قد يبدو هذا عنوانًا مخادعًا، ولكنه في الواقع حقيقةٌ يعيشها الكثيرون، وإن كانوا لها غيرَ مُدركين. أنا لا أتحدثُ عن حُبِّ الدنيا، فكلنا يفعل ذلك، ولا عن كراهية الموت؛ فكلنا يكره المجهول. فليس هذا العنوان مناقضًا لهاتين الحقيقتين. نعم، نحن نحب الحياة، ولكننا نخاف منها، ونكره الموت، وإن كنا لا نعطيه الوقت الكافي للخوف منه.
هذا المقال هو محاولةٌ للغوص في أعماق النفس البشرية؛ فلسفةٌ متواضعة لاكتناه طبيعة ذواتنا وسبر أغوارها بعيدًا عن التقيد بقواعد المنطق الجامدة، أو التجمل بمبادئ علم النفس المرهقة. فتلك العلوم -على مكانتها- ليست سوى آلات نستخدمها، ولكنها ليست أرواحًا نابضة في أجسادنا.
وقديمًا قيل: ليست النائحة الثكلى كالنائحة المُستأجَرَة. فهو -هذا المقال- مجرد خواطر بثثتها، وتأملات جاشت في النفس عندما جعلت أنظر فيها عن كثب. هو محاولة للفهم لا أكثر؛ فكأني خلَّيت لنفسي اللجام حتى تخبر عما بداخلها، ونزلت في قعر العقل الباطن حتى يُنبئ عما يكتنزه.
وأريد أن أقول إنني لا أتَبَنَّى هذه النظرة التشاؤمية، ولا أدافع عن تلك المبررات التي تحدثت بها النفس عندما سبرت غورها؛ فما أفعله بالتحديد هو أني أعطيتها الميكروفون فحسب. فإن نطقت بما لا أعتقده فلا ضير؛ المهم أن تُخرج ما فيها، فإن المعرفة بداية التغيير. ولست بصدد وضع خطة لهذا التغيير في مقالي هذا؛ فسيكون ذلك في مقال لاحق. المهم الآن هو الكشف عن موضع الداء.
عندما أخبرنا الله تعالى عن اليهود بقوله: «ولتجدنهم أحرصَ الناس على حياةٍ»، فإنني بالطبع لم أرد أن أناهض كلام الله تعالى بكلام من لدن نفسي؛ فالذي أعنيه ليس هو الحرص على الحياة. فكما تقدم، كلنا حريصون على الحياة. ولكنني أحاول إماطة اللثام عن شيء آخر، وهو الخوف من الحياة. فليس بالشيء المستنكر أن نحب ما نخاف منه، أو أن نخاف مما نحب.
أعني أننا كثيرًا ما نقع في هذا الشيء الذي يظهر -بادي الرأي- متناقضًا. ويمكنني أن أختصر حل هذا التناقض في كلمة واحدة، وهي أننا لا نخاف من الحياة في ذاتها، وإنما في الإخفاق في جعلها تسير على نحو ما نرجو.
وعندما فتشت في تلك النفس، تبين لي من أمرها أسباب كثيرة وضعت أهمها في هذا المقال:
لأنها تُناشدنا بما لا يطلبه الموت
فالحياة فوق كونها قاسية حقًا -وهذا وحده مدعاة للتوجس منها خيفة- ولكنها أيضًا تُلزمنا بالكثير من الأمور، في الوقت الذي يعني فيه الموت التخلص من كل هذه الإلزامات. فلن يطالب الموت ميتًا بالنجاح، ولكن الحياة هي من تفعل. عندما يموت الإنسان، فلن يعود مكلَّفًا باتخاذ قرار جديد في كل يوم. فلن يكون لمرِّ الأيام معنى أصلًا على جثة هامدة، ولن يكون محتاجًا إلى تحمُّل عبء الاختيار.
