الدولة، المجتمع، الفيروس التاجي: التأثيرات المتبادلة

سأحاول التأمل في العلاقة الثلاثية التي تجمع بين الدولة والمجتمع والفيروس التاجي المستجد. وسنتوسّل بآلية تحليل للوضعية التعليمية التعلميّة في إطار المثلث الديدكتيكي بما أنّ وجهة نظر نزوح المفاهيم من مجال إلى آخر ممكنة من الناحية العلمية ونحاول نقل أثرها لتفكيك العلاقات الممكنة وتقصي التأثيرات المتبادلة بين أقطاب الوضعية المستجدّة التي أثرت كثيرا على مختلف مناحي الحياة.

في البداية أطرح السؤال التالي: كيف نقرأ العلاقات الممكنة بين الدولة والمجتمع والفيروس التاجي؟

محاولة للإجابة عن السؤال سأنظر في العلاقات المكوّنة للوضعية المستجدّة مثنى-مثنى.

ترتبط العلاقة بين الدولة والمجتمع بمفهوم مركزي هو مفهوم العنف الشرعي. فالدولة باعتبارها سلطة والسلطة تستوجب العنف وهذا ما أكد عليه ماكس فيبر عندما قال: الدولة هي هيمنة الإنسان على الإنسان باستعمال العنف المشروع. ومن تجليات هذا العنف الحجر الصحي العام والحجر الصحّي المفروض على ما يشتبه في إصابتهم بالفيروس التاجي كورونا. ومنع التجول ليلا وغيرها من الإجراءات المتخذة في إطار ما سمته الدولة الخطة الوقائية للحد من انتشار العدوى. وتستعين الدولة بمؤسساتها المختلفة لنشر كل ما تراه مفيدا وداعما لخطتها تجاه هذا العدو اَللَّا مرئي. ولعلّ الإعلام هو أحد الركائز التي تعتمد عليها الدولة لاستعماله في إقناع الأفراد بتنفيذ ما أقرته من إجراءات منها ما يتقاطع ومنها ما قد يتعارض مع مصالح أفراد المجتمع.

أما العلاقة بين المجتمع والفيروس التاجي يحكمها مفهوم التمثلات الاجتماعية وما ينتجه من سلوكا قد تعطّل خطة الدولة حينا وقد تعرض الأفراد إلى أخطار العدوى التي كلما ازدادت كلما حادت خطّة الدولة على هدفها وعمّت الفوضى وارتفع منسوب الأخطار المحتملة. لهذا السبب وجب تفهّم بعض التجاوزات من قبل المواطنين لأنها تقاس بمدى تمثلهم للفيروس والعدوى الجرثومية الذين هم حديثي العهد بها.

ومع التقدّم في أزمة الفيروس التاجي ستبرز بعض الإشكاليات تهمّ مستقبل الكثير من المهن، وسيضطر أصحابها إلى تجاوز العنف الشرعي المسلّط عليهم من الدولة بحكم الخسائر التي ستلحقهم من جراء الحجر الصحي العام، بل بدأت بعض ملامح هذا الصراع تطفو على السطح. وهناك من بدأ يتحدث عن حقه في العمل وعن الخسائر الذي تنتظره في حالة تواصل الحجر العام. نلاحظ أنّ المجتمع من خلال أفراده يرفض الصّحة مقابل ضمان قوته ومداخيله وهذا سلوك يترجم عن تمثلات للعدوى الجرثومية وخطرها يجب على الدولة أن توضحه للمواطنين بالإكثار من بث الخطاب العلمي من المختصين دون توظيف سياسي أو أيديولوجي، وهذا ممكن لَانَ المعلومة من مكوّنات التمثلات الاجتماعية وكلما كانت المعلومة أكثر علميّة وأوضح كلما ضمنّا تغيّرا في التمثلات وبالتالي تحسنا في سلوكا المواطنين وتقاربا بين الدولة والمجتمع بصفة عامّة.

أمّا النظر في العلاقة القائمة بين الدولة والفيروس التاجي يحيلنا إلى مفهوم الأمن القومي وما يستوجبه من أمن عسكري، وأمن اقتصادي، وأمن اجتماعي وقدرات الدولة لمجابهة الأخطار الداخلية أو الخارجية. ويمكن إضافة الأخطار الجرثومية العابرة للقارّات.

حيث بيّنت الأزمة أنّ الطبّ متطور لكنّ الصحّة تشوبها الكثير من النقائص وخاصة على المستوى اللوجستي وما تتطلبه الخطّة الوقائية من تجهيزات ووسائل وقاية مفترضة كما كشفت الأزمة أنّ المعلومات المتوفرة حول الفيروس في كلّ أنحاء العالم شحيحة وما زالت في طور الاكتشاف. أمّا المقاربة الأمنية فإنها قد تساعد الدولة على التصدّي إلى العدو الجرثومي بشرط أن يصاحبها قرارات صائبة وردعية في علاقة بتطبيق القانون بشكل عام دون استثناء. والضرب بقوّة على المحتكرين حتى نضمن التعايش السلمي ونحقق غايات العيش المشترك خاصّة وقت الأزمات.

نستنتج أنّ العلاقة بين الدولة، والمجتمع، والفيروس التاجي تحكمها المفاهيم التالية:

العنف الشرعي والأمن القومي والتمثلات الاجتماعية. هذه المفاهيم تشتغل في إطار علاقة تفاعلية يحكمها قانون التأثير والتأثر. يمكن أن تكون نموذجا تفسيريّا لبعض الإشكاليات التي قد تطفو على سطح اَلسُّلُوكَانِ الفردية أو الجماعيّة.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب