الخبز البايت 7


بو خمسين، اسم غامض، سأل معتوق جده عن معنى الاسم وسببه، معتوق تهمُّه هذه الأشياء، أخبره جده أن اسمه بو خمسين على اسم جده الكبير، الذي كان سيدًا لعشيرته قبل عشرات السنين، كان له خمسون ولداً من عشرة زيجات، فعرف بأبو خمسين، كان فارساً شجاعاً مهاباً، يرسل مائة من أشجع فرسان عشيرته، والذين كانوا يخرجون عادة للغزو، يرسلهم ليجمعوا لأمه الحطب وشوك جريد النخل، لتصنع له وجبة من محشي (العصبان والكرشة) يتغذى بها.

ومع كل هذه القوة وهذا الجبروت، كانت نهايته على يد امرأة! تقول الأسطورة أن بو خمسين الجد، قام بقتل رجل من قبيلته. لأنه لم يمتثل لأمره، فولولت زوجته وطالبت رجال القبيلة أن يعاقبوا الجاني الظالم، ولكن أن لهم ذلك، فكانوا يسمعون نواحها وشكواها ويهزون رؤوسهم دون أن يفعلوا شيئاً، فقرت أن تكيد للأمر، فكانت تخرج إلى الطرق التي بين خيام القبيلة حاسرة الرأس، سافرة الوجه، دون أدنى اهتمام للرجال القبيلة الذين يصادفونها، ولكن وعندما يطل بو خمسين فجأة تغطي رأسها قائلة:(وي راجل!!)، في إشارة إلى أنه الرجل الوحيد في القبيلة، فاشتعل دم رجال القبيلة نارًا، وآتوا لها برأس بو خمسين في قُفة.

كان الشيخ أبو خمسين يحب معتوق ويناديه وهو يضحك: يا عتيق، فيرد معتوق وهو يبتسم:

كنت أتمنى أن يكون اسمي كذلك يا شيخ.

كان الجد هشام يتكلم في السياسة أحيانا مع الشيخ، يتكلم بصوت خفي، ربما كان يتمنى لو أن حتى الشيخ لا يسمعه، تمام كما كان ذلك الفارس الشعبي الأسطوري الشهير، الذي شعر بأنه بحاجة إلى أن يبوح، وإلا فإن ما يخفيه في نفسه من أسرار ستفجر قلبه، فاختار أن يبوح لشخص أطرش عن خوفه الشديد من زوجته، والذي لو وصل إلى سكان بلدته لضاعت هيبته بينهم، كان معتوق يسمع كلام جده مع الشيخ الوقور، قد تكون هذه الأمور كبيرة على عقل طفل في عمره، لكنه كان بفهمها، حتى أن الجد كان يرد على الشيخ قاصدًا معتوق: فلان بلغت عنه (رشاده) ثم يقهقه بصوت عالٍ، قاصدًا تلك الحكاية التي تقول أن شخص تكلم في السياسة في ليبيا، وكان لوحده في الخلاء يجلس على صخرة، فكُشف أمره وسجن، فقال يبدو أن الصخرة أبلغت عني!! 

على أي حال، كان الشيخ يضحك ويقول: أصبر يا حاج مصيرها تفرج.

كان الشيخ أبو خمسين كث اللحية مقصر الثياب، يكره الصوفيين ويهاجم احتفالهم بالمولد النبوي، لذلك قيل عنه أنه عميل! لا تنقصه تهمة أخرى لكي يدردش في السياسة مع أحد، سمع معتوق عن الكتب الصفرة التي أتهم الشيخ أبو خمسين بقراءتها، كان يتخيلها كتباً بأوراق صفراء مليئة بالسطور، لم يتمكن من تخيل المكتوب فيها، لذلك تمنى لو اطلع عليها ولو لدقيقة، الحقيقة أن إشاعة عمالة الشيخ أبو خمسين، وقراءته للكتب الصفراء، لم يكن مصدرها مخابرات العقيد فقط، بل شيوخ متله، اتفقوا معه في أقل القليل، واختلفوا معه في كثير.

الاتهامات وتوزيعها بالمجان وبغزارة، أمر سائغ وشائع في مجتمع معتوق، العداء لأمثال الشيخ أبو خمسين، لم يكن من الجانب الرسمي فقط، بل على المستوى الشعبي كذلك، وبدون توجيه حكومي.

من أكثر الأوقات التي يصفوا فيها قلب معتوق، وقت ذهابه إلى المسجد لصلاة العشاء، خاصة عند نزول المطر وانقطاع التيار الكهربائي، كان يذهب إلى المسجد قبل الآذان، وهو يلف جسمه في ثيابه الثقيلة، يدخل إلى المسجد، يصلي ركعتين، تم يجلس وظهره إلى الجدار، يناظر الناس وهي تدخل في خشوع، وقد أوقدت في إحدى زوايا المسجد شمعة صغيرة ووحيدة، بالكاد تنير مسافة ثلاثة أمتار من حولها، والسكون الشديد يلف المكان، والذي يقطعه في أوقات متفرقة، سعال رجال أثر فيهم البرد، وسكن صدورهم الرحبة...يتبع

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

رائعة
تفضل بقراءة مقالي

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

العفو .سأفعل ان شا الله

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب