إن المولى سبحانه وتعالى عندما تفضل وتكرم بإبداعه خلق آدم وحواء، هيأ للإنسان ما يضمن له البقاء والاستمرار، وأكرمه بأوفر النعم وأعظمها، ووفر له عددًا لا حصر له -وبدون قيود- من النباتات والثمرات التي لا يمكن حصر منافعها الكثيرة.
وكذلك فإنها أيضًا لا تقتصر على فائدة واحدة بل تتعدى إلى فوائد عدة، فهي غذاء ووقاية وبلسم وشفاء في آن واحد، فيتغذى الإنسان عليها وهو سليم معافى، ويتقي بها المرض الفعال، ودواء لدرء المرض.
اقرأ ايضاً العلاج الطبيعي بالأعشاب.. التاريخ والنشأة
علاج الإنسان من الطبيعة
فقد سمح الله بوجود الداء في الطبيعة، وفي الوقت ذاته أوجد له الدواء من تلك الطبيعة نفسها، فالمولى سبحانه وتعالى يحنو على مخلوقاته من بشر ومخلوقات أخرى موفرًا لها كل الخير.
ولقد كان الإنسان فيما مضى من الزمن يعتمد على موارد الطبيعة وحدها في مأكله ومشربه، كذلك في إعداد وتحضير الدواء لدفع أخطار الأمراض عن جسمه، ولا نتعجب من ذلك، فيوجد في الطبيعة عدد لا حصر له من النباتات والأعشاب والزيوت الطبية المستخلصة منها، والتي تحمل في مضمونها البلسم والشفاء.
وكل منا يجد كل هذه الأشفية والعلاجات وبوفرة كبيرة في متناول يده الدؤوبة المتميزة، فإذا ما تجولنا بين الرياض والحقول التي تقع أبصارنا على الأشجار والأزهار التي تستهوينا وتفتننا وتنعش أفئدتنا وأنفاسنا بشذى عطرها الزكي، ورحيق أزهارها المتفتحة.
إلا أن فوائدها ومزاياها وخواصها المعافية تتعدى نطاق عطرها الفواح، لتحتوي على ذخيرة الصحة، وكنوز لإزالة المرض الفعال واستمرار البقاء والحياة.
وإن أغلب الأمراض التي نعاني منها سرعان ما نجد علاجنا منها في الطبيعة أكثر منها في الصيدليات، ولا يغيب عن بالنا أن عالم الصيدلة يستخدم -وعلى أوسع نطاق ومجال- أعشاب الطبيعة لتحضير وتركيب العقاقير والأدوية.
اقرأ ايضاً الأعشاب الطبية... داء ودواء
النباتات تستخدم في علاج الأمراض
ويستطيع أن يراجع الإنسان بصيرته وأن يهتدي بالتجربة والمعرفة والاستدلال إلى النبات الشافي، وما لا شك فيه أن التداوي بالأعشاب والنباتات الطبية يحتل اليوم مكانته التي يستحقها بين مختلف أنواع وأساليب العلاج السائدة والمتاحة.
ونظرًا لتزايد الاهتمام الشعبي بهذا الأسلوب في العلاج، فقد تزايدت بالتالي رغبة القراء في الحصول على مختلف أنواع المعلومات التي تبحث في هذا الموضوع، وعلى وجه الخصوص المعلومات الجدية والملتزمة بالمنهج العلمي منها، وهذا ما نعمد على فعله في تقديماتنا السابقة واللاحقة حول العلاج الطبيعي بالأعشاب.
اقرأ ايضاً فوائد النباتات للإنسان وللبيئة
الباحثين واهتمامهم بالطب
وإن هذا الاتجاه الجديد من قبل الباحثين واكبه تزايد في الاهتمام الشعبي بالطب، الذي كان يعتمده أجدادنا فيما مضى، وبطبيعة الحال فقد تزايدت الحاجة بالتالي إلى وجود مراجع سهلة الأداء والأسلوب والتناول بالنسبة للقارئ العادي.
هذه المراجع وإن كانت لا تغني عن اللجوء إلى الطبيب، فإنها تقدم على الأقل معلومات عامة ومفيدة تزيد من قدر المعلومات والثقافة الصحية لدى الأشخاص، وتوفر في أحيان كثيرة علاجًا أوليًّا وأسلوبًا وقائيًّا ضد بعض الأمراض الشائعة وليس لجميع الأمراض بطبيعة الحال.
وأريد أن ألفت نظر السادة القراء إلى أنه لم ينتقل أجدادنا الأوائل دفعة واحدة إلى البحث والتجريب لانتقاء النباتات والأعشاب، التي يمكن أن تؤدي دورًا فعالًا في مقاومة الأمراض، بل إنهم وقفوا في بداية الأمر عاجزين عن مقاومة الآفات والأوبئة التي كانت تجتاحهم وتفتك بهم من وقت لآخر.
اقرأ ايضاً الأعشاب السبعة في اليابان
التجارب العلمية على الأعشاب والنباتات
هذا ولا نستطيع أن نحدد بدقة الزمن الذي بدأ فيه التجريب العلمي والاستخدام المنظم لشتى أنواع الأعشاب والنباتات في العلاج الطبيعي، غير أننا نعرف من خلال نقوش وآثار الحضارات القديمة كالمصرية والفارسية والبابلية واليونانية والرومانية أطباء مهرة.
اعتمدوا الدراسة والتجريب في علاج مرضاهم، وأجروا بعض العمليات الجراحية البدائية التي كانت كثيرًا ما تتسم بالخطورة أحيانًا.
ومع تطور المعارف الإنسانية وتراكم المعلومات في الذهن البشري، انتقل الإنسان من طور النباتات البرية اللازمة للعلاج إلى طور زراعة هذه النباتات، وقد تركزت زراعتها في بادئ الأمر على ضفاف النيل أثناء الحضارة المصرية القديمة، وبين الرافدين دجلة والفرات خلال الحضارتين البابلية والكلدانية.
اقرأ ايضاً ما هي أسباب تفوق العلاج الطبيعي بالأعشاب؟
الحضارات المعاصرة وأسرارها
ولقد تميزت الحضارة المصرية عن غيرها من الحضارات المعاصرة لها والسابقة عليها بمعرفة علمائها لأسرار النباتات العلاجية، ما شجع على تحليلها وصناعة عقارها وإجراء التجارب عليها، وتدوين طرق استخدامها، وتسجيل علاجها لكثير من الأمراض، فكانت هذه المعرفة ولا شك هي المنبع الأساسي للحضارات اليونانية وعلاجاتها الطبية فيما بعد.
وتعد البرديات المصرية من أقدم وأهم الوثائق المسجلة التي وصلتنا من الأمراض وأعراضها، وكيفية علاجها باستعمال العقاقير النباتية.
وخلال النهضة اليونانية ظهر في أوربا عدد من النوابغ في الطب، وعلى رأسهم أبقراط المولود 640 قبل الميلاد.
أهم الكتب الطبية القديمة
ومن أهم الكتب الطبية التي وصلتنا أخبارها كتاب "الحشائش في الطب"، الذي ألفه الطبيب الروماني "ديوسقوريدس"، المولود عام 78 قبل الميلاد، وقد التحق هذا الطبيب بالجيوش الرومانية وجاب معها البلاد عرضًا وطولًا، وهو طبيب مجتهد دؤوب يصر على الحصول على المعلومة مهما كلَّفه ذلك من جهد، وكان هدفه الأول هو استقصاء النباتات والحشائش التي كانت متوافرة في أنحاء الإمبراطورية الرومانية شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا.
فاستطاع هذا العالم المجتهد الدقيق في عمله وعلمه أن يضع كتابًا ضخمًا، يحتوي على ما يقرب من ألف نوع من الحشائش والخضراوات والمعادن أيضًا، ووضع لكل نوع منها عنوانه الخاص المستقل، واستفاض في شرحه وذكر أوصافه وفوائده الطبية وأماكن وجوده، ووضح أن لكل نبات فوائد تنحصر في زهوره أو أوراقه أو جذوره أو عصارته أو زيته المستخلص، سواء كان أخضر أو يابسًا، مطبوخًا أو مخلوطًا أو مسحوقًا... إلخ. وبالإضافة إلى ذلك كان هذا الطبيب يرسم المادة التي يتكلم عنها شكل فني ودقيق؛ ليسهل التعرف عليها إذا ما وقع اختلاف في تحديد اسمها، ولفضله الكبير هو وأبقراط كررت ذكرهما في هذه المقالة، علمًا أنني ذكرتهما في مقالة سابقة.
ازدهار العلوم الطبية والكيمائية
وبعد ميلاد المسيح (عليه السلام)، انتشرت الحضارة اليونانية والرومانية ذات الأصول الشرقية في جميع أنحاء العالم، ومع ظهور الإسلام وبسط نفوذه غربًا وشرقًا انتقل التراث الحضاري والثقافي إلى الربوع الإسلامية، وقد ازدهرت العلوم الطبية والكيمائية باتساع، استفاد بعضها من الموروثات العلمية السابقة، التي جمعتها وطورتها ونشرتها، واعتمد بعضها الآخر على الإبداع والابتكار المرتكزين في أكثر الأحيان على الدراسة الميدانية والتجريب.
ومنذ بداية القرن الثامن الميلادي أخذ نجم الإمبراطورية الإسلامية يتضاءل ويضمحل ويخبو رويدًا رويدًا، مصحوبًا -بطبيعة الحال- بانهيار ثقافتها العربية وطمس معالمها الفكرية، وتدمير نهضتها الحضارية، نتيجة للغزو البربري والتتاري المغولي من الشرق والهجوم الأوروبي الصليبي من الغرب، ما أدى إلى انهيار الإمبراطورية الإسلامية وتحويلها إلى دويلات وإمارات متفككة، هذا التدهور السياسي والعسكري رافقه تدهور حضاري وثقافي، ترافق وتزامن مع ازدهار النهضة الأوربية التي اتسعت لتشمل المناطق المكتشفة من القارة الأمريكية.
انتشار الكتب العلمية في جميع المجالات
ونتيجة لهذه النهضة ظهر عدد من الكتب العلمية في جميع المجالات، فازدهرت الثقافة الغربية بفضل التأليف والنشر والترجمة والبحث العلمي، وانتشار المدارس والجامعات والمعاهد المتخصصة في مجال الطب والدواء، ما أدى بطبيعة الحال إلى إلى تخريج كثير من العلماء والمختصين في فروع العلوم الحديثة، وكان على رأسهم العالم (بوميت) مؤلف كتاب التاريخ العام للعقاقير في عام 1675م.
وظهور الكتاب العلمي المحتوي على الوصف المورفولوجي والتركيب الظاهري لآلاف النباتات النامية في البرية، ومع زيادة التعداد البشري والتقدم العلمي والصناعي؛ ظهرت طرق جديدة في الحفاظ على النباتات الطبية والعطرية وسهولة تداولها.
وذلك بتصنيعها في صورة مركزات وخلاصات لزجة، أو على هيئة أقراص أو حبوب جافة تحتوي على جميع العناصر الفعالة الموجودة في النبتة الأساسية، ومع تقدم العلوم الكيمائية استطاع العلماء الغربيون الراسخون في علمهم الجديد تحديد المواد الفعالة بدقة في كل نبتة يجري البحث فيها مجزيًّا، بل واستطاعوا فصل هذه المواد وإعادة تكوين هذه المواد صناعيًّا، ليستفاد منها في جميع المجالات الطبية.
اتجاه الأطباء إلى الوصفات النباتية للعلاج
ولكن هذا التطور العلمي الكيمائي لم يقضِ نهائيًّا على أساليب التداوي بالأعشاب المعروف الآن بالعلاج الطبيعي أو الطب الشعبي، ففي السنوات الأخيرة اتجه كثير من الأطباء إلى الوصفات النباتية لعلاج كثير من الأمراض، وذلك بسبب خلو معظم هذه النباتات من المواد الكيمائية الصناعية التي تسبب في أكثر الأحيان أعراضًا جانبية قد تؤثر سلبًا في صحة المريض.
وإني أنشد من تقديم هذه المعلومات تحفيز همم المسؤولين عن الدواء في جميع أنحاء العالم للاهتمام بتنمية واستزراع النباتات الطبية، عن طريق دراسة النباتات البرية وجمع المعلومات عنها في المراجع المنشورة وعن المناطق التي تنمو بها، والرجوع إلى التراث العظيم والكنوز الثمينة من مؤلفات الأقدمين، والتي تموج بذخيرة من المعلومات، وهذه وإن كان منها ما هو خاطئ أو مشكوك فيه، فلا بد وأن يكون البعض الآخر صحيحًا.
المناخ المعتدل للبلاد العربية
تتمتع بلادنا العربية بجو دافئ معتدل يصلح لزراعة كثير من النباتات الطبية العربية والأجنبية، والتي تنمو على نفس خطوط العرض والمرتفعات طبقًا لدرجات الحرارة التي تناسبها للنمو والتكاثر.
فيا حبذا لو اهتمت الهيئات العلمية بتشجيع زراعتها وإرشاد المزارعين إلى طرق زراعتها ورعايتها وريها وحصادها في إطار علمي متكامل، ويمكن أن تسهم شركات الأدوية بقسط وافر من هذا الموضوع، والذي سوف يغنينا عن استيراد معظم النباتات والأدوية من الخارج، ما سيعود حتمًا علينا جميعًا بالخير الوفير والصحة الجيدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.