في أواخر القرن الثامن عشر، لم تكن شبه الجزيرة العربية مسرحًا للصراعات القبلية، بل كانت على أعتاب تحول جيوسياسي كبير قادته الدولة السعودية الأولى من عاصمتها في الدرعية، لم يكن التوسع السعودي حملات عسكرية فقط، بل كان حركة مدفوعة بمحركين رئيسيين: الطموح الإستراتيجي للسيطرة على المناطق الحيوية اقتصاديًا، والحماسة الدينية لنشر الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
يستعرض هذا المقال رحلة وصول النفوذ السعودي إلى ساحل الخليج العربي، محللاً الدوافع وراء السيطرة على الأحساء، والتوسع في قطر وعمان، وكيف أثارت هذه الانتصارات ردود فعل قلقة لدى القوى الإقليمية الكبرى آنذاك: الدولة الفارسية، وبريطانيا، والدولة العثمانية.
اهتمامات آل سعود بساحل الخليج بدافع الدين والاقتصاد
وصلت طلائع السعوديين إلى ساحل الخليج في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود في العقد التاسع من القرن الثامن عشر الميلادي واستقروا هناك، ويذكر ابن بشر أن أهل الأحساء دخلوا في الدعوة الإصلاحية للشيخ محمد بن عبد الوهاب وبايعوا سعودًا، وكان وليًا للعهد، على السمع والطاعة سنة 1787م.
وقد أرسل أهل ساحل عمان سنة 1794م وفدًا إلى الدرعية زار الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، وطلب الوفد أن يبعث الإمام عبد العزيز معهم بمن يعلمهم دعوة التوحيد والإيمان وينشرها لديهم، ووقع الاختيار على إبراهيم بن عفيصان ليكون ممثلًا له، فذهب إلى ساحل عمان، واختار واحة البريمي قاعدة له، وباشر الحكم بصفته أول أمير سعودي.

ومن الثابت أن اهتمام آل سعود بساحل الخليج يرتبط بجهود الشيخ محمد بن عبد الوهاب قائد الدعوة الإصلاحية الذي استقطب معظم قادة القبائل إلى جانب آل سعود، وأدى ذلك في أواخر القرن الثاني عشر الهجري إلى تغير ميزان القوة بين الدولة السعودية ومناهضيها من الداخل وذلك لصالح آل سعود.
وقد بدأ الاهتمام بساحل الخليج من سهول الأحساء، حيث كان حكامها قد ناصبوا العداء للدولة السعودية مدة طويلة، وغزوها المرة تلو المرة، وكان هذا حافزًا لآل سعود، من ناحية في نشر الدعوة الإصلاحية التي ساروا على نهجها، خاصة وأن شرق الجزيرة العربية كانت تسود فيه بعض المذاهب التي لا تتفق مع مبادئ تلك الدعوة.
ومن ناحية أخرى فقد استأثرت الأهمية الاقتصادية للمنطقة الشرقية من الجزيرة العربية باهتمام آل سعود لثروتها الزراعية وأوضاعها الجيوبولتيكية بالنسبة لموقعها على الخليج وموانيها التجارية وفرص عمل مجالها البحري، وأن المنطقة كانت وقتئذٍ مستقلة عن الدولة العثمانية التي كان قادة الدرعية يتحاشون مواجهتها.
السيطرة على الأحساء البوابة نحو الخليج
تذكر المصادر أن أول غزوة وجهها قادة الدرعية للاستيلاء على الأحساء كانت بقيادة سعود بن عبد العزيز، ثم وصلت القوات السعودية إلى الأحساء في سنة 1202هـ بقيادة سليمان بن عفيصان، وفي السنة التالية توجه سعود بن عبد العزيز بقواته إلى الأحساء ثم عاد إلى الدرعية، غير أنه كرر هجومه بقوات أكبر في سنة 1204هـ لمحاربة قبيلة بني خالد في المنطقة الشرقية محققًا بذلك نصرًا عليهم. وتلا ذلك غزوه للقطيف سنة 1206هـ حيث أنزل بهم خسائر فادحة. وأعلن أهل الأحساء ولاءهم له، غير أنهم تمردوا عقب خروجه؛ ما جعله يتوجه بقوات كبيرة إلى الأحساء موجهًا ضرباته الشديدة إلى مدن المنطقة وقراها.

وأصبحت الأحساء منذ سنة 1210هـ -وبالأحرى المنطقة الشرقية- جزءًا من الدولة السعودية، ونتج عن ذلك فيما يتعلق بمجال هذه الدراسة أن الجهات الخارجية التي لها مصالح في الخليج العربي بدأت تهتم بأمر الدولة السعودية، ومن هذه الجهات شركة الهند الشرقية البريطانية والدولة الفارسية، فضلًا على أن الدولة السعودية الفتية أصبحت ذات حدود مع بقية إمارات الخليج العربي، ومع أهم ولايات الدولة العثمانية في المنطقة ممثلة في باشويه بغداد، وكانت أهم النتائج لاستيلاء آل سعود على منطقة الأحساء هو نجاح الدولة السعودية في الوصول إلى البحر، وإضافة المنطقة الشرقية إلى رقعتها الزراعية؛ ما زاد إنتاجها.
التوسع في الخليج من الأحساء إلى الزبارة
ومن منطقة الأحساء والمنطقة الشرقية أخذ آل سعود يتطلعون إلى جهات الخليج العربي، حيث كانت غاراتهم قد بدأت على قطر سنة 1202هـ. وتذكر بعض المصادر أن هذه الغارات قد بدأت قبل الاستيلاء على منطقة الأحساء، وكانت الزبارة أهم مدينة قطرية باعتبارها مقرًا لآل خليفة. وقد تمكَّن آل سعود من الاستيلاء على قطر، واضطر حكامها المعارضون لمغادرتها والتوجه للبحرين.
ويذكر ابن بشر أن قطر أصبحت بذلك جزءًا من الدولة السعودية الأولى، على أن آل سعود قدموا المساعدة إلى آل خليفة عندما غزا سلطان عمان البحرين سنة 1216هـ واستطاع الاستيلاء عليها، وكان آل خليفة يقيمون في البحرين، وقد انعكست مساعدة آل سعود على إبعاد العمانيين عن البحرين، وحققوا بذلك نفوذًا كبيرًا، وسرعان ما نشب الخلاف بين آل سعود وآل خليفة ودارت بينهما مفاوضات أدت إلى قيام آل خليفة بحكم بلادهم.
وفيما يتعلق بالكويت، فقد غزتها القوات السعودية مرتين، الأولى في سنة 1208هـ والثانية في سنة 1212هـ، إضافة إلى المناوشات التي حدثت بين الفريقين سنة 1218هـ، ومع ذلك لم تتمكن الدولة السعودية من إدخال الكويت ضمن سيادتها.

وحين وصلت طلائع القوات السعودية إلى عمان كان حاكم مسقط سلطان بن أحمد البوسعيدي أجرى اتصالات مع كل من الدولة الفارسية والدولة العثمانية، وكانت الدولتان تنظران بحسد إلى المكاسب التي حققتها الدولة السعودية، ويفسر ذلك تشجيعها لسلطان بن أحمد البوسعيدي لمناوأة آل سعود ووعودهما له بتأييده وتقديم المعونات له.
وأعقب ذلك ذهاب حاكم مسقط إلى مكة سنة 1217هــ/ 1803م تحت ستار تأدية فريضة الحج، وكان هدفه في الواقع التفاهم مع أمير مكة الشريف غالب بن مساعد، والاتفاق معه على مقاومة الدعوة الإصلاحية. غير أن آل سعود كانت سيادتهم قد انتقلت إلى مكة، الأمر الذي جعل حاكم مسقط يرضخ في النهاية لآل سعود ويعقد اتفاقًا معهم تعهَّد فيه بدفع الزكاة السنوية لهم. غير أن ذلك لم يحل دون تجدد المصادمات بينه وبين السعوديين الذين زحف أميرهم سالم الحرق من البريمي إلى الباطنة وكاد يحتل البلاد لولا وفاة الإمام عبد العزيز سنة 1218هـ ليحل محله نجله سعود الكبير الذي كان يتسم بشجاعة ومقدرة فائقتين.
أما سلطان بن أحمد البوسعيدي -حاكم مسقط- فقد سقط قتيلًا، وحلَّ محله بدر بن سيف الذي كان صديقًا لآل سعود ومتعاطفًا معهم، وساعد ذلك في استقرار دام مدة سنتين عندما اغتيل هو الآخر، وتولى الحكم بعده سعيد بن سلطان، فاضطرب موقف السعوديين داخل عمان وارتدت قواتهم التي كانت متمركزة في الباطنة إلى البريمي. واستمرت المناوشات بين الفريقين حتى سنة 1223هـ حين هزم السعوديون سلطان مسقط وجيشه، ودخلت عمان في إطار الدولة السعودية في هذا العام.
ردود فعل الانتصارات السعودية
سواء تعلق الأمر بالدولة الفارسية أو بريطانيا أو الدولة العثمانية، فقد أحدثت الانتصارات السعودية في الخليج ردود فعل متباينة من جانب هذه القوى التي كانت لها مصالحها مع الدولة السعودية الفتية.
الموقف الفارسي من انتصار السعوديين.. الخلاف المذهبي والخوف من التوسع
فالدولة الفارسية اهتمت باستيلاء السعوديين على منطقة الأحساء. وتذكر المصادر أن اهتمام الدولة الفارسية يجد تفسيره من أنه إذا كان خلاف حاد قد وجد بين أنصار الدعوة الإصلاحية وبين كثير من المنتمين إلى المذهب السني حينذاك فقد كان من الطبيعي أن يوجد خلاف أكثر حدة بين أولئك الأنصار وبين حكومة فارس التي كانت تدين بالمذهب الشيعي.
ويذكر العثمانيون أن بعض سكان المناطق الشرقية معلوم أنهم ينتمون إلى هذا المذهب، ومع أن هؤلاء كانوا تحت حكم زعماء بني خالد السنيين قبل دخولهم المنطقة المذكورة تحت حكم آل سعود، فإن حكم أولئك الزعماء من بني خالد لم يكن قائمًا على أساس من العقيدة مثلما كانت عليه الحال بالنسبة للحكم السعودي.
ويفسر ذلك سبب نظرة الحكومة الفارسية بأن يتدخل شركاؤها في المذهب الشيعي تحت ظل حكومة سنية متحمسة لعقيدتها نظرة تختلف عن ذي قبل. ليس هذا فحسب، بل إن الحكومة الفارسية قد تلقت صدمة نتيجة الهجوم الذي شنه السعوديون على كربلاء، البلدة المقدسة لدى الشيعة، حيث زاد الخوف لديها من الدولة السعودية، وازداد كرهها لها، ولم يكن غريبًا أن تقف الحكومة الفارسية بعد تلك الحادثة بعام واحد مع سلطان مسقط في نزاعه مع آل خليفة وحلفائهم السعوديين.
واستمرت الحكومة الفارسية تدعم السلطان العماني في مواجهة آل سعود، ثم جاء القضاء على الدولة السعودية على يد محمد علي حاكم مصر ليمثل شعورًا بالطمأنينة لدى الحكومة الفارسية؛ إذ إنها رأت فيه أفول نجم دولة فتية كادت توحد منطقة الخليج برمتها.
الموقف البريطاني من سيطرة السعوديين حسابات المصالح ومواجهة القواسم
أما فيما يتعلق ببريطانيا، فإن التنافس البريطاني الفرنسي على عمان في هذه الفترة رجحت كفته لصالح بريطانيا من خلال الاتفاقيتين اللتين عُقدتا بين سلطان مسقط وبريطانيا في 1213هـ، 1215هـ، غير أن هاتين الاتفاقيتين كانتا موجهتين في الواقع ضد الغزوات السعودية في تلك البلاد، وقد ازداد نشاط القواسم بحريًا بحيث لم يقتصر على مهاجمة السفن العمانية فقط، وإنما تلك التي تتعاون مع بريطانيا من سفن عمان، وتسبب ذلك في الهجوم البريطاني على رأس الخيمة سنة 1220هـ، 1224هـ.
وتشير المصادر أن بريطانيا حاولت أن تتعامل مع القواسم وكأنهم جهة مستقلة عن آل سعود الذين لم تكن لديهم الرغبة أو الاستعداد لمواجهة بريطانيا، فضلًا عن أن حكومة الهند البريطانية قد أعربت للإمام سعود عن رغبتها في استمرار العلاقات الطيبة بينهما، وقد تجاوب الإمام سعود مع بريطانيا وأمر أتباعه بعدم التعرض للسفن البريطانية.
والواقع أن بريطانيا كانت مدركة لقوة آل سعود في شبه الجزيرة العربية، وفي الوقت ذاته لم تكن راغبة في تنامى هذه القوة. ويُستدل على ذلك من شعور بريطانيا بالارتياح حينما انتصرت قوات محمد علي على الدولة السعودية، وتلاشت قوة القواسم نتيجة لأفول نجم الدولة السعودية الفتية، واغتنمت بريطانيا هذه الفرصة لتفرض سيطرتها على شيوخ الخليج العربي بسلسلة من المعاهدات غير المتكافئة.
الموقف العثماني من سيطرة السعوديين على الخليج صدمة في بغداد
ويأتي رد فعل الدولة العثمانية من خلال باشوية بغداد، أي العراق العثماني، على نحو ما أشار إليه أبو حاكمة من خلفيات تاريخية طوال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
أما وقد وصل سعود بن عبد العزيز بقواته إلى الأحساء، فقد كان ذلك صدمة لحاكم بغداد العثماني. وقد حدثت بين الطرفين كثير من المصادمات والمعارك أدت في النهاية إلى تبادل الرسائل والاتفاق على صلح يتم بموجبه عودة الجيش العثماني إلى العراق، وقد تم ذلك بالفعل سنة 1214هـ. غير أن العلاقات ما لثبت أن توترت بين باشويه بغداد وبين الدولة السعودية الأولى، وبلغت ذروتها بمهاجمة سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود منطقة الزبير والبصرة، وألحق هزائم متتالية بالقوات العثمانية في العراق، ولم تتوقف الهجمات السعودية إلا حينما انشغلت الدولة السعودية الأولى بالحملة المصرية العثمانية التي انطلقت من مصر للقضاء عليها.
يمثل وصول نفوذ الدولة السعودية الأولى إلى ساحل الخليج العربي نقطة تحول مفصلية في تاريخ المنطقة، فقد نقل مركز القوة من الكيانات المحلية المتفرقة إلى دولة مركزية ذات مشروع ديني وسياسي واقتصادي، وعلى الرغم من أن هذه الهيمنة كانت مؤقتة وانتهت بسقوط الدرعية، فإنها أرست أسسًا جيوسياسية جديدة، ورسمت خطوط تماس مباشرة مع القوى الكبرى، وأثبتت أن قلب الجزيرة العربية قادر على إنتاج قوة فاعلة تغير وجه الإقليم بأكمله، وهو ما مهد الطريق لعودة النفوذ السعودي في مراحل لاحقة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.