الخوف وعلم النفس أنواعه وأسبابه وعلاجه من منظور فلسفي

ما معنى الخوف؟ ولماذا يخاف الإنسان؟ وما أنواع الخوف؟ وكيف يتعالج الإنسان من الخوف غير الطبيعي؟ وهل الخوف غريزة إنسانية فقط؟ الخوف ليس شعورًا لحظيًّا أو حالة انفعالية عابرة، لكنه ظاهرة معقدة تتداخل فيها الغرائز مع التجربة، وتُسهم في تكوين وعي الإنسان وتفاعله مع العالم، من الإنسان البدائي الذي احتمى بالكهوف، إلى الإنسان المعاصر الذي يحتمي بأنظمة الأمن المعقدة، ظل الخوف حاضرًا في الحياة البشرية دائمًا.

في هذا المقال، نتناول مفهوم الخوف من زواياه النفسية والفلسفية، ونستعرض أنواعه، وأسبابه، وسبل علاجه، لنفهم كيف يتحول من حارس للبقاء إلى سجن داخلي.

كل هذه التساؤلات تُعدّ محاولة لفهم جوهر الخوف، وفيما يأتي محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات من زاوية فلسفية نفسية؛ لأن الخوف ليس فكرة، بل هو حالة وسلوك إنساني تجاه موقف ما.

أولًا: الخوف الوجودي لدى الإنسان البدائي والمعاصر

من العصور البدائية القديمة كان الخوف أنيس الإنسان، فلم يكن يعلم بعد أسباب التغيرات المناخية والكوارث الطبيعية كالزلازل والأمطار والبراكين، وكان يواجه الحيوانات المفترسة في أثناء تأمين لقمة عيشه الروتينية القائمة على الصيد.

هذا ما جعله يبحث عن مأوى، فشقّ الكهوف، وجعله يعيش في جماعات ليقلل من شعوره بالخوف، وكذلك الإنسان المعاصر؛ فبالنسبة إليه أصبح الخوف هو الجني الذي يصادفه في كل مكان، بسبب انتشار الحروب وما ينتج عنها من دمار وقتل وسرقة، وهتك أعراض.

أصبح يخاف على وجوده، مُلبِّيًا نداء غريزة البقاء، فأخذ يُطبّق شروط الصحة والسلامة المهنية، ويؤمّن المنشآت بأعلى المستويات، سواء بالعناصر البشرية أم بالأجهزة الإلكترونية.

كل ذلك لماذا؟ بسبب الخوف بمعناه الشامل، الخوف على النفس من الأذى، وعلى الممتلكات من السرقة، وعلى الأبناء من الاختطاف.

المعنى الشامل للخوف

ثانيًا: معنى الخوف بين الفلسفة وعلم النفس

حتى تتعرف إلى مخاوفك فإليك معاني الخوف:

معنى الخوف فلسفيًّا

نجد التعريفات نسبية، تختلف من فيلسوف إلى آخر، فهذا سقراط يتحدث عن الخوف ويقول: «الخوف يجعل الناس أكثر حذرًا، أكثر طاعة، وأكثر عبودية».

ومن زاوية أخرى، يحدثنا أرسطو طاليس عن الخوف بقوله: «الخوف هو الألم الناتج عن توقّع الشر».

ومن وجهة نظرنا، نرى أن الخوف حالة متشابكة ومعقّدة تؤدي إلى ردود أفعال ناتجة عن استشعار خطر قريب أو توقعه.

معنى الخوف نفسيًا

نجد عاِلم النفس النمساوي سيجموند فرويد يربط الخوف بخطر يهدد الإنسان، ويعزوه إلى صراع داخلي نتيجة الغرائز المكبوتة في اللاوعي.

الخوف عند فرويد

ولا نعجب من تعريفه هذا؛ لأن فرويد يبني كل آرائه على نظرية الغرائز، ويفسر الإنسان ودوافعه من زاوية الجنس فقط، وهي فرضيات قد تكون صائبة أو خاطئة، وليست مسلّمات، فالإنسان أكبر وأعقد من أن نُفسّر دوافعه وسلوكه بنظرة أحادية.

فالإنسان كائن اجتماعي، يتأثر ويؤثر في المحيط الذي يعيش فيه، ثم إن تاريخه الشخصي يؤدي دورًا مهمًّا في فهم سلوكه.

ونجد أيضًا عالم النفس والفيلسوف إيريك فروم يحدثنا عن الخوف، لكن من زاوية ارتباطه بالحرية.

فيرى أن الإنسان اعتاد ثقافة الانصياع والتبعية، وعندما تُتاح له الفرصة للتحرر يبدأ الخوف؛ لأنه يرتبط بالمسؤولية، فيُصبح مسؤولًا عن أفعاله وسلوكه.

ولهذا ربط فروم بين الخوف والحرية.

ثالثًا: أنواع الخوف عند الإنسان

بالنمط الديكارتي نفسه نقول يوجد نوعان من الخوف:

  • الخوف المنهجي: وهو الخوف السويّ الطبيعي الذي يهدف إلى تحقيق هدف ما، ويؤدي دورًا تحفيزيًّا مشجعًا على بذل الأفضل في أثناء أداء المهام.
  • الخوف المذهبي (إن جاز التعبير): ونقصد به الخوف المرضي غير الطبيعي، كأن يخاف شخص من أشياء مألوفة، مثل الخوف من القطط، رغم أنها رمز للوداعة والبراءة عند كثيرين.

في هذا السياق، يصبح الخوف كما لو كان مذهبًا لا إراديًّا.

رابعًا: كيف يتعالج الإنسان من الخوف غير الطبيعي؟

نقول الخوف غير الطبيعي؛ لأن الإنسان لا يستطيع التخلص من الخوف تمامًا، فهو غريزة دفينة فيه، لكن يمكن التخفيف منه أو التحكم به بإحدى الوصفتين:

الوصفة الفلسفية لعلاج الخوف

من وجهة نظر الفيلسوف اليوناني أفلاطون، الذي قال: «المعرفة هي ترياق الخوف».

فمن وجهة نظرنا، الإنسان يخاف مما يجهله وينفر منه.

وفي الموروث الشعبي يُقال: (اللي نعرفه أحسن من اللي منعرفوش).

وأعتقد أن أفلاطون كان يقصد كسر حاجز الخوف بالشجاعة في معرفة ما نجهل.

الوصفة النفسية لعلاج الخوف

وتتمثل في العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، بتغيير أنماط التفكير السلبية لدى الشخص المصاب بالخوف المرضي إلى أنماط إيجابية، ويكون ذلك تحت إشراف مختصين نفسيين.

خامسًا: هل الخوف غريزة إنسانية فقط؟

بالطبع لا، فالحيوانات والحشرات أيضًا تخاف، سواء بفطرة غريزية أحيانًا أم باكتساب التجربة، فالخوف الفطري يظهر في ردود أفعالها تجاه الحيوانات المفترسة أو الحركات المفاجئة أو الأصوات العالية، أما الخوف المكتسب فقد يظهر نتيجة مراقبة الحيوانات لبعضها البعض، فتتعلم من ردود أفعال الآخرين ضمن مجموعتها.

نرجو أن نكون قد قدّمنا إجابات وافية للتساؤلات المطروحة عن الخوف، ونختم بمقولة طريفة للفيلسوف اليوناني سقراط عن الخوف والقلق: «تخاف المرأة على المستقبل حتى تجد زوجها، ولا يخاف الرجل على المستقبل حتى يجد زوجته، حينها يبدأ بالقلق».

ختامًا، الخوف هو مرآة داخلية تظهر وعينا بالعالم وحدودنا فيه، هو في آنٍ واحد درع وقيود، يحفظنا أحيانًا، ويقيّد حركتنا أحيانًا أخرى. لا يمكن القضاء عليه، لكنه قابل للفهم والتحكم. بين الفلسفة التي تبحث عن جذوره، وعلم النفس الذي يدرس تمظهراته، تبقى معرفة الخوف أول خطوة نحو تجاوزه، ولا عجب أن الفلاسفة قالوا إن من يواجه الخوف بصدق، يكون قد بدأ أول دروس الحكمة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.