الخصوصية والحميمية

الفرق بين الخصوصيّة والحميميّة فرق شاسع وواضح، لكن البعض يستخدم الحميميّة كذريعة للتّدخل في خصوصيّة الآخر، ولا يوجد وجه شبه بين الخصوصيّة والحميميّة؛ فالأولى تفرديّة تعنى بالذّات الشّخصيّة، والثّانية جماعيّة تعنى بأكثر من ذات.

فالخصوصيّة نشاط فرديّ بحت لا يحتاج إلى تشارك أو مشارك، بعكس الحميميّة الّتي تحتاج لجماعة لتنشط، وبعد هذا التّوضيح وهذه المقدّمة المبسّطة يتّضح لنا أن الفرد يحتاج لمساحة لذاته هي الخصوصيّة، فكلّ فرد يتميّز عن الآخر بمقدار وإن كان وجه الشّبه بينهما كبيرًا أو متقاربًا لدرجة عظمى.

أيضًا لا يعني ذلك أنّ الأشخاص بينهم شبه متطابق تمامًا، والتّعبير شكل من أشكال النّضج والوعي، والخصوصيّة تعبير خاص بالفرد، وعليه فإنّ الحميميّة تخرّب الخصوصيّة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فقد نكون صادقين بتعلقنا بالآخر، لكن تعلقنا حينما يتجاوز حدّه يصير خصمًا للآخر سواء أكان زوجًا أو أخًا أو ابنًا....إلخ.

فالحميميّة قد تصبح تسلطًا في بعض الأحيان أو تصير هوسًا، فبدلًا من الانشغال بأنفسنا ننشغل بالآخر واهتماماته، وهذا أكبر خطأ نرتكبه؛ لأن اهتمامات الآخر تكون بحسب شغفه ورغبته لا بحسب رغباتنا وشغفنا، ولذلك ما نختاره بحجة النّصح أو الحب والحميميّة يصير تسلطًا سواء قصدنا أو لم نقصد ذلك.

فمثلًا الطّعام الّذي لم نتذوقه لا نعرف كنهه أو لذته أو طعمه أو نكهته مع أنّنا قد نشتم رائحته، والرائحة هي ما تجعلنا نرغب في تذوق ذلك الطّعام، وهي بمثابة الشّغف الّذي يحركنا في الواقع نحو حلمنا الّذي هو اختيارنا، وهو يشبه ما نريد تذوّقه من طعام، والّذي يخرّب ذلك هو آخر يحكي لنا عن الطّعم والنّكهة والمذاق الحلو، ثمّ يمنعنا من تجربة ذلك.

وهذا ما يحدث في الواقع، فالحياة تشبه سماط أطعمة متنوعة، وليس الشّرط فيه أن نتفق على نوع واحد من الأطباق، فما جرّبته أنت ولم يعجبك قد يعجبني وهكذا، فالحميميّة وإن لم أعرفها تعريفًا دقيقًا، تناولت أثرها السّلبيّ على الآخر فالتّعلق لحد السّيطرة لا خير فيه ولا جدوى منه.

فالأب أو الأم يتعلقان بأبنائهما حد إضرارهم ليس لأنّهما يكرهانهم، بل بقدر ما هما يحبانهم ويتعلقان يصلان إلى حد الإضرار بطموحهم وعلاقاتهم مع الآخرين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب