الخفيَّة


بعد أن قاموا بدراسة عميقة لحال البيت، قرروا تقسيم رياحهم الجديدة التي لا تعرف السكينة إلى قسمين (خفي ومرئي) ... لكل منهما زوابعه، وأعاصيره، ودواماته الخاصة به... أدرك البيت كون قسمها الخفي هو السبَّاق في الهجوم على البيت.

وصلت الرياح الخفية إليه في دبيب بطيء، الخشبي تمهد لنظيرتها المرئية، استمرت في دبيبها تنخر جدران البيت المصمتة، قفزت أعاصيرها على بابه... باب دخولها... اجتمعت وكثفت جهودها وهاجت تنخر في بابه الخشبي... لم يتعرَّف عليها ساكنيه ظنوها نملاً أبيضاً ينخر الباب.

انشغلوا منه مالهم... لم يلفت ذلك أذهانهم فهم قادرون على إزالتها أو إبدال الباب بأقوى منه... انشغلوا في أعمالهم... لم يلفت ذلك أذهانهم فهم قادرون على إزالتها أو إبدال الباب بأقوى منه... يتساهلون في ذلك حتى أحدثت شرخاً فيه، سارعت في توسيعه كي تستطيع الدخول بكامل أعاصيرها.

شاهدوا الشرخ وهو يتسع، لكن للأسف هم مشغولون في ديكورات حجراتهم وطوابق بيتهم... اتسع الشرخ، انتهزت الرياح الفرصة المهيأة وانقضت على الباب فدمرته... ووصلت إلى أول أرضيّة فيه فهشمتها، فلم ينظر إليها إلا كبار السن لانحناء ظهورهم، والأطفال لصغر خطواتهم، أما الرجال فهم في أعمالهم يتصبَّبون عرقاً... فإن مرورها بهم في بادئ الأمر أحسوه تلطيفاً للجو، وتبريداً لأجسامهم.

استمرَّت الرِّياح هائجة بأعاصيرها وبنفس القوة... ليس على الأرض فقط، بل انتشرت في أرجاء البيت وطوابقه.

تحقق منها كبار السن، فأدركوها... فهي رياح مشابهة لتلك الأولى التي تصدى لها بيتهم في غابر الأزمان، والتي أخبرهم عنها آباؤهم وأجدادهم.

كانوا يسمعون دويها من بعيد ويهابونه... يخشون أن ينهال على أبنائهم غبارها، فحذروهم منها بوسائل عدة... فلم يستجب لنصائحهم وصراخهم أحد... وحدهم غير قادرين على التصدي لها وحدهم... ويحتم على أبنائهم ذوي الهمم الكبيرة التصدي لها فهي رياح عليهم.

كان الأبناء والأحفاد يتلقون نصائح وصرخات آبائهم وأجدادهم، ويضربون بها عرض الحائط في البداية، فازدادت تلك النصائح والصرخات خوفاً عليهم دون جدوى.

مكَّن ذلك موجتها الخفيفة حتى أصبحت إعصاراً متوحشاً فيه كل الأعاصير الخبيثة... كان سبب زيادتها أنّ مصطنعيها الحاقدين مراقبين زيادة لنصائح وصرخات الكبار عن قرب، ولأنها لم تصد من الأبناء والأحفاد لظنهم أنها رياحهم هم لخفاء أمرها.

نفذت هذه الرياح الخفيفة من بين صالات البيت إلى داخل حجراته ليس من الأبواب فقط، بل من الجدران الحجرية، والطينية، والنباتية المبنيّة من الخيزران... فأحدثت فيها ما أحدثته من تشويه لمعالمه، وخراباً وتدميراً لجدرانه.

جثمت في البيت صالات، حجرات، ممرات، سلالم، لم يتبقَ فيه أي شبر بغير تدمير ولا خراب وبعدما اطمأنت من هدم هيكل البيت... التفتت إلى سكانه الكبار، والأبناء الشباب، والأحفاد الصغار، ولم تُسلمْ بما أحدثته من تشويه في وجوههم وأجسامهم، بل غرست أعاصيرها في مشاعرهم ونفوسهم، وسيطرت على عقولهم وأفكارهم، وشددت قبضتها إلى أن خيم على البيت الوجوم.

كان رد من في البيت على آبائهم وأجدادهم: أن نصائحهم وصرخاتهم غيرة وحقد منهم... بدافع أنهم لم يتذوقوا، ويحسوا بحلاوتها، وطراوتها مثلهم... كان ذلك وغيره هو السبب الرئيس في عصيانهم لآبائهم، وإدخال الحسد والضغينة والكراهية بينهم، وزرع الجبن، والذل، والتخاذل، والتفكك، والانطواء في نفوسهم، وتسببت في تفكيك أسرتهم ومجتمعهم، وأفسدت حرفتهم وجعلتهم في مفارقات تتلون بها طباعهم، ووصلت إلى مشاعرهم ووجدانهم فأفسدتها، وكأنها أفعى تلدغ كل من في البيت وتبث فيهم سمومها.

تهدر في بيتهم، وتلوي أجسادهم بين كفيها... نجاحاً كبيراً أحدثته في البيت لم يتوقعه صنَّاعها، فضاعفوها برياح مثلها تحمل في أعاصيرها دوّامات من الاتجاهات، والمعتقدات، والأفكار، والمذاهب...

وليس من جهة الغرب فحسب، بل من عدَّة اتجاهات كان اتجاه الغرب أقواها... سببت المشاكل، القتل، والجرائم بين سكانه... يتناحرون فيما بينهم وتبث الكذب والنفاق بينهم؛ لتوقعهم في دواماتها وتسيطر عليهم.

 

وبعد أن جثمت بداخله تُسيّر من فيه كيفما تشاء، اتجهت أعاصير منها صوب أساسه تنخر فيه طامعة في زعزعته، مثلما زعزعت ودمرت الطوابق المبنيَّة عليه.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب