الدِّراسة الأكاديمية بداية وليست نهاية

استمر النَّظام التَّعليمي في الأمة الإسلامية على منهج واحد، وذلك في كافة العلوم الشَّرعية واللغوية، وفي عصرنا انتشر التَّعليم الأكاديمي الجامعي، ويكتسب التَّعليم الجامعي اليوم أهمية متزايدة؛ نظرًا لتشعب العلوم والمعارف وكثرة التَّخصصات، وحين تجتاح مجتمعًا من المجتمعات رياح التَّقلب والاضطراب، فإنَّ الجامعة تكون من بين أهم المؤسسات التي تحافظ على توازن المجتمع وتضمن له نوعًا من الاستقرار الثَّقافيّ.

 إنَّ الجامعات قد أضحت في نظر الأمم رمزًا من رموز السِّيادة الوطنيِّة، وعُنصرًا مهمًا من عناصر تكوين الدِّول، وحدث ما يُشبه القطيعة مع نظام التَّعليم القديم سواء أكان في الأزهر الشَّريف، أم في الزَّيتونة وغيرهما، وكان من المفترض أن تزيد على القديم وتطوره، وكثيرًا ما يُقرر العلامة الدُّكتور محمد حسن هيتو -حفظه الله تعالى- هذه القطيعة ويبين عَوارها في محاضراته وكتبه فيقول: « كانت الجامعات الإسلامية وغيرها من مواطن التَّدريس تهتم بهذه العلوم وتوليها العناية البالغة؛ لأن فهم الدِّين مُتوقف عليها، إذ تعبدنا الله بفهم كتابه وسنة نبيه بناء على قوانين وقواعد لغة العرب التي أنزل بها القرآن الكريم، وبأساليبها نطق نبينا العظيم، عليه أفضل الصلاة والسلام .فمن لم يعرف لغة العرب لا يعرف الدِّين، ومن لم يفهمها ويتذوقها في قواعدها لن يفهم ولن يتذوق القرآن والسنَّة حتى يلج الجمل في سم الخياط.

 وقد حدثنا أشياخنا عن طريقة التَّدريس في الأزهر، أنَّ الطالب كان لا يدخله إلَّا وهو حافظ للقرآن في الكتاتيب ([1])، فإذا دخله قرأ في السَّنة الأولى من كتب النَّحو الآجرومية بأربعة شروح لها. وفي السَّنة الثَّانية يقرأ قطر النَّدى ، وفي السَّنة الثَّالثة يقرأ شُذور الذَّهب، وفي السَّنة الرَّابعة يقرأ شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ويحفظها كما يحفظ الفاتحة.

وفي السَّنة الخامسة والسادسة يقرأ شرح الأشموني على الألفية.

فإذا نجح في هذا، وانتهى منه شرع في السَّنة السابعة والثامنة بدراسة المطول على السَّعد في البلاغة. وهكذا كان يدرس ويتدرج في الكُتب في شتى العلوم.

وهذا يعني أنَّ الطالب الذي قرأ هذه السلسلة المتتابعة، من الآجرومية إلى الأشموني ـ لا شك في أنه قد درس من قواعد لغة العرب ما يجعله في مصاف الأئمة الكبار فيها، ولا سيما أنه كان يتلقى هذه العلوم في الصغر في دراسته الابتدائية والثانوية.

ولذلك فقد وجدت في جيل الأساتذة الأزهريين الذين أدركوا تلك المرحلة الأزهرية من أساتذتي ـ وجدت فيهم أئمة في اللغة.

وهكذا كان يدرس الفقه، فكان الطالب يدرس أولًا حاشية الباجوري على ابن قاسم في الفقه الشَّافعي، ثم يدرس حاشية الشَّرقاوي على التَّحرير، ثم يدرس المنهج وشرحه لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ثم يدرس المنهاج للإمام النَّووي بشرح الإمام جلال الدِّين المحلي الذي يعتبر الذروة في الدِّقة والإتقان والإحكام في الفقه.

وهذا كله في الدراسة الابتدائية والثانوية، فإذا ارتقى إلى الدراسة العالية، بدأ بدراسة الفقه الخلافي والأدلة ومناقشتها؛ ولذلك كان يصل الطالب إلى الدراسة العالية بعد الثانوية وهو إمام في المذهب، لا يقل عن كبار أئمته المبرزين فيه.

ولقد درست الفقه على عدد من الأساتذة الذين كانوا يملون علينا منهاج النَّووي مع شرح المحلي إملاءً عن ظهر قلب وهو يقع في أربعة مجلدات، مع التَّمكن التام في كل العلوم على ما ذكرت من النَّحو والفقه . فأين نحن وأساتذة اليوم من هذا ....؟ » ([2]).

وهذا رئيس مجمع اللغة العربية العلامة الأستاذ الدُّكتور حسن الشافعي -حفظه الله- يقول: « ما احتجت إلى مزيد في العربية وعلومها بعد الثَّانوية الأزهرية ».

فالنِّظام الأكاديمي في الجامعات إلا القليل منها عبارة عن مفتاح كما علّمنا هذا كرام أشياخنا، فالباحث الذي لا يكمل المسيرة بعد مرحلة الليسانس، بل أقول مرحلة الدُّكتوراه لن يُفلح إذا لم يأخذ العلم صناعة ومنهجًا كالطَّعام والشراب.

ويقول الدُّكتور الطَّناحي :« أصل الدَّاء عند سبب واحد: ماذا يتلقى طالبُ العربية الآن في كليات اللغة العربية وأقسامها بالجامعات؟ أمشاجٌ من قواعد النَّحو والصرف، مطروحةٌ في مذكرات يمليها الأساتذة إملاءً، أو يطبعونها طبعات مبتسرة، تنقص عامًا وتزيد عامًا، واختفى الكتابُ القديم لتحُلَّ محله هذه المذكرات ، ودُفع الطُّلابُ دفعًا إلى الملل من قراءة الكتب - والملل من كواذب الأخلاق، كما قال عمرو بن العاص، رضي الله عنه - ولا بدَّ لصلاح الحال من أن تكوى هذه القُروحُ المُمِدَّة ، وأن يُستأصل هذا الداء الخبيث من قاعات الدرس الجامعي.

