداد وضوحًا كلما ابتعدت، وأخرى تتآكل على الرغم من قربها الزمني، وذكريات لا تُستعاد إلا بصورة أو مكان أو شخص آخر. وهذا يعني أن الذاكرة لا تعمل وفق مبدأ التراكم الكامل، بل وفق اقتصاد خاص بالحضور والغياب. إنها تحتفظ، وتترك، وتعيد ترتيب، وتربط بين عناصر ربما لم تكن مترابطة في التجربة الأصلية.

وهنا تصبح الذاكرة جزءًا من تجربة الذات نفسها. فالإنسان لا يتذكر فقط لكي يعرف ما حدث له، وإنما يتذكر لكي يشعر باستمراره عبر الزمن. الماضي الشخصي يصبح مادةً يتعرف من خلالها الفرد إلى نفسه: «أنا» اليوم هو، بطريقة ما، ذلك الذي كان بالأمس. ولذلك ارتبطت الذاكرة بمشكلة الهوية الشخصية في الفكر الحديث، ولا سيما عند جون لوك، الذي ربط امتداد الشخص عبر الزمن بامتداد الوعي إلى الأفعال والأفكار الماضية. غير أن هذه العلاقة تفتح مشكلة أخرى: إذا كانت الذاكرة جزءًا من استمرارية الذات، فماذا يحدث عندما تكون الذاكرة ناقصة أو متقطعة أو انتقائية؟ هل تتصدع الذات كلما غابت بعض تفاصيل الماضي، أم أن الإنسان يستطيع أن يبقى هو نفسه على الرغم مما نسيه؟

ربما تكمن الإجابة في أن الهوية ليست مجموع ما نتذكره، ثم إن الذاكرة ليست مجموع ما حدث لنا. فالذات لا تتكون من أرشيف كامل، وإنما من علاقة متحركة بين ما عاشته، وما تتذكره، وما نسيته، وما تعيد فهمه. ولهذا فإن النقص ليس حادثًا خارجيًا على الذاكرة، بل جزء من طبيعتها.

الذاكرة تعيد تشكيل الماضي وتبني استمرارية هوية الذات

ثانيًا: حضور الماضي في الوعي

إذا كان الماضي قد انتهى من حيث الحدث، فإنه لا ينتهي بالضرورة من حيث الحضور. فهناك فرق بين انتهاء الشيء زمنيًا وبين انتهاء أثره في الوعي. قد تكون لحظة ما قد مضت منذ عشرات السنين، لكنها تظل قادرة على التأثير في قرار نتخذه اليوم، أو خوف نشعر به، أو معنى نمنحه لتجربة جديدة. وهذا لا يعني أن الماضي يعود كما هو، وإنما يعني أن الحاضر يحمل داخله آثارًا منه.

هنا تصبح الذاكرة منطقةً وسيطة بين زمنين: بين ماضٍ لم يعد موجودًا كحاضر، وحاضر لا يستطيع أن يكون خاليًا من آثاره. ولذلك يذهب بول ريكور إلى أن الذاكرة ترتبط بمفارقة أساسية: نحن نتذكر ما لم يعد حاضرًا، لكننا لا نستطيع أن نتذكره إلا من داخل الحاضر. فالذكرى تقوم على حضور شيء غائب؛ وهذه المفارقة هي التي تجعلها أكثر من مجرد تسجيل. إنها طريقة الإنسان في إبقاء الغائب حاضرًا دون أن تعيده إلى الوجود نفسه.

ومن هنا يمكن القول إن الذاكرة لا تحفظ الماضي فقط، بل تمنحه نوعًا من أنواع الحضور. وهذا الحضور ليس بريئًا؛ لأن كل حضور يقتضي اختيار زاوية للنظر. حين أتذكر طفولتي من موقعي الحالي، فإنني لا أرى الطفل الذي كنتُه كما كان يرى العالم، بل أراه بمعرفتي الراهنة. وقد أكتشف في حادثة صغيرة معنى لم أكن أراه حين وقعت، أو أعيد تقييم شخص كان يبدو لي مختلفًا عما يبدو اليوم. وبذلك لا يبقى الحدث ثابتًا تمامًا في الذاكرة، حتى لو بقيت بعض عناصره.

وهنا تظهر إحدى الخصائص الأساسية للتذكر: الذاكرة لا تعيد الماضي إلى الحاضر فقط، بل تعيد الحاضر إلى الماضي أيضًا. فالحاضر يغير طريقة رؤيتنا لما سبق. تجربة جديدة قد تجعلنا نفهم حادثة قديمة بطريقة مختلفة، وفقد شخص قد يجعلنا نعيد قراءة علاقتنا به، والتحول الفكري قد يجعلنا نكتشف في الماضي معنى لم يكن متاحًا لنا من قبل. بهذا المعنى، ليست الذاكرة حركة في اتجاه واحد من الماضي إلى الحاضر، بل علاقة متبادلة بينهما.

ومن هنا تكتسب الذاكرة طابعها التأويلي. نحن لا نتذكر فقط «ما حدث»، وإنما نتذكر أيضًا «ما يعنيه ما حدث لنا الآن». وهذه النقطة ستصبح حاسمة في فهم الذاكرة الجماعية لاحقًا، لأن الجماعة لا تستدعي ماضيها في فراغ، بل تعيد قراءته من موقع حاضرها وحاجاتها وصراعاتها.

ثالثًا: النسيان ليس ضد الذاكرة

لكن إذا كانت الذاكرة فعل حضور، فماذا نفعل بالغياب؟ ماذا عن الأشياء التي لا نتذكرها، أو لا نستطيع الوصول إليها، أو لم تعد تستجيب لمحاولات الاستحضار؟ هنا يظهر النسيان، لا بوصفه عدوًا خارجيًا للذاكرة، وإنما بوصفه جزءًا من بنيتها.

إن التصور البسيط يجعل الذاكرة امتلاءً والنسيان فراغًا؛ كأن الذاكرة الجيدة هي التي تحتفظ بكل شيء، والذاكرة الضعيفة هي التي تفقد بعض محتوياتها. غير أن هذا التصور يتجاهل حقيقة أساسية: لو تذكر الإنسان كل شيء بالدرجة نفسها، لتحول الوعي نفسه إلى عبء لا يستطيع معه التمييز بين ما يستحق الحضور وما لا يستحقه. إن القدرة على التذكر تفترض، بصورة ما، القدرة على النسيان.

وهذا ما يجعل النسيان مسألة فلسفية لا مشكلة نفسية. فالنسيان لا يعني دائمًا اختفاء الماضي؛ قد يعني أحيانًا فقدان إمكانية الوصول إليه، أو خفوت حضوره، أو تحوله إلى أثر غير مباشر. وفي هذا المعنى يميز ريكور بين أشكال مختلفة من النسيان، ولا يجعل النسيان كله شرًا واحدًا. فهناك نسيان يرتبط بضعف الذاكرة، وهناك نسيان يمكن أن يكون نتيجةً لصراعات أو قوى أو رغبات في إبعاد ما لا يراد له أن يحضر.

والأهم أن النسيان يمكن أن يكون شرطًا لاستمرار الحياة. فالإنسان الذي يبقى أسيرًا لكل تفصيل من تفاصيل ماضيه قد يفقد قدرته على الحركة نحو المستقبل. لا يعني ذلك أن النسيان علاج أو فضيلة في ذاته، بل يعني أن العلاقة الصحية بالماضي لا تقوم على استحضاره الكامل، وإنما على القدرة على منحه مكانًا داخل حياة تتغير باستمرار.

لكن هذه النقطة نفسها تفتح بابًا أخلاقيًا خطيرًا: إذا كان النسيان جزءًا من الذاكرة، فمن يقرر ما الذي يمكن أن يُنسى؟ هنا لا يعود النسيان شأنًا فرديًا فقط. عندما تنسى جماعة مأساةً معينة، أو يُدفع حدث إلى خارج المجال العام، أو لا يجد الضحايا لغةً لحفظ تجربتهم، فإن النسيان قد يتحول من وظيفة نفسية إلى فعل اجتماعي وسياسي. ولذلك يجب التمييز بين نسيان يحدث في الحياة الطبيعية للذاكرة، ونسيان يُنتج بفعل السلطة أو الخوف أو الإقصاء.

رابعًا: الانتقاء والاستبعاد

إذا وصلنا إلى هذه النقطة، يصبح من الصعب أن ننظر إلى الذاكرة بوصفها صورةً كاملة للماضي. الذاكرة تنتقي لأنها لا تستطيع أن تحتفظ بكل شيء، وتستبعد لأن الحضور نفسه يحتاج إلى غياب. لكن الانتقاء ليس عشوائيًا تمامًا. فما يبقى في الوعي يرتبط غالبًا بما اكتسب أهمية وجدانية أو معرفية أو أخلاقية، بما كان مؤلمًا أو سعيدًا، بما يتصل بصورة الإنسان عن نفسه، أو بما يستطيع الحاضر أن يمنحه معنى.

وهنا ينبغي الحذر من مساواة الانتقاء بالكذب. إن كون الذاكرة انتقائية لا يعني أنها مختلقة. فالمشكلة ليست في أن الذاكرة لا تحتفظ بكل شيء، بل في أن الإنسان قد ينسى أنه ينتقي. عندما ينسى الفرد أن ذاكرته زاوية نظر، يمكن أن يتعامل مع صورته الخاصة للماضي بوصفها الماضي نفسه. وعندما تفعل الجماعة الأمر ذاته، تتحول ذاكرتها إلى حقيقة مكتفية بذاتها.

ومن هنا تبدأ المسافة بين التذكر وإعادة إنتاج الماضي. في التذكر يستعيد الإنسان تجربةً من موقعه الراهن، أما في إعادة الإنتاج فإنه قد يمنح الصورة المستعادة قوةً تجعلها تؤثر في علاقاته الحالية. وهنا لا تعود المسألة متعلقة بما إذا كانت الذكرى دقيقة أو غير دقيقة فقط، بل بما تفعله الذكرى في الحاضر.

إن ما ننساه لا يقل أهمية، في هذا السياق، عما نتذكره. فقد تكون ذاكرة الجماعة قوية لأنها تحفظ حادثةً معينة، لكنها قد تكون قوية أيضًا لأنها أسكتت أحداثًا أخرى لا تنسجم مع صورتها عن نفسها. وما يغيب من الذاكرة قد يكشف عن بنيتها بقدر ما يكشف عنها ما تحرص على استحضاره. ولهذا فإن دراسة الذاكرة تحتاج إلى قراءة مزدوجة: قراءة لما تقوله، وقراءة لما لا تستطيع أو لا تريد قوله.

وهنا تتضح النتيجة الأولى لهذا المطلب: الذاكرة ليست مستودعًا للماضي، بل علاقة متحركة بين الماضي والحاضر، يتداخل فيها الحضور والغياب، والتذكر والنسيان، والاختيار والاستبعاد. إنها تجربة فردية في بدايتها، لكنها لا تبقى فردية تمامًا؛ لأن الذات نفسها تتكون داخل اللغة والعلاقات والعالم الذي تعيش فيه.

ومن ثم فإن الإنسان الذي يتذكر ليس إنسانًا يقف أمام الماضي من الخارج، وإنما هو إنسان يعيش داخل الزمن، ويحمل بعض الماضي معه، وينسى بعضه، ويعيد فهم بعضه الآخر. ولذلك فإن الذاكرة لا تقول فقط: «هذا ما حدث»، بل تقول، بصورة أعمق: «هذا هو ما بقي من الذي حدث فينا».

وبين الحدث وما بقي منه تبدأ عملية أخرى: عملية إعادة بناء الماضي وفق شروط الحاضر. ومن هنا سيكون الانتقال في المطلب التالي من الذاكرة التي تستعيد إلى الذاكرة التي يعيد الحاضر تشكيلها؛ أي من سؤال: ماذا نتذكر؟ إلى السؤال الأكثر عمقًا: لماذا نتذكر الماضي بهذه الصورة دون غيرها؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة