الخِلافُ والاخْتِلَافُ أم الوِحْدَةُ و الاتِّحَادُ.


إن كانت غايتك الوحدة فلا بدّ أن تُبنى على أساسٍ لا خلاف ولا اختلاف فيه، فإن كنت تعتقد أن الوحدة من الممكن أن تُبنى على اختلاف فهذا ممتنع عقلاً.

الأسئلة المهمة ليست لماذا لا نختلف أو لماذا لا نجتمع؟ بل لماذا نختلف وعلى ماذا نجتمع؟ صراعات الإنسانية تبدأ بالاختلافات والتناقضات التي بينها، و كردّة فعلٍ لذلك ظهر توجّهان اثنان، أوّلهما يرى باحترام هذه الاختلافات وتقبّلها كأمرٍ واقع، والثّاني يدعو لتقديم تنازلات للوصول إلى قاعدة مشتركة في وسط هذه الاختلافات لجعلها أساساً للوحدة والاتحاد، وغالباً تتمثل هذه التوجهات في الخلافات الدينية والوطنية والقبليّة والسياسيّة والاقتصادية والاجتماعية، و كل ذلك من أجل تحقيق غاية الاتحاد والوحدة وتقبّل الاختلافات، والأهمّ لتفادي الصراعات والحروب التي تندلع في هذه الفضاءات السابقة، فهل فعلاً هي حلول مجديةٌ وتستحق ذلك أم أن المسألة أكبر من ذلك وأكثر تفصيلاً دون إجمالٍ وتجميلٍ؟ سأقوم في هذه المدونة بعرض هذه الاتجاهات كبداية، ثمّ نقدها وتمحيصها لتبيين ما لها وما عليها، والموقف الصحيح منها مع عدة أمثلة من الأمّة مع مراعاة تنوع الحالات، والأسباب، والأهم تبسيط الأمر لكي تصل الرسالة.

الإنسانية مليئة بالتناقضات، والاختلافات، والتنوعات في العرق، والدين، واللون، والوطن، والتوجه الفكري، والآراء إلخ...

وغالباً تكون الصراعات التي بينهم في هذه النطاقات بمختلف درجاتها بداية بالرفض وانتهاءً بالإقصاء والإبادة، فالأمور التي تتفق عليها الإنسانية جميعها لا وجود لها من الأصل، والأمور المشتركة بين مختلف مكوّنات الإنسانية قد تتواجد، ولكنّها إمّا قليلة أو هشَّة، ويسهل تغييرها وتقلّب أحوالها؛ لذلك يرى بعضهم أنّ جميع المقدِّمات السّابقة مبرراتٌ لنتيجة هامة وهي احترام هذه الاختلافات والأذواق وتقبُّلها، بل ودعمها على قدر المستطاع قانونياً، واقتصاديا، واجتماعيّاً، وفكريّاً، وتعليميّاً، وقد يصل الحدّ ليكون دينيّاً، فهل حقاً بذلك ستُحلّ الصّراعات القائمة على الخلاف والاختلاف باحترام الكُلّ للكُلّ في كل شيء أم أنّ الإنسانيّة مهما حاولت فوجود الصراعات أمرٌ حتميّ، ولإطفاء هذه الصّراعات يصعد فوق الساحة رأيٌ بتجميع وتوحيد الصُّفوف تحت راية واحدة أيّاً كانت، كمثل القبيلة، أو فريق كرة القدم، أو المنتدى الاجتماعي، أو الوطن، أو الدين، أو العرق والنسب.. إلخ، وفي المقابل تتوقَّف الخلافات، والصراعات التي تُبنى على رفض الآخر وإقصائه إلى احترامه وتقبّله؛ بما أنّ لدينا - نحن الاثنين - قاسماً مشتركاً ألا وهو الرَّاية التي اتفقنا على رفعها سويّاً، وبالتالي ننهي الصراعات والخلافات أوّلاً، ونتوحَّد ونصبح أقوى وأشدّ تماسكاً ثانياً، ولكن هل بالفعل أمر الوحدة والاتفاق قوة في جميع حالاتها؟

وهل من الممكن أن تُبنى راية الوحدة والاتحاد على أساسٍ مختلفٍ يُقبل من الجميع؟

أم أنّ ذلك ممتنع عقلاً، وليس بذات الأهمية الكبيرة التي تروّج لها خصوصاً في المناطق التي تعاني من انقسامات وانفصالات، والتي غالباً تؤدي لحروب عسكرية وفكرية تُخلِّف وراءها موتى وأرامل وتهجيراً قصريّاً أو اضطهاداً إضافيّاً للإنسان، وقمعاً للحريّات، فهل يستحق كلّ ما سبق التزام كل طرف بوجهته دون تقديم تنازلات للوصول لقاعدة مشتركة للوحدة والاتّحاد؟

يُبنى قرار الوحدة أو الاختلاف بناءً على الأساس الذي ننطلق منه، فإن كان الأساس سليماً ومتيناً حينها الوحدة أولى وأقوى، وأمّا إن كان هذا الأساس فاسداً وضعيفاً حينها الاختلاف أصدق وأحكم، ولديَّ ثلاثة نماذج للتوضيح، وهي الإنسانية، والوطن، واللغة.

