يُعد الخليل بن أحمد الفراهيدي أحد أعظم علماء اللغة العربية في العصر العباسي، وترك بصمة واضحة في الدراسات اللغوية والبلاغية من خلال ابتكاره علومًا جديدة وتنظيمه للغة بطريقة علمية دقيقة. فقد برع في دراسة العروض والشعر العربي، ووضع الأساس للمعاجم العربية، ومن أبرز أعماله معجم العين الذي اتسم بمنهجية مبتكرة اعتمدت على مخارج الحروف.
ويأتي الحديث عن نظرية الذكاءات المتعددة التي جسدها الخليل قبل أن يكتشفها علماء النفس بقرون طويلة، لتعزيز فهمنا لقدرات الإنسان المتنوعة وكيفية تطوير مهاراته في التعلم والعمل، وإثبات عبقرية الفراهيدي في زمنه رغم قلة تدوينه.
من الخليل بن أحمد الفراهيدي؟
الخليل بن أحمد الفراهيدي هو عالم لغوي عربي بارز وُلد عام 100 هـ في الحيرة بالعراق وتوفي عام 100 وقيل 175 هـ، ويُعد من أعظم علماء اللغة العربية في العصر العباسي. اشتهر بابتكاره علم العروض الذي درس فيه بحور الشعر العربي وقوافيه، كما وضع أول معجم لغوي عربي وهو "كتاب العين"، الذي جمع فيه مفردات اللغة العربية بطريقة منظمة تعتمد على مخارج الحروف. إلى جانب ذلك، ساهم في وضع قواعد الصرف والنحو بشكل منهجي، ما جعل منه رائد الدراسات اللغوية والبلاغية في العالم العربي، وأسهمت أعماله في توثيق اللغة العربية وحفظها للأجيال القادمة.
الخليل بن أحمد الفراهيدي ونظرية الذكاءات المتعددة
قبل أن يكتشف علماء النفس مفهوم الذكاءات المتعددة بقرون، جسَّد الخليل بن أحمد الفراهيدي هذا المفهوم في حياته وأعماله؛ فبذكائه اللغوي أسس علم العَروض وابتكر معجم العين، وبذكائه الموسيقي التقط إيقاعات اللغة العربية، وبذكائه المنطقي وضع منهجًا رياضيًا في الاشتقاق والتقليب، الأمر الذي يجعله واحدًا من أندر العقول التي سبقت عصرها، ومرآة حقيقية لعبقرية الذكاء العربي.
ولعل خير شاهد على هذا ما قاله عنه ابن المقفع في لقائه معه، عندما قال إنه رجل «عقله أكبر من علمه»، مشيرًا إلى فرادة ذكائه وتميزه الذي سنتتبعه في هذا المقال.
وقد ذهب المحللون كل مذهب في فهم هذه العبارة، ومع ذلك فقد رأوا أن الخليل بن أحمد الفراهيدي كان عقلًا فذًا في عصره، ولكنه كان مقصرًا في تدوين علمه.
وطبعًا ما كان ليخطر في بالهم أن الرجل كان متعدد المواهب، متعدد الذكاءات، الأمر الذي بوسعنا اليوم أن نفهم به آثار الخليل وفرادته وعبقريته؛ لأننا صرنا نعرف ما يسمى بنظرية الذكاءات المتعددة (Theory of multiple intelligences). وهي نظرية وضعها عالم النفس الأمريكي «هوارد غاردنر – H. Gardner» في ثمانينيات القرن الماضي، وافترض فيها وجود أشكال مختلفة من الذكاء لدى كل إنسان، وبذلك قطع مع تصورات قديمة كانت تختزل الذكاء البشري في مؤشرين وحيدين هما: التواصل اللغوي والتفكير المنطقي. وهما المؤشران المعتمدان قديمًا في قياس الذكاء.
بينما يرى «غاردنر» أن كل إنسان يمتلك مزيجًا من الذكاءات المتعددة بدرجات متفاوتة، كالذكاء اللغوي والذكاء العاطفي والذكاء المنطقي والذكاء الموسيقي وغيرها. لذا لا يوجد ذكاء واحد فقط، كما هو الحال في اختبارات الذكاء (IQ) التي تستبعد بعض الأشخاص وتعتبرهم أقل ذكاء.
وفي مثال الحال، يبدو أن الخليل بن أحمد الفراهيدي كان نموذجًا في عصره لتعدد الذكاءات؛ إذ اجتمع في عقله الذكاء اللغوي اللساني، فقد كان أعجوبة عصره في الإلمام بأسرار اللغة العربية ودقائقها، حتى إنه وضع أول معجم عربي لها. وكذلك الذكاء المنطقي الرياضي، فقد أظهر الرجل قدرة كبيرة على الاستقراء والقياس المنطقي، وفهم علل الظواهر والوقوف على أسبابها، وإدراك العلاقات الرياضية بينها، كما أظهر تميزًا في التصنيف والتبويب والتفريع والتوليد والتجريد، وكلها مبادئ رياضية عقلية. يُضاف إلى ذلك ذكاؤه الموسيقي الذي جعله ينتبه إلى أجراس الأصوات في اللغة، ويُدرك الإيقاعات والألحان والأوزان والنغمات المضمنة في الشعر العربي القديم.

الفراهيدي: المعلم الأول
ويمكن أن نطلق على الخليل بن أحمد لقب «المعلم الأول»، فهو «أول» لأنه فتح مجالات معرفية لم تكن معهودة قبله، وحاز السبق في أشياء لم يُسبق إليها.
ما العلم الذي برع فيه الخليل بن أحمد الفراهيدي؟
الإجابة تطول، وتتضمن علومًا لا علمًا واحدًا، فالفراهيدي هو:
- أول من وضع معجمًا للعربية.
- وأول من وضع قواعد علم العَروض، واكتشف موازين الشعر العربي القديم، حتى صار الشعر يُعرف بأنه «كلام موزون مقفى..».
- وأول من تنبه إلى الخصائص الصوتية في حروف العربية وحدد مخارجها.
- وأول من تنبه إلى ظاهرة الجذر والاشتقاق في اللغة العربية التي تميزها عن كثير من لغات العالم.
- ووضع دعائم مدرسة البصرة العريقة في النحو واللغة، وقد تتلمذ على يديه كبار أعلامها، منهم سيبويه والأصمعي والمبرد.
- وأول من تكلم في الألحان والنغم والإيقاع، وكان له فضل كبير على إسحاق الموصلي، أشهر الملحنين والمغنين في ذلك العصر.
معجم «العين».. مزيج من الذكاءات المتعددة
يُعد الخليل بن أحمد الفراهيدي رائدًا في مجال التأليف المعجمي بما يعنيه ذلك من جمع للغة وشرح وتفسير واستعمال واستدلال بالشواهد الشعرية والآيات القرآنية.
لماذا سمى الخليل معجمه بالعين؟
سمّى الخليل بن أحمد معجمه الشهير "كتاب العين" بهذا الاسم لأنه أراد أن يكون المعجم مصدر المعرفة الأول والأساسي للغة العربية، كما أن الحرف «العين» في اللغة العربية يُعد من الحروف الأساسية في مخارج الحروف، وهو يبدأ به ترتيب المعجم وفق نظامه المبتكر. فبدل أن يرتّب الكلمات أبجديًا كما نفعل اليوم.

منهج الخليل في معجم العين
اعتمد الخليل على مخارج الحروف أي المكان الذي يخرج منه الحرف من الفم، بدءًا بالحروف التي تُخرج من أقصى الحلق، ثم الحروف التي تخرج من اللسان والشفتين، وهكذا مع باقي الحروف بحسب مخارجها.
بالتالي لم يعتمد الخليل بن أحمد على النظام الألفبائي الهجائي أو الأبجدي، وإنما أسسه على نظام صوتي يرتكز على الخصائص الصوتية لكل حرف من حروف العربية، فرتبها حسب مخارجها من الأبعد والأعمق (الحروف الحلقية) إلى الأقرب (الحروف الشفوية). وخصص لكل حرف بابًا، وقسمه حسب جذور الكلمات وأبنيتها من الثنائي إلى الخماسي، ثم قلب تلك الأبنية بإعادة ترتيب حروفها وتغيير مواقعها من الكلمة ليحصر بذلك نظريا ورياضيا كل الاحتمالات الممكنة التي تتوفر عليها اللغة. واستنادًا إلى خاصيتها الاشتقاقية، فرق الفراهيدي في هذه المشتقات بين الحروف والأفعال والأسماء. ثم عرض ما استخلصه من كلمات على الاستعمال؛ فما جرى على ألسنة الناس أو وُجد له أثر في القرآن والشعر أثبته، وما لم يجد له أثرًا اعتبره مُهمَلًا وأسقطه.
وقد لخص ابن خلدون هذا العمل الجبار الذي أتى به الخليل في قوله: «كان سابق الحلبة في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي، ألف فيها كتاب العين، فحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي، وهو غاية ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي». وقد بسط كثير من الدارسين هذه الطريقة الرياضية التي اعتمدها الخليل في توليد كلمات العربية في الصيغ الحسابية التالية:
الثنائي: 28×27=756
الثلاثي: 28×27×26=19656
الرباعي: 28×27×26×25=491400
الخماسي: 28×27×26×25×24=11793600
ليكون مجموع الكلمات الممكنة (المستعمل منها والمُهمَل) 12.305.412 كلمة.
تفاعل الذكاءات.. من الإبداع اللغوي إلى الحساب العقلي
وهكذا يلوح لنا كتاب «العين» نموذجًا لتفاعل ذكاءات الخليل المتعددة:
أولها الذكاء اللغوي الذي جعله ينتبه إلى أهمية جمع اللغة لحمايتها من الضياع، ولتسهيل تعلمها على الوافدين عليها وعلى الإسلام من الشعوب غير العربية. وهو حين اعتمد طريقة الاشتقاق والتبديل والقلب في توليد الكلمات، فإنه وقف باللغة العربية على كل احتمالاتها النظرية، وترك لمستعمليها المجال واسعًا ليستعملوا ما أمكن، كما ترك للغة نفسها مساحة للتوسع والتطور.
بل إن أبا بكر الزبيدي الأندلسي (316هـ – 379هـ)، في كتابه «طبقات النحويين واللغويين»، يُبالغ في وصف هذه القدرات اللغوية الخارقة التي يمتلكها الخليل، حين أكد على قدرته على «فهم لغة أجنبية انطلاقًا من وثيقة كُتبت بها». أما السيوطي (849هـ – 911هـ)، في كتابه «بُغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة»، فيرى أن فضل الخليل لا يقتصر على المعجمية، بل يتعداه إلى النحو، لا سيما في تأثيره العميق في سيبويه، فهو «الذي بسط النحو وسبب علله وفتق معانيه وأوضح الحِجاج فيه، حتى بلغ أقصى حدوده، ولكنه اكتفى فيه بما أوحى إلى سيبويه من علمه...»
وثانيها الذكاء الموسيقي؛ فالرجل الذي انتبه إلى موسيقى الشعر ووضع علم العَروض، لم يكن غريبًا على أذنه الموسيقية المُرهفة أن تنتبه إلى الفوارق الصوتية بين الحروف في مخارجها، بين مجهور ومهموس، أو حلقي وأسناني وشفوي، ليؤسس بذلك ما يُعرَف اليوم بعلم الصوتيات الذي يؤكد هذه الحقيقة بعد أن اختبرها في مخابر مختصة.
وأما ثالث الذكاءات التي كانت وراء معجم «العين» فهو الذكاء الرياضي؛ ذلك أن الخليل استعمل نظرية الاحتمالات في توليد الكلمات من الجذور، كما استند إلى منهج الاستقراء الرياضي في مبادئ الاستبدال والتقليبات (تغيير مواقع الحروف وترتيبها) لحصر كل الممكنات اللغوية التي من اليسير صوغها في عمليات حسابية دقيقة.
وبذلك استطعنا أن نقف على صورة من صور العبقرية في الثقافة العربية القديمة، ووجه خفي من إبداع هذا الرجل الذي ينتمي إلى جيل المؤسسين في الثقافة العربية الإسلامية، ونفهم أن موسوعية القدماء ليست نابعة من كثرة قراءاتهم أو سعة اطلاعهم فقط، ولكنها تعود إلى تفاعل ذكاءاتهم المتعددة التي جعلتهم يخوضون في شتى العلوم بنفس القدرات ونفس العمق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.