متلازمة الارتياب من الهدوء.. حين يصبح الأمان مرعبًا أكثر من الخوف ج 7

تصف الكاتبة حالة نفسية تُسمى التيقظ المفرط، الأشخاص الذين نشؤوا في بيئات غير آمنة يتبرمج جهازهم العصبي على وضع القتال أو الهروب. وحين ينتقلون فجأة إلى بيئة آمنة وهادئة، يُصاب العقل بحالة إنذار كاذب؛ لأن الهدوء لهم هو المجهول، في حين الفوضى هي المألوف الذي يعرفون كيف يتعاملون معه. هذا الارتباك ليس جحودًا للنعم، بل هو صدمة التعافي الأولى.

يُعد الانتقال من بيئة أسرية مضطربة إلى حياة زوجية مستقرة تحديًا نفسيًّا كبيرًا، وهو ما يُعرف في علم النفس (Psychology) بظاهرة «عدم الألفة مع الأمان».

يتناول هذا النص السردي العميق تجربة شخصية لزوجة شابة تواجه الصدمة النفسية (Psychological Trauma) الناتجة عن سنوات من التعنيف، وكيف يتحول الهدوء في منزلها الجديد إلى مصدر للقلق بدلًا من الراحة. إنها رحلة استكشاف الذات ومحاولة الطفل الداخلي لفهم معاني السكينة التي حُرم منها طويلًا.

صدمة الهدوء: حين يكون الصمت فخًّا

مرَّت الأيام، ووجدتُ نفسي وحيدة في منزل هادئ لم أعتد عليه، كان الصمت فيه كثيفًا، ومختلفًا، وكأنه لا يشبه البيوت التي عرفتها من قبل، فلم يكن ذلك الهدوء مريحًا كما يُفترض به أن يكون، بل كان مُرْبِكًا، يجعلني ألتفت إلى نفسي أكثر مما أحتمل. كنتُ في التاسعة عشرة من عمري، لا أزال طفلة في داخلي، خرجتُ توي من بيتٍ علَّمني الخوف أكثر مما علَّمني الأمان.

ذلك البيت الذي جئتُ منه لم يكن هادئًا؛ كان ممتلئًا بالقسوة، وبالضرب، وبالإهانات، وبشعور دائم بأن عليَّ أن أكون متيقظة كي أنجو. لذلك، حين وجدتُ نفسي فجأة في مكان لا يصرخ فيه أحد، ولا تُرفع فيه الأيدي، شعرتُ أنني في المكان الخطأ، كأن جسدي لم يتعلَّم بعد كيف يثق بالسكينة، وكأن الراحة شيئًا لا يخصني.

إيقاظ جرح التخلي القديم

كنتُ حديثة الزواج، وما زلتُ أحاول فهم هذا الانتقال الكبير في حياتي، حين سافر زوجي بعد أقل من شهر. حدث الأمر بسرعة، أسرع من قدرتي على الاستيعاب، فجلستُ وحدي في ذلك المنزل، وبقيتُ أراقب الفراغ من حولي، وأتذكر كيف كنتُ أبكي أمام صورته، لا كبكاء امرأة ناضجة، بل كبكاء طفلة شعرت فجأة بأنها تُركت وحدها، من دون سند واضح.

جلستُ وحدي في ذلك المنزل، وبقيتُ أراقب الفراغ من حولي

لماذا نبكي ونحن في أمان؟

لم يكن بكائي لأنني تعرَّضت للأذى منه، بل لأن الغياب أيقظ في داخلي خوفًا قديمًا، خوف الطفلة التي لم تعرف يومًا شعور الحماية الكاملة. بكيتُ لأنني كنت أبحث، دون وعي، عن صورة الأمان التي افتقدتها طويلًا، وكنتُ، على الرغم من كل شيء، على يقين داخلي بأنه سيعود، لأن هذا اليقين كان الطريقة الوحيدة التي استطعتُ بها تهدئة ذلك الخوف العميق من التخلي.

مفارقة الناجي: استكثرتُ على نفسي السلام

المفارقة أنني كنتُ، في الوقت نفسه، أدرك أن هذه الحياة الجديدة أبعدُ عن الظلم الذي عرفته، وأبعدُ عن القسوة التي تربَّيت في ظلها.  فلم يكن يوجد ضرب، ولا إهانات، ولا توتر دائم، ومع ذلك، استكثرتُ على نفسي هذا الهدوء؛ شعرتُ وكأنني دخلتُ مساحة لم أتدرَّب على العيش فيها، فالأمان كان غريبًا، والاطمئنان كان شعورًا غير مألوف، حتى إنني شككتُ في استحقاقي لهما.

كنتُ أعيش تناقضًا صامتًا:

راحة لا أعرف كيف أحتضنها، ووحدة لا أعرف كيف أفسِّرها.
خروج من بيت مؤلم، ودخول إلى مساحة لا تزال بلا ملامح واضحة.

المسافة النفسية: حاجز الحماية

كنتُ أشعر بأن مسافة تفصلني عن زوجي، على الرغم من المحبة ورغم غياب الأذى، مسافة غير مرئية، لا سبب لها في الحاضر، لكنها متجذِّرة في الماضي، مسافة صنعتها سنوات الخوف، وجعلتني أقف دائمًا خطوة إلى الخلف، حتى في أكثر اللحظات التي يُفترض أن تكون آمنة.

ذلك الهدوء لم يكن نعمة كاملة، ولا عبئًا خالصًا؛ كان مرحلة انتقالية، ومواجهة غير متوقعة مع نفسي. كنتُ أحاول، بوعي طفلة خرجت من بيتٍ قاسٍ، أن أفهم كيف تكون الحياة حين لا يكون الألم هو القاعدة. كنتُ أتعلم ببطء، وأتعثََّر كثيرًا، لكنني كنتُ، دون أن أدري، أضع أولى خطواتي بعيدًا عن العنف، وقريبًا من ذاتي.

كنتُ أشعر بأن مسافة تفصلني عن زوجي، على الرغم من المحبة

إعادة برمجة الجهاز العصبي

التفسير النفسي: إذا واجهت هذه الحالة فأنتِ تمرين بما يسمى (إزالة السموم العاطفية) (Emotional Detox). بعد سنوات من الأدرينالين العالي بسبب الخوف، يحتاج جسدك وقتًا ليدرك أن الهدوء لا يعني الخطر القادم.

نصيحة: لا تجبري نفسك على الاستمتاع بالهدوء فورًا. اعترفي بغربتك فيه. قولي لنفسك: «أنا آمنة الآن، وهذا الشعور غريب عليّ، لكنه حقي». التعود على الأمان مهارة تُكتسب ببطء مثل المشي.

في سياق تحليل الحالة النفسية الواردة في النص، تشير الدراسات إلى أن الناجين من بيئات عنيفة يواجهون صعوبة في التكيف مع البيئات الآمنة:

  • صدمة الأمان: أشارت دراسة منشورة في موقع Psychology Today إلى أن الجهاز العصبي للناجين من الصدمات قد يفسر الهدوء على أنه "تهديد" لأنه اعتاد على حالة التأهب القصوى، مما يفسر شعور الكاتبة بالارتباك في الهدوء.
  • تأثير العنف الأسري: وفقًا لـمنظمة الصحة العالمية (WHO)، فإن الآثار النفسية للعنف قد تمتد سنوات، وتؤثر في قدرة الفرد على بناء علاقات آمنة ومستقرة في المستقبل.

تُظهر هذه القصة بوضوح أن الشفاء من الصدمة ليس حدثًا لحظيًا، بل هو رحلة طويلة من إعادة اكتشاف الذات وقبول استحقاق الحياة الكريمة. إن الشعور بالغربة داخل الأمان هو رد فعل طبيعي لمن عاشوا سنوات في ظل الخوف. تذكر دائمًا أنك تستحق الهدوء، وأن القلق الذي تشعر به هو صدى للماضي سيتلاشى مع الوقت والوعي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة