يعتبر ذهن الإنسان ساحة صراع بين أفكار وتصورات وتخيُّلات وعواطف متناقضة ومتباينة، يسعى كل واحد منها للسيطرة على وعيه الإدراكي، فإذا سيطرت فكرة معيّنة على الوعي وكان لها الغلبة في اقتحامه، تصبح تلك الفكرة هي العين التي يدرك بها الإنسان الأشياء وبهذا تتحدّد جميع أفكاره وجميع مشاعره.
اقرأ أيضاً عن
ألهو.. ألهي.. الأنا السفلي والأنا الأعلى "سيغموند فرويد"
دور المنطق في تفاعل الأنا والأنا الآخر
الجهاز الإدراكي للإنسان وطريقة عمله
فالجهاز الإدراكي للإنسان مركّب من: وعي أعلى وهو ذاتُه العليا والمستقلة، ثمّ من أفكار وعواطف، والوعي الأعلى أو الذات المُدركة: هو الوعاء أو الإناء الذي يستقبل فيه الإنسان الأفكار والعواطف.
وبحسب طبيعة الفكرة والعاطفة يتلوّن الوعي، فوعينا هو في النهاية: ما نؤمن به من أفكار وما نحمله من عواطف في داخلنا، وهذا معناه أنّ الوعي الأعلى هو مجرّد مستقبِل ومتلقٍّ.
فإذا آمنت بفكرة واعتقدتها، ستنظُر إلى الحياة من خلالها، كما أنّه إذا آمنت بفكرة طيّبة وحسنة عن العالم، سيبدو لك العالم جميلًا، في المقابل، إذا آمنت بفكرة قبيحة عنه، ستتحول كل الأشياء الجميلة التي فيه إلى صور قبيحة.
مثال ذلك، إذا أخبروك عن شخص لا تعرفه أنّه جيّد ورائع، فستعامله في حالة ما التقيته بأنه رائع حتى ولو كان في الواقع عكس ذلك، وإذا أخبروك بأن تلك المنطقة سيِّئة وسكانها أشرار، ستأخذ تلك الفكرة معك في حالة ما إذا زرتها، وستتصرف حسب ما أخبروك به، حتى ولو كانت تلك المنطقة في واقع الأمر غير ذلك.
خذ أيضًا مثالًا آخرًا، إذا سيطرت على وعيك عاطفة معينة اتجاه امرأة كنت تحبها، فمهما قيل فيها، فلن تصدق كلامهم، لأنّ تلك العاطفة أو حبها قد سيطر على وعيك؛ لأنّك تؤمن بفكرتك وليس بفكرتهم عنها، وإذا كنت من الذين يناصرون هذا اللاعب وكانت عاطفة إعجابك به كبيرة، فكل اللاعبين غيره بالنسبة إليك لا شيء بالنسبة إلى هذ اللاعب.
يمكنك خلق أفكارك
فلْتفرح إذن، الأفكار ليست قدرًا مسطورًا:
علينا أنْ نعرف هذه الحقيقة: إنّ الوعي شيء منفصل عن الأفكار والعواطف، وإنّنا لسنا عواطفنا وأفكارنا، فيمكن أنْ تتغير العواطف والأفكار ويبقى وعينا شفافًا، فوعيك هو الذي يستخدم هذه الفكرة لكي يفكِّر بها وهذه العاطفة لكي يشعر بها.
من هنا يمكن أنْ نتحكم بواسطة وعينا في أفكارنا وفي عوطفنا، فنقبل هذه، ونرفض تلك ونعدِّل من أُخرى، فليس بالضرورة كل ما تقرؤه من أفكار أو تسمعه، يجب أنْ تؤمن به أو تعتقده بل لك الحرية في قبول الأفكار وتمحيصها، أو رفضها كلّية، فأنت في النهاية لك وعيُ يختار الأفكار والتصورات والظنون، ولك الحق في قبولها أو رفضها أو تعديلها.
على هذا الأساس، تسيطر على الكثير من الناس أفكار سلبية عن أنفسهم وعن الحياة فيعتقدونها، فتؤثِّر على حياتهم بالسلب، فيرون العالم سلبيًا من خلال تلك الأفكار ومن خلال تلك التصورات المسبقة؛ لأنها قد سيطرت على وعيهم الذي يدركون به العالم وينظرون به إلى الحياة.