عُودُوا أيها السَّادة إلى المتون، عُودُوا إلى الآجرومية، وترقَّوا منها إلى ابن عقيل، وهو كتاب سهلٌ رهو، علَّم أجيالًا، وأقام ألسنة، ولا تحتجُّوا علينا بالتيسير على الطُّلاب، ففي تراثنا النَّحويِّ كتب ذواتُ عدد، وضُعت للنَّاشئة والمبتدئين »([3]).

ولا زلت أذكر أحد الباحثين وهو حاصل على درجة «الماجستير» في علم العلل، فلما عقد له امتحان بأحد الجهات البحثية لم يستطع تحرير مفهوم العلة، واسترجعت حينها، وظلت فكرة التَّكوين المنهجي للطَّالب في عقلي لا تُفارقني قيد أنملة.

فيوجد في النَّظام الجامعي المعاصر ما يصح أن يُقال عليه ظاهرة (التَّشظي الثَّقافي)، فما يهضم الطَّالب ما يتعلمه ويدرسه هضمًا جيّدًا، وإنما تظل قواعده ورسومه باهتة كالأشباح في مخيلته، وما ذلك إلا لغياب الأسس والمنهجيات والمكونات للباحث.

إشكالات المضمون المُدرَّس، وهي إشكالات كثيرة مختلفة، ويمكن إجمالها فيما يلي:

المناهج:

والمقصود كثرة انشغال الأساتذة والطلاب بدارسة المنهج الشَّكلي للعلم أو ما يُسمى بالمظهر، والبعد عن جانب المضمون العلمي والتَّصورات النَّقدية، فمثلًا يعتني الأستاذ في الدَّرس الحديثي المعاصر ببيان التَّعريفات الواردة في علم المصطلح وتقسيماته، ولكن ما طبق أي مصطلح منها على كتب الرِّواية كالصَّحيحين مثلًا أو السُّنن الأربعة، فمثلا قضية الحديث المنكر وتعريفاته عند المتأخرين من عُلماء الحديث وعلى رأسهم الحافظ ابن حجر، وهو فارس الصَّنعة والمقدم فيها وإمامها وفخر الدِّيار المصرية وفخر الأزهر الشَّريف عرف الحديث المنكر ببعض مشتملاته أو ما يسمى في علم المنطق التَّعريف بالرَّسم فقال: المنكر هو: ما خالف فيه الضَّعيف الثقة([4]).

فإذا اقتصر المدرس على هذا أعني التَّعريف فقط، ولم يربط التعريف الذي سبق بتطبيقاته عند المتقدمين، وعلى رأسهم أئمة الصناعة من سفيان الثوري وشعبة وابن القطان وابن المديني وابن معين ، وأحمد بن حنبل، والبخاري ، ومسلم،  وأبو حاتم، وأبو زُرعة  وغيرهم من أئمة النقد أحدث عند المتلقي إشكالية في تطبيق المصطلح، مما يؤثر سلبًا على مسيرة الطالب العلميَّة.

ضمور الجانب التَّطبيقي([5]):

فالبرامج في الدِّراسة الجامعية تُعاني من ضعف شديد في الجانب التَّطبيقي، ولا زلت أذكر أنني وأنا في بداية الطلب إذا وقفت  أمام حديث به علة كاختلاف الوصل والإرسال أو الرفع والوقف أحتار في أمري وأحسن ما أصنع آنذاك أن أتجاهل العلة والاختلاف أو أنقل أقوالًا عن الأئمة لا أعرف كيف أوجهها ؛ لأنني لا أعرف كيف أصنع في التَّخريج على الخلاف، وكيف أُحدد المدار، ولا أستطيع التَّخريج على المتابعات للوجوه فضلًا عن الَّترجيح بين الوجوه، واستحضار القرائن المرجحة فضلا عن الحُكم على الحديث من وجهه الرَّاجح، فيجب على الجامعات الشَّرعية العناية بالجانب التَّطبيقي، وإلا خرج الطالب كما دخل، وقد يخرج بمُغالطات عن العلم وعن المصطلح فيؤثر على مسيرته العلمية والبحثية.

الانقطاع عن الكتب:

فالاقتصار على المذكرات الدراسية دون العودة  إلى المصادر الأصيلة في التخصص الحديثي يُسبب انقطاعًا عن التراث، فيتخرج الطالب ولا يستطيع التعامل مع التراث الحديثي فضلًا عن غيره، وكم يَسعد الطالب بأستاذ يُسهِّل له الولوج إلى عالم التراث، فكما قال الشَّاطبيُّ في الموافقات: «قد قالوا: إن العلم كان في صدور الرجال، ثم انتقل إلى الكتب، وصارت مفاتحه بأيدي الرجال» وهذا الكلام يقضي بأن لا بد في تحصيله من الرجال؛ إذ ليس وراء هاتين المرتبتين مرمى عندهم، وأصل هذا في الصحيح: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء»([6])...الحديث، فإذا كان كذلك؛ فالرِّجال هُم مفاتحه بلا شك.

فإذا تقرر هذا؛ فلا يُؤخذ إلا ممن تحقق به، وهذا أيضًا واضح في نفسه، وهو أيضا مُتفق عليه بين العقلاء؛ إذ من شروطهم في العالم بأي علم اتفق؛ أن يكون عارفًا بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلم، قادرًا على التَّعبيرِ عن مقصوده فيه، عارفًا بما يلزم عنه، قائمًا على دفع الشُّبه الواردة عليه فيه، فإذا نظرنا إلى ما اشترطوه، وعرضنا أئمة السلف الصالح في العلوم الشَّرعية؛ وجدناهم قد اتصفوا بها على الكمال»([7]).

فقد يَدرس الطالب في أقسام الحديث الليسانس والماجستير والدُّكتوراه، وما قرأ صحيح البُخاري بل أقول كتابًا كاملًا من الصَّحيح، وأيضًا في علم المُصطلح قد يمكث الطالب العمر وما أتم كتابًا كتدريب الرَّاوي للإمام السيوطيّ، فأي نهضة حديثية تُرتجى، والطالب يخرج وما استوعب الكتب الأصيلة في التَّخصص!!

إشكالات أساليب التَّدريس:

- غياب التَّدرج العلمي: وهذا شيء مشاهد في الجامعات فينتقل الطالب انتقالا سريعًا من مبادئ العلم إلى غاياته، مع التَّقصير الشَّديد في إتقان تلك المبادئ، وهنالك أسباب كثيرة وراء هذا الخلل منها: كثرة المواد التي تدرس للطالب في السَّنة الدراسة تبلغ في بعض الجامعات عشرين مادة، وهذا مما يُؤثر على إتقان الجانب الحديثي ([8]) فضلا عن غيره، فيخرج الطالب وقد عرف نُتفًا من المعرفة، دون التَّمكن من أصولها؛ ويؤدي ذلك إلى الشُّعور الوهمي بإتقان العلم والتَّخصص فيه، والحال بخلاف ذلك في الغالب.

إنَّ طبيعة هذه المناهج الدِّراسية التي تُركِّز على المقاصد الكلية للعلم قبل التَّمكن من أدواته، تؤدي بالطالب إلى نوع من التَّكبر والاستعلاء، وجراءة شديدة على خوض كبير العلم قبل صغاره.

بل إنَّ غالب العلماء من السَّابقين يرسمون لنا منهجًا تربويا تدريجيًا ، يقول تاج الدين  السُّبكي (ت771هـ): «حق عليه –أي المدرس- أن يحسن إلقاء الدَّرس وتفهيمه للحاضرين ، ثم إن كانوا مبتدئين فلا يلقي عليهم ما لا يُناسبهم من المشكلات ، بل يدربهم ويأخذهم بالأهون فالأهون إلى أن ينتهوا إلى درجة التَّحقيق ، وإن كانوا منتهين فلا يلقي عليهم الواضحات ، بل يدخل بهم في المشكلات الفقه»([9]).

الشُّروع في الكتب دون ختمها:

إنَّ الالتزام بالبرامج ومددها الزَّمنية، يؤدي في كثير من الأحيان إلى عدم ختم الكتب والمتون المقررة، وهذا قصور شديد ([10]).

إنَّ المطلع على واقع تدريس العلوم الشرعية عُمومًا، وعلم الحديث منها خُصوصًا، وبنظرة في مُخرجات الجامعات والمعاهد الشرعية يلحظ تدنيًا كبيرًا في مختلف المستويات، وخاصة على مستوى المراقي العقلية، والمنازل العليا للدماغ التي تجعل الطالب يتصرف في العلم نظرًا، ونقدًا، واستدراكًا، وتجديدًا وإبداعًا واجتهادًا؛ إذ إن المقصد الأساس من تحصيل قواعد هذا العلم، ودراسة مناهج أربابه، لا يقتصر على المستويات الدنيا؛ أقصد أن يتخرج الطالب حمالًا ووعاءً يستظهر مئات النصوص، دون التمهر في أي واحد منها؛ إذ إن الغاية العظمى من دراسة علوم الحديث، هو أن يصير هيئة راسخة في نفس الطالب، توجه نظره، وتؤثر في نمط تفكيره، وبمعنى أدق حصول الملكة، أعني أن يعيد الطالب صوغ عقله صياغة حديثية، وأن تلمس ثمار هذه الملكة ليس على مستوى العلم الذي يبحث فيه فقط، بل يتعداه إلى أن يصير وظيفيٍّا في حياته، فلا يصدر حكمًا إلا بعد التثبت من صحته، ولا يتسرع في إطلاق الأحكام إلا بعد الإحاطة بظروفها وملابساتها وسياقاتها  إلى غير ذلك من الوظائف التي تثمرها هذه الملكة.

إنَّ النَّاظر في أسباب قصور الملكة الحديثية لدى خريجي الجامعات والمعاهد الشَّرعية، يلحظ أن هذا التَّدني يرجع في شق كبير منه إلى قصور، إن لم نقل إلى غياب منهج تربوي واضح الأسس والمعالم في تدريس هذا العلم. نعم؛ لا ننكر مدى فتور همة الطالب، وتكاسله وتقاعسه عن البحث والتَّحصيل ومداومة النَّظر في مُصنفات أئمة هذا الفن، ولكن من المسلّم به، المعلوم ثبوته بدلالة الحس والتَّجربة، أن الطالب متى ما أسعفته مناهج التدريس في تقريب العلم، وجعله سهل المنال بين يديه، قادرًا على تصور مسائله، يستطيع أن ينزل قواعده، لا شك أنه يقبل بحب ونهم على هذا العلم. فمن خلال التجربة الجامعية – وهي جزء منا، لا نستطيع استبعادها  وجدنا معظم من يشتكي صعوبة هذا الفن، وضعف همته في الإقبال عليه، يرجع ذلك إلى الطرق التي تدرس بها وحدات علوم الحديث، والذي أكد هذه النتيجة، هو أن معظم توصياتهم، انصبت على ضرورة اعتماد قواعد فن التدريس وتنويع طرقه، في تدريس وحدات هذا العلم وخاصة في النصف الثاني من القرن السابق فقد عادت مظاهر الاهتمام بتدريس هذا العلم، فأنشئت كليات تدرس علوم السُّنة وعلوم القرآن وعلوم العقيدة، وعُرفت باسم كُليات أصول الدِّين منذ ثلاثينات القرن العشرين، وافتتحت في مرحلة الدِّراسات العليا تخصصات في كل علمٍ من العلوم المذكورة، وتخرج منها أناسٌ حملوا شهادات عالية في السُّنة وعُلومها، وقاموا بتدريسها للطلبة في الكليات الشرعية بعد أن كان يقوم بذلك أي متخصص في علوم الشريعة عموماً، واعتبر هذا العلم علمًا ضروريًا، ومتطلبًا رئيسا لكل طالب جامعي في الدراسات الإسلامية، ينبغي أن يكون فيه متخصصون يتابعون مسيرة السابقين ويبنون عليها، وكان من نتائج هذا الاهتمام بروز أعلام ارتبطت أسماؤهم بجهودهم في خدمة علوم السنة تدريسا وتصنيفا.

وبالرغم من هذه الجهود المشكورة في إعادة إحياء هذا العلم، إلا أنه ظهرت مشكلات في تدريسه، فإن كثيرًا من الطلبة لم يفهموه، ولم يدركوا أهميته بالنسبة للعلوم الأخرى فدرسوه للنجاح فقط، وأُهمل ونُسي بعد ذلك، وشكا الطلبة من صعوبة هذا العلم، وعدم تمكنهم من استيعابه، واختلطت عليهم مفاهيمه وموضوعاته، وتناقل الطلبة هذه المشكلات، وورثوا لأخلافهم أنَّ النَّجاح في هذا العلم يعتمد على حفظ المصطلحات لا على الفهم والاستنباط.

ومن المشكلات التي رافقت إحياء هذا العلم أيضًا ظهور فوضى في تصحيح الأحاديث وردها، واقتحامُ باب الاجتهاد في الحكم على الأحاديث من قِبل من لا أهلية له من المصنفين والمؤلفين الذين أعادوا دراسة ما اتفق السابقون على قبوله أو رده، فصححوا بعض ما رده الأئمة الأولون، وردوا بعض ما قبلوه، وولج هذا الميدان من لم يقرأ سوى كتاب واحد، أو بضعة كتب؛ ولم يفهم مرادها، ولم يدرك مراميها، وغابت عنه دقائق هذا العلم وتحقيقات العلماء وتمحيصاتهم، فأصبح قراء هذه المصنفات في ضياع وحيرة بسبب هذه الفوضى.

وينبغي أن نعلم أن الشَّكوى من جدية هذا العلم وصعوبته، وقلة من يتأهل له، وانشغال الطلبة بقشوره وظواهره دون الغوص في أعماقه ليست جديدة وليدة هذا العصر، بل قديمة جدًا، فإننا نقرأ في مقدمة كتاب علوم الحديث لابن الصلاح المتوفى 643هـ كلامًا يشهد لذلك قال: «إن علم الحديث من أفضل العلوم الفاضلة، وأنفع الفنون النافعة، يحبه ذكور الرجال وفحولتهم، ويُعنى به محققو العلماء وكَمَلَتُهُم ولا يكرهه من الناس إلا رُذالتهم وسَفِلَتُهم. وهو من أكثر العلوم تولجًا في فنونها، لا سيما الفقه الذي هو إنسان عيونها، ولذلك كثر غلط العاطلين منه من مصنفي الفقهاء، وظهر الخلل في كلام المخلين به من العلماء.

ولقد كان شأن الحديث فيما مضى عظيمًا، عظيمةً جموع طلبته، رفيعةً مقادير حفاظه وحملته، وكان علومه بحياتهم حية، وأفنان فنونه ببقائهم غضة، ومغانيه بأهله آهلة، فلم يزالوا في انقراض ولم يزل في اندراس، حتى آضت به الحال إلى أن صار أهله إنما هم شرذمة قليلة العدد، ضعيفةُ العُدَد، لا تُعنى على الأغلب في تحمله بأكثر من سماعه غُفْلًا، ولا تتعنى في تقييده بأكثر من كتابته عُطْلًا، مطَّرِحين علومه التي بها جل قدره، مباعدين معارفه التي بها فُخِّم أمره» ([11]).

وفي القرن الذي يليه شكا الإمام الذَّهبي -رحمه الله- المتوفى سنة 748هـ من كسل طلبة الحديث، وعدم بذلهم الجهد اللازم للتأهل في هذا العلم، كما شكا من تجرؤ غير المتأهلين له على ولوج ميادينه وأبوابه، فقال في كتابه القيم «تذكرة الحفاظ»  ينصح طلبة الحديث: «.... ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نَقَلة الأخبار ويجرحهم جهبذًا إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسَّهر، والتيقظ، والفهم مع التقوى، والدِّين المتين، والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتَّحري والإتقان، وإلا تفعل:

فدعْ عنك الكتابة لست منها       ولو سوَّدت وجهك بالمدادِ

 قال الله عز وجل: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) ([12])، فإن آنست يا هذا من نفسك فهما، وصدقًا، ودينًا، وورعًا، وإلا فلا تتعنَّ، وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب فبالله لا تتعب، وإن عرفت أنك مُخلِّطٌ مُخبِّطٌ مُهْمِلٌ لحدود الله فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البَهْرج، ويَنْكُبُ الزَغَل، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله، فقد نصحتك. فعلم الحديث صَلِفٌ، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب» ([13]).

وقال في موضع آخر يتأسف على ما آل إليه أمر هذا العلم :

«فلقد تفانى أصحاب الحديث وتلاشوا، وتبدل النَّاس بطلبة يهزأ بها أعداء الحديث والسُّنة، ويسخرون منهم» ([14]).

وشكا أيضًا - مما نشكو منه نحن اليوم - من تطاول البعض على أئمة المحدثين وجهابذتهم، وتنقصه منهم فقال : «... فبالله عليك يا شيخ، ارفق بنفسك، والزم الإنصاف، ولا تنظر إلى هؤلاء الحفاظ النظر الشَّزْر، ولا تَرْمُقنَّهم بعين النقص، ولا تعتقد فيهم أنهم من جنس محدثي زماننا، حاشا وكلا!! فما فيمن سَمَّيتُ أحد ولله الحمد إلا وهو بصير بالدين، عالم بسبيل النجاة، وليس في كبار محدثي زماننا أحد يبلغ رتبة أولئك في المعرفة، فإني أحسِبك لفرط هواك تقول بلسان الحال إن أعوزك المقال: مَنْ أحمد؟ وما ابن المديني؟ وأي شيء أبو زرعة وأبو داود؟ هؤلاء محدثون ولا يدرون ما الفقه وما أصوله؟ ولا يفقهون الرأي، ولا علم لهم بالبيان والمعاني والدقائق، ولا خبرة لهم بالبرهان والمنطق، ولا يعرفون الله بالدليل، ولا هم من فقهاء الملة.

اسكت بحلم، أو انطق بعلم، فالعلم النَّافع هو ما جاء عن أمثال هؤلاء، ولكنَّ نسبتك إلى أئمة الفقه كنسبة مُحدثي عصرنا إلى أئمة الحديث. فلا نحن ولا أنت، وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل، فمن اتقى الله راقب الله واعترف بنقصه. ومن تكلم بالجاه وبالجهل أو بالشر والبأو فأعرضْ عنه، وذره في غَيِّه، فعقباه إلى وبال. نسأل الله العفو والسلامة» ([15]).

وقال في السِّير  : «فقد عم البلاء، وشمِلت الغفلة، ودخل الدَّخَل على المحدِّثين الذين يركن إليهم المسلمون، فلا عتب على الفقهاء وأهل الكلام» ([16]).

وإذا قلنا إنَّ علم الحديث صعب بطبيعته، يتطلب مستوى معينًا من الفهم؛ فإننا لا ندعو بذلك إلى الاستكانة لهذه الصعوبة، وعدم البحث والتنقيب عن طرق ووسائل تُيَسِّر فهمه، وتوضح غوامضه لطلبته، وتذلل لهم الصعوبات التي يواجهونها، وفي ظل التقنيات الجديدة، نجد من الأساتذة من لا يرى جدوى من الاستفادة منها، وإن كنا نرى ضرورة الأخذ من أفواه الشُّيوخ، إلا أن ذلك لا يمنع من المزاوجة بين الأمرين لما يحققه من فوائد واختزال الوقت في الإفهام.

 واستعمال الحاسوب في السُّنة وعلوم الحديث يفيد الطالب بشكل كبير إذا أحسن استعماله دون إسفاف بحيث يلزمه التَّعامل المباشر مع المصادر الحديثية إلى جانب ذلك، وإلا كانت معرفته جزئية لا تتعدى ما كان يبحث عنه، بينما يحصّل الطالب في بحثه المباشر في الكتب علمًا وفيرًا مما لم يكن لديه في الحسبان. أضف إلى ذلك ما في الأقراص المدمجة من سقط وتصحيف كثير مما يعيب العمل ويحتاج إلى إعادة النظر في مثل هذه المشاريع التي يبتغى بها خدمة العلم من أجل إخراج عمل متقن.

وقد قال  أبو بكر الشنتريني - من علماء القرن السَّادس الهجري-:

«ولقد رأيت جماعة من الفقهاء المتقدمين الذين لم يبلغوا درجة المجتهدين قد تكلموا في مسائل من الفقه فأخطأوا فيها، وليس ذلك لقصور أفهامهم، ولا لقلة محفوظاتهم، ولكن لضعفهم في هذا العلم - يعني النحو - وعدم استقلالهم به» ([17]).

ويقول الشَّيخ محمد أبو زهرة - رحمه الله تعالى - :

«يجب ألا يتقاصر علم المجتهد عن معرفة أسرارها (اللغة) في الجملة؛ وذلك لأن الأحكام التي يتصدى المجتهد لاستنباطها وعاؤها أدق الكتب وأبلغها، ولابد لمن يستخرج الأحكام من أن يكون عليمًا بأسرار البلاغة، ليتسامى إلى إدراك ما اشتمل عليه من أحكام، وإنه على قدر فهم الباحث في الشريعة لأسرار البيان العربي ودقائقه تكون قدرته على استنباط الأحكام من النصوص» ([18]).

وتولى تدريس اللغة العربية من لا يتقن قراءة نصف صفحة قراءة سليمة خالية من الأخطاء، فالمرض استشرى، والبلاء عم، بسبب هذه المناهج، وفي ذلك يقول الدُّكتور محمود الطناحي - رحمه الله تعالى- : (وها هي نُذُر الفتنة قد أطلّت برأسها، فلن يستطيع أحد مهما غلا في تقدير كليته أو معهده أن يزعم أن طالبًا متخرجًا في هذا المعهد، أو تلك الكلية يستطيع الآن أن يقرأ سطرًا من كتاب سيبويه، فضلًا عن أن يفهمه، أو يحل رموزه، وإذا لم يستطع خريج كلية تعنى باللغة العربية وآدابها أن يقرأ سيبويه، فمن ذا الذي يقرؤه؟ وإذا لم يقرأه في سني دراسته فمتى يقرؤه) ([19]).

فالعلاج النَّاجع ينبغي أن يكون شاملًا ليس فقط لعناصر العملية التَّعليميِّة، بل لأنظمة التَّعليم أيضًا، وألا يقتصر العلاج على حل مشكلة علم واحد وإهمال بقية العلوم المرتبطة به، فإن العلوم الشَّرعية والعربية كالجسد الواحد لا يجوز علاج عضوٍ من أعضائه على حساب سائر الأعضاء.

لقد آن الأوان لإعادة رسم خطط ومناهج التَّعليم الجامعية في التَّخصصات الشَّرعية والعربية بما يتلاءم مع طبيعتها، وعدم إخضاعها لأنظمة التَّعليم الغربية الغريبة عنها، فيخصص لكل علم السَّاعات التي تُؤهل الطالب لحمله وتدريسه حقيقة، ولو أدى هذا التَّخطيط إلى زيادة عدد السَّنوات في المرحلة الجامعية، فهذا ليس بِدعًا فهناك تخصصات علمية تزيد عدد سنواتها على أربع، فلماذا لم يلزم أهل هذه التَّخصصات بسنوات أربع؟ والجواب: أن طبيعة هذه العلوم ودقتها لا تكفيها تلك المدة لتأهيل الطالب، وكذلك العلوم الشَّرعية ينبغي للمختصين وحدهم أن يحددوا عدد السَّنوات التي تُؤهل الطَّالب من غير ممارسة أي ضغط عليهم.

كما ينبغي للمختصين في هذه العلوم أن يحددوا فيما إذا كان الأنفع والأجدى أن تتم الدراسة وفق نظام سنوي، أو فصلي، أو نظام ساعات معتمدة، وإذا كان النظام الأخير قد أثبت نجاحه في بعض العلوم فلا يلزم منه صلاحية تطبيقه على سائر العلوم ونجاحه فيها.

ولن يتم إصلاحٌ في ظل النِظام التَّعليمي الحالي، البعيد عن طبيعة علومنا، الذي يدرس فيه علم عظيم ساعات معدودة؛ لأنه لا يمكننا تأهيل إنسان عالم مستوعب لعلوم الحديث في ساعات معدودة ، بل سيبقى هذا العلم غامضًا، وغير مفهوم له، وعلى من يروم التفوق الاعتماد على نفسه في دراسته  حتى يصل إلى بغيته، ويحقق ما يصبوا إليه.

إنَّ مُطالبتنا بفهم الباحث واستيعابه هذا العلم في الوضع الحالي كمطالبتنا لإنسان درس علم النَّحو في بضع ساعات أن يكون نحويًا، مُدركًا لموضوعات هذا العلم ومباحثه ودقائقه، مُطبقًا له في نطقه وكتاباته!!

إنَّ علم الحديث علم لا تضبط جميع جزئياته قواعد مطردة دائمًا، ولا توزن مسائله بمقاييس رياضية ؛ وإنما قواعده وأصوله أغلبية، بل في كثير من مسائل علم الحديث يصرح المحققون من أهل العلم أنه ليس لها قاعدة معينة، وإنما يرجع في كل جزئية منها إلى ملابساتها وقرائنها، ثم يكون الحكم عليها بناء على حالتها الخاصة تلك. وذلك في مثل مسألة (زيادة الثقة)، و(التفرد والغرابة)، و(الاعتضاد والتقوّي بالمتابعات والشَّواهد)، وما إلى ذلك من أعظم مسائل علم الحديث.

وليس عدم شمول قواعد علم الحديث لجميع جزئياته، ولا عدم وجود قواعد أصلًا لبعض مسائله، بسبب تقصير في تقنين هذا العلم وفي تأصيله من عُلماء الأمة ؛ بل سببه هو بلوغهم به أقصى غايات التَّقعيد السَّليم والتَّأصيل الصَّحيح!! وذلك أن علم الحديث مادته الخام هي البشر ونقولهم وأخبارهم، وللبشر باختلاف مواهبهم الخلقية، وبتباين دوافعهم وعقائدهم وسلوكياتهم، وباضطراب أحوالهم من وقت لآخر، وبما يطرأ عليهم من عوامل تغيير نفسية وخارجية ؛ بذلك كله لا يمكن أن يكون لنقول هؤلاء وأخبارهم ضوابط حسابية وموازين رياضية، بل لابد من التَّعامل مع تلك المادة المتباينة الأجزاء، الكثيرة التغيرات في كل جزء منها، بما يتناسب وذلك؛ وهذا هو ما فعله أئمة الحديث في عصور تكوين علمهم…. رضي الله عنهم وأرضاهم!!

المهم أن تعلم أن هذه إحدى أعظم مميزات علم الحديث.

وهذه الميزة تعني: أن تعلم قواعد علم الحديث ودراسة مصطلحه ليس سوى الخطوة الأولى في طلب علم الحديث، مهما تعمق الدَّارس في تحصيل تلك القواعد والأصول. وما جنى على علم الحديث شيء في العصر الحديث مثل الغفلة عن هذه الحقيقة، وذلك بالتَّعامل مع الرِّوايات الحديثية بتلك القواعد معاملة من معه قوالب يصب فيها مادته الخام ومعاملة من معه ختوم جاهزة يطبع بها كل مسألة جزئية، دون أن يتنبه إلى أن لكل قاعدة شذوذات، بل يختلق القواعد لما ليس له قاعدة، لعدم استطاعته إلا التَّعامل مع القوالب الجاهزة!!

وهذه الميزة تعني أيضًا: أنَّ علم الحديث علم حي لا يعيش وينمو في صدر رجل إلا بالممارسة له والتَّطبيق العملي لقواعده؛ لأنَّ شذوذات القواعد (وهي كثيرة وإنما سميت شذوذات لأنها بخلاف القاعدة المنصوص عليها)، والمسائل التي لا قواعد لها، لا يحسن الوقوف عليها، ولا يعرف المآخذ والأسس التي تبنى عليها أحكامها، ولا يلحظ الملابسات والقرائن الخاصة بكل مسألة جزئية منها ؛ إلا من عاش علم الحديث تطبيقًا عمليًّا ومُمارسة عميقة فترة طويلة من عمره.

وعلى هذا فعلم الحديث يحتاج كل الاحتياج لممارسة طويلة، وتطبيق عملي عميق، ليمكن طالب الحديث بعد مرور زمن طويل من ذلك أن يتنبه لشذوذات القواعد وملابساتها، وأن يقف بنفسه على مآخذ الأحكام في المسائل التي لا قواعد لها، وإنما يرجع فيها للقرائن الخاصة بكل مسألة.

ويرجع الخلل في التَّطبيق العملي في بعض القضايا الحديثية إلى عدم ضبط القاعدة التي بنى عليها الطَّالب حكمه على وفق ضبط أهل العلم لها ، واكتفاء الطَّالب بسبب تعجله بالجانب النَّظري فقط ، وكثير ما أقرأ بعض الرَّسائل العلمية وتكون قائمة على التَّطبيق العملي وإذا بالطالب يستسهل الجانب النَّظري ويسود أورقًا كثيرة بل ضابط وبلا جديد مع عدم التَّفقه في كيفية تطبيقها ، كما كان أهل العلم من الفقه والفهم والخبرة وامتلاك الملكة بالقدر الذي يُؤهلهم لمعرفة متى وأين تنزل القاعدة او لا تنزل.

يقول الخطيب البغدادي، مُنبهًا على أهمية الممارسة العملية في علم الحديث: «قلَّ ما يتمهر في علم الحديث، ويقف على غوامضه، ويستنير الخفي من فوائده، إلا من جمع بين متفرقه، وألف متشتته، وضم بعضه إلى بعض، وانشغل بتصنيف أبوابه، وترتيب أصنافه. فإن ذلك الفعل مما يقوي النَّفس، ويثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويبسط اللسان، ويجيد البيان، ويكشف المشتبه، ويوضح الملتبس، ويُكسب أيضًا جميل الذكر، وتخليده إلى آخر الدَّهر ». ثم أسند الخطيب إلى عبد الله بن المبارك، أنه قال: «صنفت من ألف جزء جزءًا، ومن نظر في الدفاتر فلم يفلح، فلا أفلح هو أبدًا» ([20]).

وهيئة هذه الممارسة التي نطالب بها طالب علم الحديث، هي: أن يقوم الطالب بما يشبه التصنيف والتأليف، إما بتخريج أحاديث كتاب ما أو أحاديث باب فقهي معين، أو بالترجمة لرواة كتاب لم يخدم رواته بالترجمة، أو بالعناية بالرُّواة المختلف فيهم، أو بجمع أقوال الأئمة وتطبيقاتهم حول قاعدة من علم الحديث أو حول أحد مصطلحاته.. ونحو ذلك من الموضوعات الكثيرة جدًا. والأفضل أن ينوع في طبيعة بحوثه، حتى يستفيد فائدة أعم وأشمل.

وبالطبع لا يكون غرضه من هذه البحوث هو تأليف كتاب يخرجه للناس، خاصة في مرحلة تكوينه العلمي، وإنما يكون غرضه من ذلك التَّعلم والتَّمرن، للفوائد التي ذكرها الخطيب في كلامه السابق عن الممارسة العمليِّة في علم الحديث.

ولا يمنع ذلك من أن يبتدئ طالب الحديث مشروعًا علميًّا كبيرًا، من صغر سنه وبدايات طلبه، يجمع له ويرتب ويناقش ويستنبط ويستدل، ويقضي في ذلك عمرًا من عمره، وبشرط أن لا يخرج مشروعه هذا إلا بعد بلوغه من العلم ما يكون قد وصل به إلى درجة الإفادة، كأن يشهد له شيوخه وأقرانه باستحقاقه أن يدلي بجهده في تأليف كتاب.

بل إني لأشدد في النُّصح لطلبة العلم بابتداء مشاريع من هذا القبيل، ولا يستخفوا بأنفسهم؛ فقد كان الإمام الزُّهري يقول للفتيان والشَّباب: «لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان، فاستشارهم، يبتغي حدة عقولهم» ([21]).

وهذا يدلك على أنَّ بعض أساتذة علوم الحديث -مع إجلالي لهم جميعًا-، أثناء تحضيرهم، أو مطالعتهم ونظرهم في مُصنفات أرباب هذا الفن، لا يستحضرون إلا شقًا واحدًا، لا يسعف أبدًا في قدح الملكة الحديثية، ونقل صناعة هذا العلم إلى الطالب، يستحضرون نقل المعرفة؛ التي تعنى بنقل القواعد واستشهادات الأئمة، وذكر أوجه الخلاف بينهم فيما يتعلق بالحدود الحديثية، ويغفلون عن لب وجوهر تدريس هذا العلم، وهو نقل منهج بناء تقعيد القواعد بالتوازي مع نقل المعرفة، فالطالب مهما أوتي من حافظة قوية، يستطيع أن يستظهر من خلالها جميع مصطلحات هذا العلم، مع استحضار معظم الخلافات الواردة في مسائله، وعزو كل نص إلى صاحبه، ما صيره ذلك عشر معشار مُحدِّث؛ لأنه بكل بساطة لم يأت البيوت من أبوابها، وباب الصنعة والملكة، هو تدريب الطالب على إدرك مناهج أئمة الحديث في النَّقد والتَّعديل والتَّجريح والتَّصحيح والتَّضعيف.

وإنَّ الدِّفاع عن حياض الشَّريعة وحرس حدودها وخدمة تراثها لا يتأتى إلا بحصول هذه الملكة؛ «لأنَّ النَّقد الحديثي صناعة لا تتيسر إلا لمن أفنى عُمره في دراسة علوم الرِّواية والدِّراية. وعليه، فإن من واجب النُّقاد من المحدِّثين المعاصرين، وطلبة العلم، الذين يطمحون إلى التَّمكن من ناصية هذا الفن، أن يضعوا على عاتقهم مهمة تنقية التراث وتصفيته» ([22]).

فعلم الحديث إذا كان بناؤه عقليا فإن هذا البناء العقلي بامتدادته لم ينفك أبدًا عن البناء التَّربوي مما يؤكد شمولية هذا العلم من طرف وتوازنه من طرف آخر.

لقد أفرد علماء الحديث نوعًا مستقلا من أنواع علوم الحديث هو من أوسعها أسموه معرفة آداب المحدِّث وطالب الحديث بل صنفوا في ذلك مصنفات مستقلة بلغت الذروة في بابتها كان من أجلها مصنف الخطيب البغدادي في كتابه النَّفيس «الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السَّامع» ، وقد تضمن هذا الباب من أبواب علوم الحديث المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه المحدِّث وطالب الحديث في حياته الخاصة والعامة فاشتمل من ضمن ما اشتمل عليه ما يجب أن يلتزم به طالب الحديث في كل عملية تعليمية سواء كانت وسيلة أو أداة أو طريقة أو غاية ، ةوما يجب عليه أن يأخذ به نفسه من التحلي بأجمل الأخلاق والآداب ، وما يجب عليه أن يترفع عنه من سيء الأعمال والتصرفات ، أو ما ينفر من قبيح العادات ، وكانت الغاية من هذه الآداب معرفة المنهج الذي ينبغي التزامه والتحقق به في التعامل مع الآخرين والمدقق لما عرض له علماء الحديث في هذا الجانب يرى ملاحظتهم للأمور الآتية: إن العلم وحده لا يكفي في التربية ، فالتربية تحتاج  إلى إعداد وممارسة، وقدوة حسنة، وهذه لا تتحقق بمجرد التلقين والوعظ ([23]).

لذا يجب استجلاء المنهج التَّربوي الذي سلكه المحدِّثون في نقل الصِّناعة الحديثية، فالعلوم الشَّرعية منذ نشأتها صاحبها في النَّضوج والكمال والتَّأسيس منهج تربوي أسعف في تطوير هذه العلوم، والوصول بها إلى مرحلة النُّضج والاكتمال، فإنه من غير المعقول أن يكون الإبداع والتَّجديد الذي أسهم في تطوير علم الحديث بعيدًا عن منهج تربوي منضبط، مُتكامل الأسس والأركان، فإنَّ أسلوب التَّعليم والتربية والقيم والآداب والسُّلوك مما عرض له المحدِّثون في آداب المحدَّث وطالب الحديث كواحد من أنواع عُلوم الحديث، وكأنهم بهذا يُؤكدون على ضرورة اقتران العلم بالعمل، والنظرية بالتطبيق، والمعرفة بالسُّلوك، مما يدفع بالأمة إلى التَّفوق الرُّوحي والأخلاقي والاجتماعي والعُمراني معًا.

 

 

([1]) نرى في ساحتنا هجومًا شرسا على الكتاتيب التي أخرجت أعلام الأزهر وشيوخه، وهذه من القضايا المثيرة للجدل والمستغربة  في ساحتنا اليوم أحلت كل مشاكلنا ولم تبقى إلا مشكلة حفظ الأطفال الصغار للقرآن الكريم في الكتاتيب ! إنَّ قضية الحفظ عن ظهر قلب اليوم تُوجه إليها سهام ناقدة ، ويلقى باللوم على الأساتذة ، وهناك اتجاهات عالمية عديدة في هذه المسألة فهناك اتجاه يزهد في أسلوب الحفظ والتلقين إلى أبعد الحدود كما هو الشأن في الولايات المتحدة الأمريكية، واتجاه يعول على الحفظ والفهم في ضوء استراتيجات تعليمية كما هو الشأن في التعليم الياباني، ونرى أن الطريقة اليابانية أجدى وأنفع خاصة بالنسبة لعلومنا فعلومنا عمادها الحفظ أولً فالمخ البشري يحتاج إلى معلومات ومعطيات يعمل عليها، ويستخلص منها شيئًا جديدًا نافعًا، ثم يأتي الفهم والتحليل والاستنتاج والاستنباط والناظرإلى إنتاجات الحضارة الإسلامية في العلوم الحياتية والدينية يرى هذا ماثلا أمام عينيه، فالتركيز على الحفظ بلا فهم وتحليل وحده يجلب أضرارًا كثيرة، فالاعتماد على المزواجة بين الحفظ بقدر ما مع الكثير من الفهم والتحليل يمكن المتعلم من امتلاك الملكات العلمية، ويتمكن أيضًا من فهم أدق للواقع المعاصر.

([2])  ينظر: «المتفيهقون»   للدكتور محمد حسن هيتو (ص: 39 وما بعدها).

([3]) ـ ينظر : الموجز في مراجع التراجم والبلدان ، د محمود الطناحي (17).

([4])  ينظر: نزهة النظر  ص:72.

([5])  التَّطبيق : هو إخضاع المسائل والقضايا لقاعدة علمية أو قانونية أو نحوها، وحاصل معناه أنه : تنزيل الكليات الذهنية على الوقائع الجزئية ، فالتطبيق عمل يقوم به الباحث منزلا فيه القواعد النظرية على التطبيقات والممارسات العملية الجزئية لذا يقول ابن رجب الحنبلي: « ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة وكثرة المذاكرة» ويعني بها التَّطبيق العملي للقواعد النَّظرية . ينظر : «شرح علل الترمذي» لابن رجب (2/469) ، و«المعجم الوسيط» (2/550)  .

([6])  أخرجه البُخاري في «صحيحه»، كِتَابُ العِلْمِ- بَابٌ: كَيْفَ يُقْبَضُ العِلْمُ (1/31 رقم 100)، ومسلم في صحيحه، كتاب الْعِلْمِ- بَابُ رَفْعِ الْعِلْمِ وَقَبْضِهِ وَظُهُورِ الْجَهْلِ وَالْفِتَنِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ (2673)(13)، كلاهما من حديث عبد الله بن عمر بن العاص رضى الله عنهما.

([7])  ينظر: «الموافقات» للشاطبي (1/140).

([8])  تعتمد كُليات أصول الدين في جامعة الأزهر على مراعاة التَّدرج العلمي. ففي بداية المرحلة الجامعية يدرس الطالب  بعض المواد المؤسسة، وفي التَّخصص يدرس العلم بكثافة  مع ضمور في الجانب التَّطبيقي، وما نَنشده في أقسام الحديث وغيرها في كُليات أصول الدين على مستوى العالم الإسلامي، والكُليات التي تُعنى بالدراسات الحديثية، ولقد شرعت كُليات أصول الدين في معالجة هذا الخلل فأصبح الطالب ملزمًا  بدراسة التَّخريج العملي ودراسة الأسانيد طوال العام، وهذا جيد جدًّا ولكننا نأمل في المزيد.

([9])  ينظر: معيد النعم ومبيد النقم (ص: 83) ، و مقالات الدكتور الطناحي ص: 51.

([10])  ومن العجائب أنني انتدبت في إحدى الكليات لتدريس المصطلح بها وكان المزمع تقريره هو الحديث الضَّعيف، ومن عادتي أن أختبر طلابي في مناهج الأعوام السَّابقة، فسألتهم مُختبرًا عن الحديث الحسن وحدٌّه، فما أجاب طالب، فعجبت من إطباق جميع الطُّلاب على عدم الإجابة، ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب كما يقال، فوجئت وكانت صدمة أن المدرس ألغى لهم الحديث الحسن وحذفه من مقرر الدِّراسة؛ لأن المقرر في الفرقة الأولى كانت مباحث الحديث الصحيح، ومباحث الحديث الحسن، وحذف المدرس مبحث الحسن، ونجح الطلاب وذهبوا إلى الفرقة الثانية ليدرسوا مباحث الحديث الضعيف، فالنتيجة مما أقوله أن يخرج الطالب من الكلية وما يعرف شيئا عن الحديث الحسن؛ لأنه حُذف من المقرر، وإلى الله المشتكى!!

([11])  ينظر: مقدمة ابن الصلاح (ص5-6) . 

([12])  [سورة النحل : 43] .

([13])  ينظر: «تذكرة الحفاظ» للذهبي   (1/10) .

([14])  ينظر: «تذكرة الحفاظ» للذهبي   ( 2/86) .

([15])  ينظر: المصدر السابق    ( 2/150) .

([16])  ينظر: «سير أعلام النبلاء» للذهبي   ( 2/602) .

([17])  ينظر: مقالات العلامة محمود الطناحي (2/438) نقلا عن كتاب تنبيه الألباب على فضائل الإعراب .

([18])  ينظر: «أصول الفقه» للشيخ محمد أبو زهرة (ص: 380).

([19])  ينظر: مقالات العلامة محمود الطناحي (1/136) .

([20])  ينظر : « الجامع لأخلاق الرَّاوي وآداب السَّامع» للخطيب   (رقم 1913، 1914).

([21]) ينظر :  «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البر (رقم 505، 506). 

([22])  ينظر: «أبجديات البحث في العلوم الشرعية» د. فريد الأنصاري ( ص 198).

([23])  ينظر:  «من آداب المحدثين في التربية والتعليم» للدُّكتور أحمد نور سيف (ص: 15) ، و«معالم تربية المحدِّثين في القرن الثالث الهجري» للأستاذ عبد المعطي أبو طور (ص: 107 وما بعدها ) بواسطة بحث« أثر علم أصول الحديث في تشكيل العقل المسلم »للدُّ كتور خلدون الأحدب (ص:84).

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.