والأهم من ذلك هو نتيجة تلك الاختيارات التي لا تُحصى، والتي لا بد منها في كل يوم ما دام في المرء عين تطرف. إن الحياة تضعنا دومًا في مفترق طرق، وعلينا أن نختار أي طريق نسلك، ثم علينا أيضًا ألا نختار بشكل عبثي، بل بعد دراسة وتحليل. ومن ثم فنحن مسؤولون أيضًا عن النتائج؛ فلن نهرب من المثول أمام ذواتنا وجهًا لوجه، ولن تنفعنا أعذارنا وإن بدونا معذورين. قال تعالى: «بل الإنسان على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره».
أما الموت فهو شيء غامض، ولكنه نهائي؛ على الأقل فهو نهاية الدنيا. بخلاف الحياة؛ فهي بوابة مفتوحة، وبالتالي فهي احتمال، وكل احتمال لا بد له من تبعات. وهذه التبعات هي المقاضاة التي لا بد من التعرض لها إثر كل اختيار. ولا يلزم أن يكون القاضي من الخارج؛ فقد يكون الضمير كافيًا جدًا في هذا الدور. فتترادف المسؤوليات؛ فكل تصرف يعني اختيارًا، وكل اختيار يعني نتيجة، وكل نتيجة تعني مسؤولية جديدة تنعقد على أكتافنا. فإذا أخفقنا كان لا بد من تحمُّل ثمن الاختيار الخاطئ، وإن نجحنا فنحن مطالبون أيضًا بالحفاظ على ما وصلنا إليه.

لأنها توقعنا في مصيدة المقارنة السامة
وقد نقع في مصيدة المقارنة؛ فإن نجونا نحن من شراكها، لم يألُ المحيطون بك جهدًا في إسقاطك فيها من جديد. لماذا لم تصبح مثل فلان الذي يملك كذا وكذا؟ لماذا سبقك صديقك وقد كنتَ أكثرَ منه نباهةً وعلمًا؟ لماذا تأخرتَ عن اللحاق بموكب الأثرياء؟ فإن نجونا من تلك المقارنة مع الآخرين، لم ننجُ من مقارنة واقعنا بأحلامنا؛ فإن بدا أن الهُوَّةَ بينهما عظيمةٌ، جَلدنَا أنفسنا بأيدينا. فكأننا -في الحياة- متهمون دائمًا؛ إن لم يكن من قِبل المجتمع الذي يقيس نجاحنا بنجاح الآخرين، فمن قبل ذواتنا التي تأبى إلا أن نكونَ في المقدمة دومًا.
مع أنه لا يلزم من مجيئك أولًا أن تكونَ أفضلَ ممن جاءَ بعدك، ولكنه المعيارُ الذي غُرِسَ فينا دون أن نشعر. وإذا كان هذا المعيارُ الظالم هو المقياس الوحيد لأحدنا، فطبيعيٌّ أن يخافَ من الحياة؛ فهو ليس مميزًا كما ظنَّ، ولا قويًّا كما تمنى، وليس محظوظًا بالقدر الملائم لتوقعات الحياة منه. وإذا كانت هذه هي الحياة، فلا بد من أن نخافَ منها، لاسيما إن كان الموتُ -على النحو الآخر- لا يسأل، ولا يتهم، ولا يلوم، ولا يُقارن، ولا ينقد.
لأنها تُطالبنا بصورةٍ مثالية من أنفسنا
فالحياة بالفعل هي مَن تضع المعايير التي نُقاس عليها، ومن ثَمَّ الأعمدةَ التي يتحتم علينا أن نؤسس عليها توجهاتنا وميولاتنا ورغباتنا وأهدافنا. عندما يُضبط مؤشر الحرارة في المخ على درجة حرارة 40 مثلًا، فسوف يتعامل جسمك مع درجة الحرارة 39 على أنها درجة منخفضة، وسوف تشعر بالبرودة وأنت تتصببُ عرقًا.
سوف تصطكُّ أسنانك وترتعدُ فرائصُك من البرودة وأنت متدثرٌ بالمعاطف الثقيلة. وليس ذلك لأن الدرجة 39 باردة، بل على العكس؛ فأنت في هذه الحالة أكثر حرارة من كل من حولك، ولكن لأن المشكلةَ في المؤشر. ولن يزولَ عنك هذا الشعور حتى يصلَ جسمك إلى درجة الأربعين.
وهذا هو ما تصنعه الحياة معنا «ونحن مَن نفعله بأنفسنا في الواقع»؛ إذ تضبط النجاحَ على مؤشرٍ مرتفع جدًا، فيلزم منه أن كل نجاح تحته لا يُعد نجاحًا، بل هو درجة من الفشل. فلا بد، حتى توصف بالثراء مثلًا، أن يكون دخلك أعلى من راتب لاعب الكرة الفلاني، الذي يُقدَّر بملايين الدولارات. المشكلة أن الحياةَ تجعل الاستثناء هو القاعدة، والطفرات هي قانونَ الخلق.
فإذا كان الأمر كذلك، كان طبيعيًّا جدًا أن نخافَ الحياة؛ ليس فقط لأن الفشلَ فيها مرئيٌّ يطلع عليه الناس، ولكن لأنها تجعلُ من كل ما عدا الدرجة القصوى من النجاح فشلًا. فتأبى علينا إلا أن نعيشَ بنسخةٍ منقوصةٍ من ذواتنا؛ نسخةٍ لا يُمكن أن تكتملَ أبدًا إلا أن يُصبحَ الشخص المصاب بالحمى هو الشخص الطبيعي، ومَن عداه أشخاص مرضى غير أسوياء. وعلى النحو الآخر، فإن كان الموتُ يبدو فشلًا، فهو فشلٌ متوارٍ في صفائح الأرض، لا تصل إليه ألسنةُ اللوم، ولا تقدحُ فيه أسنة المقارنة.
فيصبح الموتُ -من خلال هذه النظرة المنتكسة- أكثرَ أمنًا من الحياة؛ لأنه يقطعُ تلك الألسنة، ويخمد تلك الحربَ الضروس التي تضرمها الحياة في نفوسنا.
لأن الحياة لا تحمل ضمانًا ولا تُعطي صكوكًا للنجاح
فمهما اجتهدنا وبذلنا غاية الطاقة، فسوف يظلُّ احتمالٌ قائمٌ للفشل. ولن يعذرنا أننا أخطأنا الطريق؛ فالنتيجة وحدها هي الحَكَم. وعندما نصل إلى لافتةٍ مكتوبٍ عليها: نقطة النهاية، لا يَبعد أن ننظرَ وراءَنا لنكتشفَ أنَّ المتسابقين جميعًا يركضون في مضمارٍ آخر. ولا جرم أن يتعرضَ كل الأشخاص الذين يفكرون بهذه العقلية -عقلية «أنا أكسب وأنت تخسر»- لهذا الشعور بالحسرة والندامة. وعندها فقد «سُقِطَ في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا».
إن الأشدَّ مرارةً من الفشل أن تفشلَ دونَ سببٍ مفهوم، وأقسى ألمًا من المحاولة أن تقتلَ نفسَك في المحاولات الخاطئة، وأشدُّ من ذلك كله أن تفعلَ كل شيء بالطريقة الصحيحة، ومع ذلك أيضًا لا تحصل على ما تريد.
فالحياةُ مغامرة شاقة أو لا شيء على الإطلاق، كما قالت هيلين كيلر. فإما أن تعيشَ أو أن تُحاسَب على كونك لم تعش. أن تقررَ النجاح، وإلا فقد قررتَ الفشل. فكأن الحياةَ تقول لنا بلسان الحال: «ما زال لديك الكثيرُ من الوقت، وبالتالي فما زلت مطالبًا بالاختيار، ومع ذلك فلست واثقًا من صحة اختياراتك، ولكن لا بد أيضًا أن تحتملَ عواقبَها».
في حين يقول الموت: «حسنًا، لقد انتهى كل شيء، فلترقدْ في سلام». الموتُ هو الآخر لا يحمل ضماناتٍ، ولكنه يضمن لنا بكل تأكيد أننا لن نفشل؛ لأنه يضمن لنا أننا لن نحاول. الموت محايد تمامًا.
لأن الحياةَ تعني أن نؤثرَ فيها ونتأثر بها
فكما أن حياةَ الآخرين تؤثر في حياتنا، فكذلك حياتنا تؤثر في الآخرين. فهي قطارٌ يحمل بلايين البشر، ولكل واحد منهم محطة لا بد أن ينزلَ فيها. ولكنه قبل أن ينزلَ لم يكن مقعدًا فارغًا، بل كان إنسانًا من لحم ودم ومشاعر؛ فلا يتفق أن يرحلَ إلا وقد خلَّفَ وراءَه إساءةً، أو جرحًا، أو ذكرى مؤلمة، أو ندمًا، أو ظلمًا أنزلَه ببعض المرافقين له في سفره. فإن تسنَّ له ألا يفعل -وهذا بعيد جدًا- فمن المستحيل ألا يتعرضَ هو نفسه لمثل ذلك من الآخرين.
فإن هو لم يكن ظالمًا فلا بد أن يكون مظلومًا، وإن لم يكن مسيئًا فلا بد أن يُساءَ إليه. وهذه هي سنة الحياة الدنيا؛ أن يُفتَن البعضُ بالبعض الآخر، كما قال تعالى: «وكذلك فتنا بعضهم ببعض». فالمؤمن يُفتن بالكافر، والضعيف يُفتن بالقوي، والفقير بالغني، والعاجز بالقادر، وهكذا. أما الموتُ فلن يكون فاتنًا ولا مفتونًا؛ هو محايد أيضًا في هذه النقطة. فلم نسمع أن مجموعةً من الموتى في أجداثهم يتشاجرون، ولا أن ميتًا قويًّا قد اغتصب حق ميت ضعيف؛ وهذا ما لا يكون غيره في الحياة.
لأن الحياةَ تعني الخسارة وقليلًا من المكسب
فلن نربح في كل الجولات؛ فكل محاولة ناجحة وراءَها الكثيرُ من المحاولات الفاشلة. ولسنا ندفع الثمنَ دفعةً واحدة. فحين نفشل يتعين علينا أن نستأنف العمل، وحين نخسر يتوجب أن نحاول المكسب. وحين نتوقف للتأمل في سبب الخسارة، لا يمهلنا الزمان، بل يركض سريعًا لنكتشف أن لحظات التوقف لم تكن تجديدًا للنشاط، بل كانت عقبةً جديدة تلقيها الحياة في طريقنا. فالزمنُ فيها ليس محايدًا، وإنما: إن لم تتقدم فإنك تتراجع، وإن لم تنمُ فأنت تتآكل.
ولسنا في منأىً عن التألم مراتٍ لا حصر لها؛ فلا بد من أن تعترضنا في كل سبيل آفة، فإن سلمنا تتابعت آفاتٌ غيرُها. وهكذا؛ فكأن الحياةَ تُطالبك دومًا بدفع ثمنها ما دمت حيًّا، على دفعاتٍ طويلة الأجل، بل لا تنتهي أصلًا إلا بالموت. فمن خيبة أمل إلى بارقةٍ يسيرة من الأمل، وربما إلى خيبةٍ أكبرَ منها، لا غرو أن تنهار قوانا.
النتائج المترتبة على الخوف من الحياة
عندما نصل إلى هذه الدرجة من الخوف، فإننا نُعيق أنفسنا عن التقدم. سوف ننسحب من الحياة بدلًا من أن نعيشها. سوف نختار الهروب على المواجهة. سوف نتردد طويلًا قبل أن نتخذ قرارًا؛ لأن كلفة الاختيار باهظة. ومع ذلك فإن ترك الاختيار أغلى بكثير. سوف نتألم كثيرًا، ولكن هذا الألم لن يكون شفيعًا لنا عند هذه الحياة؛ فهي لا تمتلك مقاعد كافيةً للكُسالى والعجزة. فإما أن نعيشها، وإما أن ندفعَ ثمنَ الانسحاب منها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.