الخروج إلى العالم

في صباحٍ غائم، استيقظت أمي بوجه مبقع، وعينين محرفتين، كان صوتها يتيمًا؛ لا يحمل أي شيء، تسحبه إلى الداخل لتحمله بكلماتٍ لم يتعود عليها بعد، فيعود ليملأني بالغبار.

 عبأت حقيبتي ببلوزات فضفاضة تستر الجسد حتى الركبة، وبنطلونات من القماش الأسود، وطرح وإيشاربات زاهية تُفتح الوجه، ثمة سعادة خافته تسربت إلي، حين رأيت أمي ترص البيجامات والترننجات، فللمرة الأولى سأتخلص من الجلاليب التي تجيد حياكتها.

أمي تختصر كتاب الله في ثلاث سور قصيرة، ترددها في صلواتها القليلة، لذلك لم تدس مصحفًا صغيرًا في الحقيبة، في الحقيقة لم يكن في بيتنا سوى مصحف واحد كبير، للحلفان عليه.

لم تعرف أمي أيضًا سوى صباح الخير، ويسعد صباحك، ومساءك، لذلك لم تضع في الجيوب الصغيرة أذكار الصباح والمساء، لكنها لم تنس الإبر وبكرات الخيط، والمقص الصغير،الحامي السريع الذي استخدمته كثيرًا في بداية مزاولتها لمهنة الخياطة، ولم يكن هناك متسع من الوقت لتضع لي أي مأكولات، كانت تريدني أن أذهب سريعًا على غفلة من القرية النائمة وسط ضجيج العالم.

في الجيوب الأمامية، وضعتُ كتابين لم أكن أملك غيرهما؛ رباعيات صلاح جاهين، ورواية الغريب لألبير كامو التي سرقتها من المكتبة المدرسية، وخبأتها في حقيبتي، حتى جاء الوقت، لترحل معي إلى أرضٍ غريبة، في حقيبة أخرى، بحجم القرية.

لم أترك كلمات الوداع المعتادة على عتبة البيت المرتجف من نظرات الجيران المتسائلة عن السبب الذي يجعل فتاة مثلي تترك بيتها في الفجر بحقيبة سوداء، كان الكلام يذوب تحت جلدي، الذي امتص كل حرارة العالم.

البقع السوداء المنتشرة على وجه أمي تسير أمامي، تحذرني من الطريق، والمصرف الكبير خلفي يملأني رعبًا، على يميني ترعة بمياه لامعة، تنير الغموض الذي يلف هذا الجزء من الأرض، وعلى شمالي، معصرة قديمة تكومت أمامها عيدان القصب، بجوارها عشة سيدة عجوز متكدسة بأقفاص الطماطم والخضار الطازج وربطات الفجل والجرجير، وكتاكيت ملونة تلتقط الطعام بشقاوة جعلتني أبتسم للمجهول.

ثمة خطوات لرجال يضربون الأرض بأحذيتهم الجارفة، ونساء يحملن الطشوت الألومنيوم ليبتعن ما أنتجته الأرض، وأخريات يفترشن سوق الأحد بالبيض البلدي، والجبنة القريش، والزبدة الفلاحي، وعواجيز يتكئون على حزنهم، ويحدقون في المدى، وكلاب ضالة بأجساد منحولة، وقطط جائعة تتمعن في الحقيبة، وهناك في البعيد بنات وصبيان بلون القمح، يعبرون الطريق إلى المدارس القابعة في الخلاء.

خطواتي تتبع موسيقى نشيد الصباح التي يعزفها طلبة الإذاعة المدرسية، وعيني معلقة على شجرة وحيدة تتخللها أشعة الشمس، اختفت الشجرة، وتلاشت موسيقى الصباح مع اصطدام حذائي الجديد بالأسفلت.

على جانبي الطريق ميكروباصات بيضاء تدهس الأرض، وتباعون ينادون بكلمات متآكلة: "مصر..مصر..مصر" ورائحة بنزين تعبئ الجو، فضلتُ ألا أركب الميكروباص الذي ينقلني مباشرة إلى العالم الجديد،لأن الوصول السريع يُجرف الأرض ويختصر الأشياء ربما في حفنة من التراب.

اخترت الوصول على عدة مراحل، في كل مرحلة كان سقف العربة يزداد ضغطاً على رأسي، فتندفع أيامي المتكومة في جسدي وتهرب على الأسفلت، وأظل أتابعها بعيني حتى تغيب، إلا هذا اليوم الذي ظل مغروسًا في ظهري كالطعنة.

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية