ظاهرة في اللغة العربية تميزها عن أي لغة من لغات العالم، وهي أنها اللغة التي تحتم وتفرض الالتزام بقوانين الموسيقى أو «الصوت»، هي السر الكامن فيما هو معروف في علم النحو من الإعراب والبناء، وليس أدل على ذلك من التكريس على حركة أواخر الكلمات، وتغير هذه الحركات، بتغير العوامل من رفع ونصب وجر ثم جزم، لا يقع إلا بحكم هو الآخر من أحكام قوانين هذه الموسيقى.
ولذلك فليس مما يُعدّ كثيرًا أن نذهب إلى أن دراسة النحو قد تسهل على الذين يستوعبونها، ويستصعبون منعطفاتها الكثيرة، إذا ما استطعنا أن نُعنى باسجتلاء العلاقة بينها وبين علم الأنغام. وللأنغام في الموسيقى الشرقية -كما في الموسيقى الغربية- علمٌ ينقل من يعرفونه ويتمكنون منه من المتحدثين، ولكن قلة العلم به أو انحسار عدد العلماء فيه لا تعني عدم وجوده.
العلاقة بين علم الأنغام وقواعد اللغة العربية
وليس لنا أن ندَّعي الإلمام، فضلًا على الإيغال في علم الأنغام، ليتاح لنا تقديم الشواهد على هذه العلاقة بين قواعد اللغة العربية وبين قوانين الموسيقى، ولكن يكفينا للإمساك بطرف رفيع للخيط في هذه النظرة، أن نتأمل ما نراه في كتاب الأغاني حين يقول معقِّبًا على مقطوعة من الشعر غناها الغريض مثلًا: «الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى».
وهو هنا يعني مواقع الأنامل من أوتار العود، ما يبدو أنه كان يكفي للتعريف باللحن أو بالصوت الذي غُنّيت أو تُغنّى به المقطوعة من الشعر أن يقول: «ثاني ثقيل بالوسطى» أو «الغناء لفلان ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالخنصر في مجرى البنصر» أو يقول: «وفيه غناء آخر لمعبد، ثقيل أول بالوسطى، وذُكر حَبْس أن فيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى»… إلى آخر هذه التعقيبات المختصرة التي ما يزال يتعذر أن نفهمها اليوم، ولكن ليس مما يُستبعد أن تُفهم إذا توفَّر على دراستها أعلام العلماء بعلم الأنغام.
على أن أكبر وأقوى ما يدل على علاقة اللغة العربية -وبالتالي عروض شعرها- بعلم الأنغام، أو «بعلم الصوت» كما كان يُسمّى، ما نجده عن أن الخليل بن أحمد -وهو واضع علم العروض- قد تأتى له وضع هذا العلم حين كان يمرُّ بالصفّارين فيسمع وقع مطرقة على طست، وكان يردد بيتًا من الشعر، فإذا هو يجد تواؤمًا بين ما يسمع، وبين موسيقى البيت الذي يردده، فانطلق من هذه الملاحظة العبقرية إلى تقطيع الشعر تقطيعًا انتهى به إلى وضع البحور، وما تشتمل عليه من تفعيلات.

وليس بيدنا ما نعرف به كيف تأتّى للخليل بن أحمد أن يعرف النغم والإيقاع، إذ القائم في أذهان الكثرة من المثقفين أن هذا العلم قد أخذه العرب عن الفرس، وحجتهم أن أسماء الأنغام كما تعرفها العصور المتأخرة أسماء فارسية مثل: «البنج كاه» وتعني الأصوات الخمسة، و«السي كاه» وتعني عددًا من الأصوات لعله ستة، و«الجهار كاه» وتعني الأصوات الأربعة… إلى آخر ما هو معروف من الأنغام.
ولكن لا شك إطلاقًا في أن الخليل بن أحمد لو كان قد أخذ من الفارسية هذا العلم الدقيق بالأنغام، ما طوَّع له اختراع بحور العروض، لما كان ليتردد في أن يذكر ذلك، وأن يستعمل الأسماء الفارسية التي يستعملها المتأخرون؛ لأن الرجل عالم، بل من أكبر الأعلام، وهو أشهر من عُرفوا بالزهد والصلاح والتقوى في زمنه، ولم يكن مما يعيب علمه أن يُسند معرفته بالأنغام إلى الفارسية أو إلى غيرها من اللغات، أو إلى غير الفرس من الأمم.
وهذا يجعلنا على طرف خيط آخر قد ينتهي بنا -لو وُجد من يتفرغ للبحث وتقصي المصادر التي ما تزال مهملة أو مجهولة- إلى أن علم الأنغام عربيّ الأصل، وأن الفرس هم الذين أخذوه عن العرب، وأن كلمة «كاه» الفارسية، إذ تعني «الصوت» بالعربية، لم تكن أصلًا في الفارسية، وإنما هي نُقلت إليها من العربية، ولدينا الحجة القائمة التي لا سبيل إلى دحضها، وهي هذه العلاقة الوثيقة بين قوانين الموسيقى وقواعد اللغة العربية.
الفراهيدي واضع علم العروض
والخليل بن أحمد معروف بأنه الذي وضع علم العروض، وقد طارت شهرته بهذا العلم إلى حد غمر فضله على اللغة العربية، وأستاذيته على نحو ما كان لسيبويه وغيره من فقهاء النحو واللغة، حتى لنسمع اسم سيبويه يتكرر على الألسنة والأقلام كلما ذُكر النحو والصرف أو اللغة عمومًا.
ولا نسمع اسم الخليل بن أحمد إلا عندما يُذكر علم العروض، مع أن الرجل هو -فيما نعلم- أول من وضع معجمًا دوَّن فيه اللغة، ورتب ألفاظها على مخارج حروف الهجاء. وليس من شك في أن ما جنى على حقه في الاشتهار بعلمه في اللغة، أن كتاب «العين» وهو المعجم الذي وضعه ودوَّن فيه اللغة، ظلّ وما يزال -فيما نعلم- حتى اليوم يهيم في متاهة الجهل والإهمال، وتقاعُس المعنيين بالتراث عن طبع مخطوطاته القابعة في مكاتب الغرب.

والخليل بن أحمد، مع غلبة نسبة «البصري» عليه، وُلِد -على الأرجح- في عُمان، ولكن يبدو أنه غادرها صغيرًا فنشأ في البصرة. وعلى جاري العادة في اختلاف المؤرخين حول مولد من يُترجمون له، فإن ثمة اختلافًا على تاريخ مولده، وقد يحسن أن نطمئن إلى من رجّح أنه وُلِد في العام المتم مئة من الهجرة في خلافة الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز، فإذا وجدنا من يذكر أنه توفي سنة خمس وسبعين ومئة -وعلى خلاف في ذلك أيضًا- فإننا نرى أنه شهد نهاية الدولة الأموية وعمره ثلاثون عامًا، واستقبل الدولة العباسية وهو في عنفوان الشباب.
وإذا علمنا أنه تتلمذ على أبي عمرو بن العلاء، وهو ذلك العَلَم الفرد من أعلام القراءة والعربية، فإننا نرى أن أبواب الخلفاء من بني العباس كانت أجدر بألا تُغلق في وجهه، بل كانت صدور مجالسهم خليقة بأن ترحب به. ولا شك في أن هؤلاء الخلفاء قد بذلوا شيئًا من الجهد لاستمالته إليهم، كما ظلوا يستميلون الفحول من الشعراء، والأعلام من الفقهاء، والأكابر من رجال العلم، إلى جانب أساطين الموسيقى، ممن حفلت بسيرهم وأخبارهم كتب التراث.
ولكن الخليل بن أحمد لم يكن الرجل الذي يلهث وراء الدنيا، بل لم يكن الرجل الذي يكتسب بما وهبه الله من القدرة على الابتكار والاختراع، إلى جانب العلم الوثيق والنادر بأسرار اللغة العربية ومجاهلها، ومكامن الحسن، وسمات الجمال في بناء ألفاظها، وروعة الظلال في معانيها.
مقتطفات من شعر الفراهيدي وصفاته
يُروى أن سليمان بن علي -وكان واليًا على البصرة- أرسل إليه لتأديب أولاده لقاء قدر من المال يُجريه عليه كل شهر، فلم يكن من الخليل بن أحمد إلا أن أخرج للرسول خبزًا يابسًا، وهو يقول: «قل لصاحبك ما دام هذا عندي فلا حاجة لي فيه»، ثم كتب شعرًا يقول فيه:
أبلغ سليمان أني عنه في سَعَةٍ *** وفي غِنًى غير أني لستُ ذا مالِ
شحًّا بنفسي أني لا أرى أحدًا *** يموت هزلًا ولا يبقى على حالِ
والفقر في النفس، لا في المال تعرفه *** ومثل ذاك، الغنى في النفس لا المالِ
فالرزق عن قدرٍ لا العجز ينقصه *** ولا يزيدك فيه حول محتالِ
ويُذكر عن النضر بن شُميت أنه قال: «أكلتُ الدنيا بعلم الخليل، وهو في خُصّ لا يشعر به أحد».
ويُروى عن سفيان الثوري أنه قال: «من أحب أن ينظر إلى رجل خُلق من الذهب والمسك، فلينظر إلى الخليل بن أحمد»، وهو يشير بذلك إلى صفاء معدنه، وسطوع أريحيته، وشيوع ذكره بالطيبة ونبل الطوية والتقوى.
يُروى عن زهد الخليل بن أحمد الكثير الذي يمكن أن يُضرب به المثل، حتى تواتر من هذه الأخبار أنه ظل مقيمًا في البصرة لا يملك شيئًا، في حين كان تلامذته يكسبون مما يتعلمونه منه الطائل من الأموال، إلى جانب ذيوع الصيت وبعد الشهرة بالعلم.

ذكروا أنه كان يحج سنة بعد سنة، وهو الذي قال: «أربعٌ تُعرف بهنّ الآخرة: الصفح قبل الاستقالة؛ أي قبل أن يتقدم المذنب بطلب الصفح، وتقديم حسن الظن قبل التهمة، والبذل قبل المسألة؛ أي أن تبذل المعروف قبل أن يتقدم إليك المحتاج إليه. ومخرج العذر قبل العتب؛ ويعني أن تلتمس العذر لمن بدرت منه بادرة السوء قبل أن تعتب عليه».
وهو القائل:
وقبلك داوى الطبيبُ المريضَ *** فعاشَ المريضُ وماتَ الطبيبُ
فكن مستعدًّا لداءِ الفناءِ *** فإنّ الذي هو آتٍ… قريبُ
ويُحكى أنه كثيرًا ما كان يُردد بيتًا للأخطل يقول فيه:
وإذا افتقرتَ إلى الذخائرِ لم تجدْ *** ذخرًا يكونُ كصالحِ الأعمالِ
والخليل بن أحمد، حين يتصف بهذا الزهد، وحين تتلامح مع هذا الزهد صورة رجل مشغول بالآخرة والتزود لها بالعمل الصالح، يتصف بالذكاء والبحث وراء الشوارد والأعماق من اللغة خاصة، ومن العلوم الأخرى عامة.
فقد ذكروا أن رجلًا كان يصنع دواءً لظُلمة العين، تُوفي، واحتاج الناس إلى علاجه فلم يجدوا سبيلًا إلى صُنعه. وسمع بذلك الخليل بن أحمد، وحين قيل له: إن الرجل لم يترك لهذا الدواء وصفة، أو كما يسمونها «نسخة»، طلب الخليل أن يجيئوه بالآنية التي كان يصنع فيها الرجل ذلك الدواء إن وجدت. فجاؤوه بما طلب، فجعل يشم الإناء ويستخلص منه مكوناته، فَعَرَفَها، وعرف مقدار كل منها في هذا الدواء، حتى صنعه، ثم عثر على الوصفة بين أوراق الرجل، فإذا هي كما حللها الخليل.
وفي القصة -إن صحت، وليس ما يمنع صحتها- دليل على أن الخليل كان شديد الفطنة والذكاء، كما كان واسع العلم بكثير من علوم ذلك العصر.
ولا يذكر المؤرخون شيئًا عن مصادر علمه بالأنغام، سوى مروره بالصفَّارين، وهم الذين يصنعون الآنية من المعادن كالنحاس، والفضة، أو الصُفر، وليس مما يتفق مع هذا العمق الذي نراه في علم العَروض الذي تؤكد كل الدقائق والتفاصيل فيه، أن يكون علم الرجل الذي وضعه مستمدًّا أو معتمدًا على مثل هذا الذي سمعه وهو يمر بالصفَّارين، وعلى لسانه بيتُ شعرٍ يردده، فيتفق تقطيعه مع وقع مطرقة على طَست.
ولذلك فلا بُد لنا من أن نفترض أن الخليل بن أحمد كان على علم واسع بالأنغام وعلاقتها بأوزان الشعر، وكان وقع المطرقة على الطست باعث فكرة التقطيع، وعلى هذا التبويب والتنويع والحصر بالنسبة لبحور الشعر وأوزانه.
وكما نشأ الخليل في البصرة، وعاش فيها على الخبز اليابس، فقد توفي فيها، وليس في سيرته وأخباره ما يدل على أنه عاد إلى عُمان مسقط رأسه، وإن كان نسبه ينتهي إلى فرهود بن مالك - إلى الأزد بن الغوث، من أزد عُمان.
وكما اختلف المؤرخون في تاريخ مولده، فقد اختلفوا كثيرًا في تاريخ وفاته، ولكن الكثرة منهم تميل إلى أنه توفي عام السبعين بعد المئة للهجرة. ولم يمت بسبب مرض أصيب به، وإنما لأنه اصطدم بسارية في المسجد، زعموا أن السبب في اصطدامه بها، هو أنه كان مشغول الذهن، بما كان يقوله عن محاولته تقريب نوع من الحساب، تمضي به الجارية إلى البائع، فلا يستطيع أن يظلمها.
وبصرف النظر عن الشك في صحة الخبر أو قبوله، فإن في الخبر دلالة على انشغاله الدائم بالغوص وراء العويص من قضايا العلم على اختلاف فروعه في ذلك الزمان.
قد يُقال: وما حاجة اللغة العربية إلى «كتاب العين» للخليل بن أحمد، وقد تيسّرت طباعة المعاجم المختلفة وتنوعت؟ ولكن ينسى من يقول ذلك أن مجد العربية يتألق ويشمخ بأنها لغة القرآن أولًا، وبأنها اللغة التي تكاملت واستطاعت أن تصمد للتعبير عن جميع قضايا الفكر والفن، وعن جميع المعاني والصور التي طافت في أخيلة الشعراء طيلة أربعة عشر قرنًا من الزمان.
وتيسّر وجود معجم الخليل بن أحمد في المكتبة العربية الحديثة، في القرن الرابع عشر الهجري، كأن تُوجَد في المكتبة جوهرة أصيلة لا يخبو لها بريق وتلألؤ، على كثرة ما يتراصف معها من جواهر ودرر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.