أوّلاً: الإنسانية

هي أساسٌ ضعيف وفاسد، فلا قواعد تحكمه، إلا إذا كانت خارجةً عن إدارته، بمعنى أن تكون مفروضةً عليه إلزاماً، كالمبادئ العقلية التي من أمثلتها استحالة ولادة الابن قبل الأب، وأما التّصرفات والسلوكيات التي تنطلق منها فهي قابلةٌ للتغيير والتعديل ما دام هذا الأمر ليس محكوماً بأمرٍ يقينيّ، وهنا "مربط الفرس"، فالإنسانية عموماً نسبية، والنِّسبيٌ يُفضي إلى النِّسبيّ، فليس من الممكن أن تُنتجَ مرجعية نسبية كالإنسانية موقفاً يقينيَّاً ثابتاً، بل الإنسان ذاته مليءٌ بالتناقضات خُصوصاً في تاريخه.

ثانياً: الوطن أو المواطنة

وهي قائمة في العصر الحديث على حدود جغرافية من حيث الأساس، فبالطبع من ينتمي إلى نفس جنسيتك هو أقرب لك بناءً على هذا المنطلق، وهو كذلك أساسٌ فيه من القوة والضعف الكثير، واضطراب الهوية الناتج عن سكان هذه المنطقة الجغرافية؛ فكلّما زادوا تنوُّعاً في العرق أو القبيلة أو الدين زادت إشكالية تحديد هوية الدولة، بل كلّما قامت الدولة بناءً على منطلق المواطنة المكتسبة من المنطقة الجغرافية بتقليل تلك التنوعات أو الوقوف حياداً بينها؛ كان ذلك أسلم لها، وإلا سينتج عن ذلك فيلم دراما عن الأكثرية والأقلية المضطهدة، فأنت بين خيارين، إما تمييع هوية الوطن قدر الإمكان لإدماج المجتمع جيداً أو أن تحدد تلك الهوية بشكلٍ معينٍ، كأن تقول لغة الدولة هي العربية ودينها الإسلام، وبالتالي ستتكون لديك حقوق متباينة من منطلق هذه الهوية، وستنشأ اعتراضات من الذين لا يمتلكون تلك المواصفات بأنهم مهمشين؛ لأنّك منذ الأساس قلت بأنّنا نشترك في أرضٍ واحدة، والأرض متنوعة المكونات بدهيّاً، فكيف ستُحدد أحد تلك المكونات كهوية أساسية وعليا على بقية المكونات؟ ولهذا نجد أطروحة التَّجنيس التي زادت من تناقضات وتعقيدات المسألة.

ثالثاً: اللّغة

اللغة كأساس كذلك فيه ما فيه من الإشكاليات المشتركة، بالتأكيد اللغة العربية عظيمة، ولكن ليست الإشكالية فيها بالذات، بل في انتمائنا كعرب لها، بمعنى أن العيب يقع فينا لاعتمادنا على النسب العربي، واللغة العربية كمنطلق للوحدة؛ لأن هنالك من هم ليسوا عرباً، بل من الأعاجم، حتى وإن نطقوا باللغة.

ولذلك نلاحظ في هذه النماذج الثلاثة مشاكل متكررة وهي:

1.الانغلاق، فليس من الممكن أن تكون عربياً بغير نسبٍ عربيّ.

2.التمييع كالإنسانية، فهي عملية تبخّر للهويات، وليست تذويباً.

3.وأخيراً المواطنة القائمة على الجغرافية، والتي تعاني من إشكالية الانغلاق، وكذلك التناقضات عن تعارض الجنسيات المزدوجة أو تعارضها مع عناصر هوية المجتمع الأخرى كالقبيلة أو العروبة أو الدين.

إن أردنا وحدةً متينة فلابد أن يكون باب هذه الوحدة مفتوحاً للجميع، وأن يكون أساس هذا البيت ثابتاً على مبادئه القطعيَّة متغيراً بين الأزمان فيما هو نسبيّ، ويعلو فوق جميع الانتماءات الإنسانية، ويُؤخذ كمرجعية للحكم بينها، وإلا الفرقةُ والخلاف هما الحل.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب