الدولة السعودية الثانية.. من التأسيس على يد تركي إلى السقوط

بعد سقوط الدولة السعودية الأولى عام 1818م على يد قوات محمد علي باشا، سادت فترة من الفوضى والتفكك في قلب شبه الجزيرة العربية. لكن من بين ركام الدرعية، انبعثت قصة ملحمية من الصمود والإصرار، قصة تأسيس الدولة السعودية الثانية. يمثل هذا العهد، الذي قاده الإمام تركي بن عبد الله وابنه فيصل، فصلًا حاسمًا من تاريخ المنطقة، حيث أُعيد توحيد نجد واتُخذت الرياض عاصمة جديدة، ورغم نهايتها بسبب الصراعات الداخلية، إلا أنها أرست الأسس التي قامت عليها المملكة العربية السعودية الحديثة.

مرحلة ما بعد سقوط الدرعية: فراغ سياسي وفوضى

عادت البلاد التي توحدت على يد آل سعود إلى التفرقة والضعف والتفكك بعد وقوع الدرعية في قبضة جنود محمد علي باشا، واضطر البعض إلى إعلان الولاء لهم « على الرغم من كرههم» خوفًا من بطشهم، في حين فر آخرون إلى مناطق تعد نائية في جنوب نجد أو قريبًا من عمان في الوقت الذي كان فيه جنود محمد علي يرتكبون أعمالًا عنيفة مع المعارضين لهم.

أما سلوكه تجاه آل سعود وآل الشيخ فقد عمد إلى ترحيل كل من وجده منهم ونقلهم إلى مصر؛ طمعًا في إبعاد عامل التوحيد والتجمع حولهم؛ لحب الناس لهم، والالتفات حولهم. وقد صادفت بعض الأوراق والوثائق التي تؤكد أن كثيرًا منهم قد انخرط في المجال العلمي وانتهز فرصة وجوده بمصر بجوار الأزهر الشريف، وأخذ ينشر الفكر السلفي السليم بين رجال الأزهر وطلابه وعلمائه، وأنه بعد سنوات عدة وبعض العقود ظهر الفكر السلفي بمصر في كتابات الوطنيين المصريين، وقادة الفكر فيها أمثال: الشيخ درويش خضر، والإمام/ محمد عبده الذي كان يُطلق على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في محاضراته بالأزهر لقب: (المصلح العظيم) وتأثر بالسلفية كذلك محمد رشيد رضا، وإبراهيم باشا رفعت أحد القادة العسكريين في مطلع القرن العشرين (مؤلف كتاب مرآة الحرمين)، والمفكر الكاتب المصري/ أحمد أمين... إلخ.

وبهذه الأعمال التي أتمها إبراهيم باشا في شبه الجزيرة من استيلائه على الدرعية، وهدمها، وهدم أسوار وقلاع البلدان والقرى الأخرى، وحمله آل سعود، وآل الشيخ إلى مصر وقتل بعض زعمائهم، خُيل إليه أنه قضى بذلك على أي أمل في عودة الدولة السعودية ونفوذها مرة أخرى في شبه الجزيرة العربية. ولكن أنَّى له ذلك؛ فقد انسحب إبراهيم باشا بعد أعماله -المتقدم ذكرها- إلى الحجاز، ومنه إلى مصر، حيث دخل القاهرة في صفر سنة 1235هـ.

لكن اللافت للنظر أن منطقة نجد بعد أن انسحبت منها قوات إبراهيم باشا قد عادت مرة أخرى (بعد أن انعدمت منها سلطتها السعودية القوية) إلى الفوضى والاضطراب، وتجدد الضغائن بين القدامى وزعماء جدد أخذوا يتنازعون فيما بينهم، واختل الأمن في أغلب بلدان نجد من جراء ذلك.

وكان اللافت للنظر من الناحية الأخرى أن على الرغم من انتهاء الكيان السياسي للدولة السعودية الأولى بعد تحطم الدرعية سنة 1818م، فإن الدعوة السلفية وحب الناس لزعمائهم آل سعود قد ظلَّ في قلوب الناس الذين استمر ولاؤهم للأسرة السعودية.

محاولات إحياء الدولة: صعود ابن معمر وسقوطه

بعد رحيل جيش إبراهيم باشا حاول البعض إحياء مجد الدولة السعودية مرة ثانية في عاصمتها الدرعية. فقد عمل محمد بن مشاري بن معمر الذي يمت بصلة رحم لآل سعود على تجميع ما لديه من إمكانات وأسلحة ومال، فانطلق من العيينة بلدة أجداده، واتجه نحو الدرعية التي كانت تبث الاحترام وترمز للقوة في نفوس النجديين، واتخذها مركزًا ومقرًا له، وحاول إعادة بنائها مرة ثانية بعد تخريبها سنة 1818م.

وحاول المعارضون لابن معمر تأليب بني خالد (في الأحساء) عليه، لكن ابن معمر فوَّت عليهم الفرصة بادعائه أنه تابع لسلطان الدولة العثمانية، فلم يجرؤ أحد على مهاجمته حينئذ؛ ما مكَّنه من استعادة بعض بلدان نجد، وجعلها تخضع لسلطان الدرعية، وعاد إليها بعض آل سعود مثل تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود وأخيه زيد.

ولم يستمر ابن معمر في الحكم كثيرًا؛ إذ سرعان ما وصل إلى الدرعية مع بعض الأعوان مشاري بن مسعود (الأخ الشقيق للإمام عبد الله بن سعود آخر حكام الدولة السعودية الأولى) الذي تمكَّن من الفرار من حراسه في الطريق بين المدينة المنورة وينبع، حيث كان بين آل سعود المرحلين إلى مصر، فلم يجد ابن معمر بدًا من التنازل له عن الحكم، وهو يضمر له شيئًا في صدره.

وتمكَّن ابن معمر من استمالة زعيم قبيلة مطير إليه، وتمكَّن في النهاية من القبض على مشاري بن سعود والاستيلاء على الدرعية، واستولى أيضًا على الرياض عندما كان بها تركي بن عبد الله، حيث غادرها قبيل استيلاء ابن معمر عليها.

بداية حكم الإمام تركي بن عبد الله

ومن ذلك الحين أخذ تركي بن عبد الله يبذل جهوده لإعادة ملك آبائه، واستطاع بعد جمع الأنصار حوله من دخول الدرعية فعلًا، والقبض على ابن معمر، وإيداعه السجن، واستولى أيضًا على الرياض، وفضل اتخاذها عاصمة لبلاده؛ نظرًا لقوة تحصينها، وكثرة نخيلها ومزارعها.

بداية حكم تركي بن عبد الله

لم يهنأ تركي بن عبد الله ولم يستقر ملكه كثيرًا، فقد حاصره فيصل الدويش بقوات عسكرية تابعة لمحمد علي، ولكنه فشل في حصاره، فعاد إلى الوشم حتى أرسل محمد علي تعزيزات تمكنت من السيطرة على الرياض، في الوقت الذي تمكن فيه تركي بن عبد الله من التسلل وخرج من المدينة ليلًا إلى الجهات الجنوبية من نجد.

وعلى الرغم من قيام القوات الغازية بارتكاب جرائم القتل والسلب فإن الوطنيين النجديين لم يتركوا لهم فرصة للثورة إلا وأشعلوها في وجوههم، ولذلك فقد اعتقد قادة قوات محمد علي أنهم بعنفهم تجاه السكان قد أخمدوا ثوراتهم فتركوا حاميات صغيرة في كل من الرياض، ومنفوحة، وثرمداء، وعنيزة ورحلوا إلى الحجاز ومصر.

وقد أتاحت تلك الحوادث لتركي بن عبد الله الفرصة لاستئناف نشاطه ابتداء من شهر رمضان المبارك 1238هـ لإخراج بقية قوات محمد علي من نجد وتوحيدها تحت سلطة أسرته من جديد، فاستغرق عامًا كاملًا في حصاره ومقاتلة الحاميتين الموجودتين حينئذ في كل من منفوحة والرياض، حتى أبرم الصلح مع قائد حامية الرياض (أبو علي المغربي)، وكان قد أجبر حامية منفوحة على الخروج منها في أواخر سنة 1239هـ، وبدأ يُكمل مسيرته نحو استعادة نفوذ أسرته على بقية بلدان نجد.

إن أغلب أهالي بلدان نجد -باستثناء بلدان الخرج- قد آثروا الانضمام إلى الإمام تركي بن عبد الله دون قتال أو حرب؛ ويرجع سبب ذلك إلى بقاء الاحترام والهيبة لآل سعود في نفوس النجديين، وإحساسهم بمدى الأمان والطمأنينة تحت سلطتهم التي جمعت شملهم من قبل، إضافة إلى حنكة وكياسة الإمام تركي، وتمتعه بمميزات قيادية جعلت الجميع يرضون ويعملون تحت زعامته.

وبعد أقل من عامين، أي في سنة 1241هـ، اشتد أزر الإمام تركي بوصول حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (عبدالرحمن بن حسن). وفي سنة 1243هـ وصل ولده فيصل بعد أن هرب من سجنه بمصر، فقد كان من بين من صمد في معركة الدرعية سنة 1818م، وتم أسره مع أفراد أسرته ونُقل إلى مصر، فكانت عودة الرجلين بمثابة العضد القوي للإمام تركي، فقد تولى الأول مسئولية ومتابعة الحياة الدينية، إضافة إلى إبداء المشورة في القضايا الدنيوية الأخرى، وكان الثاني بمثابة الذراع الأيمن لوالده، وقائدًا لقواته في كثير من المعارك بما اتصف به من جرأة وإقدام مع حنكة وبراعة سياسية، ساعدت في تثبيت دعائم الدولة السعودية الثانية وتوسيع نطاقها.

استعادة الإمام تركي للمنطقة الشرقية (الأحساء) سنة 1245هـ

بدأت الصدامات بين قوات الإمام تركي، وزعماء بني خالد بالأحساء منذ سنة 1242هـ، ولكنها كانت هينة، لكن الصدام الحقيقي كان في سنة 1245هـ، تلك السنة التي كان فيها حسم الموقف.

فبعد أن غزا القائد السعودي/ عمر بن عفيصان الأحساء بأمر صدر له من الإمام تركي، قام زعماء بني خالد بإعداد حملة أغارت على بلدة حَرْمة النجدية، وبعدها قاد محمد بن عريعر وأخوه ماجد جيشًا قصدوا به مهاجمة نجد، فتصدى لهم الأمير/ فيصل بن تركي، ودارت رحى معركة شديدة الوطأة على الجانبين استمرت أيامًا، قُتل خلالها ماجد بن عريعر. وبوصول الإمام تركي بقوات تعزيزية تمكَّن بفضل الله من حسم المعركة لمصلحة أهل نجد، وغنموا على إثر هزيمة بني خالد غنائم كثيرة في معركة السبية.

أرسل الإمام تركي بكتبه إلى زعماء بني خالد الآخرين يدعوهم إلى الدخول في طاعة آل سعود فأجابوه، وتمكن الإمام وولده من دخول الأحساء دون قتال بعد فرار المعارضين من بني خالد، على الرغم من تحصن محمد بن عريعر (الذي فرَّ من معركة السبية) بحصن قصر الكوت، ولكنه استسلم في النهاية، وعامله الإمام تركي معاملة حسنة، ومن يومها عادت الأحساء إلى الحكم السعودي.

استعادة المنطقة الشرقية

ووفد زعماء القطيف على الإمام بالأحساء يعلنون الطاعة، ووفد إليه زعماء رأس الخيمة كذلك مجددين ولاءهم له، وتم تعيين عمر بن عفيصان أميرًا على الأحساء.

وفي سنة 1248هـ بعث الإمام تركي بحملة قوية على رأسها عمر بن عفيصان إلى سلطنة عمان، فأجبر السلطان سعيد على الخضوع لآل سعود، ودفع الزكاة لهم، وكذلك فعل حكام البحرين بعد أن حمل عليهم الأمير فيصل بن تركي، ولكن أنباء اغتيال أبيه الإمام تركي قد اضطرته إلى الانسحاب سريعًا من المنطقة، والعودة إلى العاصمة (الرياض).

ولم يشأ الإمام تركي أن يدخل في صراع مع الدولة العثمانية، فحاول استرضاء كل من حاكم بغداد العثماني ونجح في ذلك، ولم يستطع الحصول على رد حاكم مصر الذي انشغل بدوره في حروبه الخارجية. وعلى كلٍّ فلم يتعرض الإمام للأمكنة التي يعد التوسع فيها مثيرًا للدولة العثمانية مثل الحجاز، وفضل ألا يفتح عليه بابًا لم يكن مستعدًا له في ذلك الوقت.

اغتيال الإمام تركي بن عبد الله

على الرغم من إيواء الإمام لابن أخته مشاري بن عبد الرحمن آل سعود، وتعيينه أميرًا على منفوحة، وعفوه عنه بعد خروجه عن الطاعة، فإن مشاري قد استغل فرصة غياب الأمير فيصل بن تركي على رأس قوات آل سعود في شرقي الجزيرة العربية، فدبر مؤامرة انتهت باغتيال الإمام تركي بن عبد الله، واستيلاء مشاري على السلطة في الرياض في نهاية ذي الحجة 1249هـ الموافق 1834م.

الإمام فيصل بن تركي

كان اغتيال الإمام/ تركي بن عبد الله قد حدث فجأة في الوقت الذي كان فيه ولده الأمير/ فيصل بقواته في المنطقة الشرقية، وما إن وصله الخبر حتى أسرع نحو الرياض بمن معه من قوات، فوصلها بعد مرور 17 يومًا من مقتل والده واستيلاء مشاري بن عبد الرحمن على الحكم في الرياض.

ودخل فيصل الرياض فجأة، فاعتصم مشاري بقصر الحكم، وقد يسر حراس المدينة لفيصل الاستيلاء عليها لحزنهم على ما حدث لتركي، وحبهم له وحرصهم على الانتقام من قاتله، ولذلك فقد تم الأمر لفيصل بعد قضائه على مشاري ومن معه، وأخذت وفود القبائل والمناطق تفد إلى الرياض معلنة الولاء والوفاء، فأمرهم فيصل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واتباع تعاليم الشرع الحنيف.

وبدأ فيصل على الفور تسكين وترتيب الأمور في البيت السعودي، ثم انطلق بقواته لإخماد بعض حالات الشغب القريبة، ولا سيما في بلاد الدوائر، حتى أعادهم إلى الولاء والسكينة، وأتبعها بحملة اتجهت صوب عالية نجد التي أقام أربعين يومًا في بعض مناطقها حتى أدى أهلها الزكاة بعد أن منعها بعضهم، وتلكأ بعض آخر، وعيَّن على بلاد جبل شمر صديقه عبد الله بن علي بن رشيد.

تفرغ فيصل بعد ذلك لحل مشكلات المنطقة الشرقية، ولا سيما المشكلة المتعلقة بآل خليفة، فساعدته الأحداث والظروف على الاتفاق معهم على التخلي عن السواحل التي استولوا عليها، وجرى إذعانهم بدفع الزكاة للدولة السعودية، على أن يساعدهم فيصل في أي عدوان خارجي يقع عليهم.

الإمام فيصل بن تركي

ولم يهنأ الأمير/ فيصل بترتيباته وتثبيت دعائم ملكه، إذ سرعان ما أصدر محمد علي باشا أوامره إلى قواته بالزحف إلى الحجاز (ينبع) في سنة 1252هـ/ 1836م، ومنه تنطلق إلى نجد للقضاء على فيصل ودولته، وعين لذلك قائدًا للجيش هو إسماعيل بك، في حين أعلن أن الجيش يسير تحت راية أو قيادة خالد بن سعود الكبير (أخي عبد الله بن سعود آخر حكام الدولة السعودية الأولى) الذي كان قد حُمل إلى مصر ضمن أفراد أسرته سنة 1818م، وتمكَّن محمد علي من تطويعه لتحقيق مآربه.

وقد بذل فيصل بن تركي محاولاته في إظهار الود وحسن النية، إلا أن الجيش واصل زحفه من ينبع إلى المدينة المنورة فالحناكية فالقصيم. ورغم بذل فيصل جهده للوقوف في مواجهة الحملة، فإن الظروف قد منعته من ذلك، واضطر إلى إخلاء الرياض، والاتجاه نحو الخرج، ومنها توجه إلى الأحساء؛ الأمر الذي سهَّل على الحملة بقيادة إسماعيل بك وخالد بن سعود الاستيلاء على كثير من بلاد نجد، ودخول الرياض، على الرغم من استبسال كثير من المناطق في الدفاع عنها ضدهم.

وحاول الأمير/ فيصل بن تركي حصار الرياض والاستيلاء عليها، وعندما أوشك على تحقيق هدفه وصلت إمدادت للقوات المرابطة في الرياض، اضطر معها فيصل إلى رفع الحصار والتراجع إلى بلدة منفوحة. وعلى الرغم من الهدايا التي أرسلها الأمير/ فيصل في محاولة منه لرأب الصدع، وعروض الصلح التي ظهرت من الجانبين، فإنهما لم يصلا إلى نتيجة تُذكر، ما أشعل المعارك بين القوات الغازية التي تمتلك عتادًا وأسلحة متفوقة، وتزعمها خورشيد باشا من قبل الأتراك، وبين القوات التي يقودها الأمير فيصل، ولكنها انتهت في صالح خورشيد، ما اضطر فيصل إلى تأمين رجاله، ومقابلة خورشيد في رمضان سنة 1254هـ لإنهاء الحرب التي لم يكن الاستمرار فيها في صالحه، وقبل الذهاب إلى مصر التي وصلها في أواخر العام نفسه، وسُجن في قلعة بمدينة السويس.

استيلاء عبد الله بن ثنيان على الرياض

مضى خورشيد باشا في استكمال حلقات نفوذ محمد علي في شبه الجزيرة العربية باتجاهه نحو المنطقة الشرقية، فاستولى على الأحساء، ومدَّ نشاطه نحو بقية جهات الخليج وعمان، فأبرم اتفاقًا مع حاكم البحرين، ومدَّ نفوذه لبعض مناطق سلطنة عمان، وبذل جهوده في إجبار سلطان مسقط على التبعية والولاء، وأقام علاقات طيبة مع حاكم الكويت.

أثارت التحركات المصرية مخاوف بريطانيا على نفوذها ومصالحها في الخليج العربي، ولا سيما بعد استفحال قدرات جيش محمد علي باشا وارتفاع مستويات تدريبه وسيطرته على بقاع شتى في شبه الجزيرة العربية، وسواحل الخليج العربي، والشام، والسودان، وغيرها، وتقدم قواته صوب العاصمة العثمانية؛ الأمر الذي دفع الدول الأوروبية بزعامة بريطانيا إلى التكتل ضد محمد علي، والاتفاق على إرغامه على سحب قواته من بلاد الشام والجزيرة العربية بموجب معاهدة لندن سنة 1256هـ/1840م، ما اضطر خورشيد إلى سحب ما معه من قوات ونقلها إلى الحجاز، ومنها إلى مصر، وتعمد ترك حاميات صغيرة مصاحبة لخالد بن سعود.

وأضعف هذا الانسحاب جانب خالد بن سعود؛ ما أتاح الفرصة لعبد الله بن ثنيان، فقام بثورة ضده، وتمكن من الاستيلاء على كثير من البلدان والقرى النجدية. وكُلِّلت مساعيه بالنجاح، عندما تمكَّن من الاستيلاء على الرياض، وألجأ خصمه خالد بن سعود لناحية الأحساء التي فشل في جمع الأنصار منها لإخراج ابن ثنيان من الرياض فغادرها إلى الكويت.

وكان خروج خالد من الأحساء فرصة سانحة لعبد الله بن ثنيان للاستيلاء عليها، ولكنه لم يمضِ قدمًا في إعادة نفوذ آل سعود على سلطنة عمان، فاتجه نحو إقامة علاقات ودية مع أشراف الحجاز بعد خروج جنود محمد علي باشا منه.

إن ابن ثنيان كان مسايرًا لخالد بن سعود، ولكنه اختلف معه في نظرته تجاه ولائه لمحمد علي، وثار عليه، وانتزع منه الحكم.

عودة فيصل بن تركي من مصر

تمكن الأمير/ فيصل من الإفلات من قبضة محمد علي باشا سرًا، أو بمساعدة من عباس باشا (حفيد محمد علي).

ويذكر صلاح الدين المختار عن تفاصيل هروب فيصل من سجنه أنه تم عن طريق حبل تدلى به هو وولداه وابن عمه من شرفة البيت أو السجن الذي كان مقيمًا به هناك.

وتمكَّن فيصل بن تركي من الخروج بمساعدة الحكومة المصرية. والدليل على ذلك:

- موافقة الأمير فيصل على دفع مبلغ وقدره عشرة آلاف ريال فرنسي لشريف الحجاز، هذا على الرغم من عدم تسديده للمبلغ.

- ما ذكره الخديوي إسماعيل في رسالته التي بعث بها في سنة 1280هـ/ 1863م إلى فيصل (إبان المشكلة العسيرية): «ومن القديم مؤكد ومثبوت انتسابكم لمحبة الجهة المصرية»؛ ما يدل على ود سابق إبان وجوده وخروجه من مصر. 

- فشل خالد بن سعود الذي كان مواليًا لمصر في الاحتفاظ بزعامة نجد، وتولى ابن ثنيان (المعادي لها) ربما دفع مصر لتسهيل مهمة فيصل في الخروج مع بعض أهله لتولى الحكم في نجد طمعًا في أن يكون على علاقة ودية مع مصر.

اتجه فيصل ومن معه بعد خروجه من أسره إلى جبل شمر الذي كان تحت رئاسة صديقه عبد الله بن رشيد الذي رحب به، واستعد لمساعدته في إعادة ملك آبائه، ومن هناك أرسل لزعماء نجد ورؤساء القبائل يطلب الانضمام إلى قواته، فرحب الغالبية به، واستعدوا لمناصرته، وزحف فيصل بمن أعلنوا ولاءهم له إلى الرياض فحاصر ابن ثنيان في قصر الحكم، ودارت مفاوضات بين الزعيمين لم تؤدِّ إلى نتيجة تُذكر، فتسلل ابن ثنيان من القصر محاولًا الهروب، إلا أن أتباع فيصل تمكنوا من القبض عليه وتسليمه لزعيمهم الذي أودعه السجن.

وقد توفي عبد الله بن ثنيان بالسجن بعد شهر من إيداعه به، وذلك في منتصف جمادى الآخرة 1259 هـ، واستقر فيصل في حكم بلاده للمرة الثانية التي استمرت 23 عامًا حتى وفاته سنة 1282هـ/ 1865م.

واتجهت أنظار الإمام فيصل فور استيلائه على الرياض وإذعان أغلب بلدان نجد لدولته صوب المنطقة الشرقية، وتمكَّن بسهولة من الاستيلاء عليها، على الرغم من ثورة البعض ضده ولا سيما من قبيلة المناصير التي اضطرت الإمام إلى قيادة الجيوش بنفسه والاتجاه بها إلى القطيف وإخماد الثورة بها، واتجه صوب الدمام فانتزعها من يد آل خليفة الذين كانوا قد سيطروا عليها، فأتم بذلك إخضاع المنطقة الشرقية كلها لسلطانه.

أما عن علاقة الإمام فيصل بالدولة العثمانية فقد عمد إلى تهدئة الأمور في التعامل معها، وربما قد وافق على تبعية اسمية لها فجنَّبه ذلك عدم إثارة المشكلات معها.

وحاول فيصل عدم إثارة المنازعات مع بريطانيا، ولا سيما فيما يخص منطقة السواحل الخليجية، ولا سيما أن بريطانيا امتنعت عن مساعدة المعارضين للإمام فيصل في البريمي، ولكن توغل القوات السعودية في عمان وتهديدها لمدينتي مسقط وصحار أثار حفيظة الإنجليز، وعارضوا التوسع السعودي، في حين نصح الإنجليز حكام المنطقة بدفع أموال الزكاة لفيصل دون أن يكون لآل سعود تدخل عسكري فيها، الأمر الذي عارضه الإنجليز وعملوا على منعه.

وقد دامت مدة حكم فيصل ثلاثًا وعشرين سنة، وهي فترة حكمه الثانية، وبعد وفاته في العشرين من رجب سنة 1282هـ الموافق ديسمبر 1865م بويع ابنه عبد الله بالإمامة، لكن خلافًا نشب بينه وبين أخيه سعود الذي انشق عليه، واستهدف خلعه وخاض ضده الحروب، ففضل عبد الله الخروج من الرياض خاصة بعد موقعه جودة سنة 1287هـ/ 1871م وما أسفرت عنه من انتصار سعود. ولم يكن خروج عبد الله من الرياض تنازلًا عن الحكم لأخيه سعود، وإنما كان خروجه هذا التقاطًا لأنفاسه، واستطاع عبد الله بن فيصل العودة إلى الرياض، بعد أن هيَّأ له ذلك عبد الله بن تركي.

لكن سعود بن فيصل لم يترك الحكم لأخيه لقمة سائغة، فواصل نضاله إلى أن تمكَّن من العودة إلى الحكم مرة أخرى في العام نفسه 1290هـ/ 1873م، وبعد وفاته في الثامن عشر من شهر ذي الحجة 1291 هـ/1874م تولى الأمر أخوه عبد الرحمن بن فيصل، الذي سرعان ما ثار عليه أبناء أخيه سعود وقتلوا ساعده الأيمن فهد بن صنيتان، ففضل الخروج من الرياض وذهب إلى أخيه عبد الله في بادية عتيبة، فانتهز عبد الله هذا الموقف وانطلق بقواته إلى الرياض، وتمكن من الاستيلاء عليها وارتقائه أريكة الحكم مرة ثانية.

وسرعان ما ثار أبناء سعود؛ محمد وسعد وعبد الله، بمساعدة بعض رؤساء أهل الرياض على عمهم عبد الله، فتمكنوا من القبض عليه وإيداعه السجن في سنة 1305هـ/ 1884م. وقد وجد ابن الرشيد في هذا الموقف فرصته لدخول الرياض، بحجة إنقاذ عبد الله بن فيصل من السجن، بعد أن استعان عبد الله بن فيصل به. وفعلًا تم له ذلك، واستطاع دخول الرياض وطرد أبناء سعود منها، فاتجه هؤلاء الإخوة إلى الخرج التي شهدت مدنها مقتل عبد الله ومحمد ابني سعود على يد سالم السبهان في سنة 1305هـ الموافق 1887م.

وعند وصول النبأ إلى الإمام عبد الله الفيصل وأخيه عبد الرحمن اللذين كانا يقيمان في حائل، أصابهما الحزن على ذلك، ونتيجة لهذا سمح لهما ابن الرشيد بالعودة هما وأتباعهما إلى الرياض، وفعلًا عادوا إليها في سنة 1307هـ/ 1889م، لكن عبد الله توفي في اليوم الذي وصل فيه، فتولى إمارة الرياض وتوابعها عبد الرحمن بن فيصل، لكن الأمور كانت تسير في اتجاه معاكس، إذ كان ابن الرشيد يعمل ضده، ففضل عبد الرحمن الخروج من الرياض إلى الأحساء، وهناك عرض عليه متصرف الأحساء العثماني الإمارة تحت السيادة العثمانية، ولكن عبد الرحمن رفضها، ومن ثم توجه إلى الكويت ثم قطر والبحرين، ثم عاد أخيرًا إلى الكويت.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.