هل أنت وأفكارك شيء واحد؟
والخروج من هذه السلبية يتم من خلال التّخلّي عن تلك الأفكار وعن تلك الأحكام المسبقة عن العالم، وعن الأشياء، فتلك الأفكار ليستْ أنت، وتلك العواطف ليستْ أيضًا أنت، وإنّما هي أفكار قد سيطرت على وعيِك المُدرِك للأشياء فأصبحت تنظر من خلالها إلى الأشياء، فإذا غيّرت تلك الأفكار تتغير رؤيتك للعالم وللحياة.
والكثير منا، عندما يحكي عن مرحلة من مراحل عمره، يقول بأنّه كان يفكّر بتلك الطريقة أو أنّه كان أحمقَ أو أنّه كان عاشقًا متيّمًا، هذا الشخص بقي هو هو، من حيث وعيه وأناه التي تفكّر، ولكن، تغيرت أفكاره وعواطفه، فيقول لك أحدهم: لقد كنت مجنونًا أو أحمقَ أو تافهًا عندما كنت أُفكر بتلك الطريقة، أو عندما اعتقدت أنّ تلك المرأة لا يمكن العيش دونها، فالإنسان قد يُغيِّر من أفكاره ومن عواطفه.
ومع ذلك يبقى الإنسان هو نفسه طوال هذا الوقت، وإذا كنا نحن لسنا أفكارنا، وليست أفكارنا هي نحن لأننا أحرار في قبول هذه الفكرة أو تلك، إذن، فلماذا لا نثبِّت في أذهاننا تلك الأفكار الجميلة والحسنة والجيدة عن أنفسنا وعن مستقبلنا وعن الحياة.
جنّة الظن الحسن
الظن الذي يكون خيرًا وإيجابيًا، يكون على سبيل المثال: عندما أعتقد يقينًا بأنّ الله سيمنحني حياة طيبة، وزوجة جيدة، وعملًا لائقًا، وحياة خالية من أيِّ خوف، وسوف يدخلني الجنة؛ لأنّه ربُ رحيم وغفور وكريم ورزاق.
أمّا الظن السيئ، فعندما تعتقد أنّ الله لا يستجيب لدعائك؛ لأنّك متهاون، وأنّ الحياة ستكون مليئة بالمشاكل والمصاعب، وأنّ الناس أوغاد.
إنّ الظن الحسن هو فكرة، إذا ثبّتها الإنسان في وعيه، سينظر من خلالها إلى الحياة بوصفها مليئة بالأمل وبالخير والجمال وسوف يتحقق مراده في الدنيا والآخرة لأنّه عرف أنّ له رب كريم ورؤوف ورحيم وقادر على كل شيء، أمّا الظن السيّئ، الذي هو في النهاية: فكرة سلبية، ستُحدد رؤية الإنسان للأشياء فيرى العالم من خلالها سوداويًا وتتأثر عواطفه بتلك الأفكار السلبية، فيعيش في تعاسة ونكد؛ لأنّه أساء الظن بربه الرؤوف الرحيم الودود.
فهناك حُسن الظن الذي هو فكرة إيجابية، ويولّد بذلك عواطف جميلة مُفرحة، وهناك سوء الظن الذي هو فكرة سلبية، والذي يولّد بالضرورة عواطف تُصدر عنها التعاسة والكآبة.
العلاقة بين الأنا والوعي والإدراك
الوعي المُدرك أو الأنا المتحكّم في ذاته الذي اعتاد وتدرّب على حسن الظن، سيجعلُنا نتعامل في العالم باعتباره مكانًا مليئًا بالفرص والأمل، راجين ذلك، في الحاضر أو في المستقبل وهكذا دائمًا ننتظر فرصة، أمّا التفكير الذي يحكمه سوء الظن، فنتعامل في الحياة على أساس أنها خالية من الفرص وتُغلق مُسبقًا في أذهاننا جميع الأبواب، وسنعامل الناس ومن حولنا من منطلق سوء ظننا بهم، وبدافع عاطفتنا الكئيبة، نوتّر علاقاتنا بهم، فنزيد من إغلاق كل فرص الأمل من حولنا.
فما علينا إلا أن نُفرغ من وعينا تلك الظنون السلبية، ونبدّلها إلى ظنون إيجابية عن الله، وعن مستقبلنا وعن الناس.
إنّ المحظوظ في الحياة ليس من ترعاه الأقدار بنوع من الرعاية الخاصة فتمدّه بالفرص الثمينة وبالنجاحات المتتالية، بل إنّ المحظوظ هو من لديه ذهن مستعد لاستغلال الفرص، فأمّا الذي يُحسن الظن فهو أقرب الناس ليكون محظوظًا، أمّا مسيء الظن فلن يرى أي فرصة على الإطلاق، حتى ولو جاءته فرصة ثمينة عند قدميه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.