الخبز البايت ج3

منذ طفولته المبكرة ارتبط معتوق بجدته خديجة وجده هشام، كانت جدته تحبه وتدلله، كان ذلك طبيعيًا عندما كان الحفيد الوحيد، ولكنه استمر حتى عندما أصبح له منافسين من الأحفاد الجدد، يبدو وبما أنه الحفيد البكر، لم يستطع أحد أن يتقدم على مكانته عند جديِّه، كانت الجدة تنادي على معتوق وتجعله يشاركها غذائها، أو تنادي عليه لتعطيه بعض الحلوى التي تحصلت عليها في أحد الأعراس، أو مناسبات الإنجاب الكثيرة التي تشارك بها، كانت لا تأكلها، وتخفيها في ملابسها في جيوب سرية، لا يعلمها إلا الله ثم هي، لتعود بها إلى البيت، وتعطيها لحفيدها الحبيب.

معتوق يحب قصص الجدة وألعابها التراثية، كان يحب مثلاً لعبة كمادي، يبسط كفيه على الأرض، وقد فرّق بين أصبعهما، وتفعل الجدة الأمر نفسه بكف يدها اليسرى، ثم تنقر بالأصبع السبابة ليدها اليمنى على كفيّ معتوق وكفها، وهي تقول:

كمادي كمادي...

يرقى السما وينادي...

ويقول وين أولادي...

إلى أن تقول:

تبي حنه وإلا كمونه...

يختار معتوق في أغلب الأحيان الحنة، فترد الجدة في حب: حُط يديك في الجنة.

هذا غير القصص الجميلة التي سمعها منها، خرافة أم بسيسي، قصة عيشة بنت الغول، من في المريكب، العجوز والشيباني وحبتين الفول، وغيرها من القصص. 

أما الشخصيات التي كرهها معتوق، وكانت كثيرًا ما تُمثّل بين عينيه قبل أن يَغطّ في نوم عميق، فأما عجوز القايلة والفتاشة، فالأولى هي من يصطاد الأطفال كما تقول جدته، عندما يخرجون إلى الشارع في وقت اشتداد الحرارة بعد صلاة الظهر، ربما تربطهم بشعرها الأبيض الطويل كما تخيّلها، قبل أن تأكلهم، وأما الثانية فهي من تفتش في بطونهم ليلة دخول السنة الهجرية، لتضع فيها حجارة كبيرة، إن هم ناموا دون عشاء.

في تلك الليلة بالذات، يتعجب معتوق ليس من صنيع الفتاشة، بل ممن ينام دون عشاء، ليس فقط خوفًا من الفتاشة، بل لأن المائدة حينها، فيها وكما يقال، على كل ضرس لون من الطعام.

ارتبط معتوق كذلك بجده، الذي جرّب معه العديد من الأمور لأول مرة، الذهاب إلى المسجد، التجول بالبرية، حضور مواسم الحرث، ومشاهدة الإخوة وأبناء العمومة، وقد تحولوا إلى أعداء من أجل الفوز بشبر زائد لحراثته، كان شاهدًا على الصدام الذي وقع بين جده وبين الحاج نوري، أو هتلر كما كانوا يسمونه، حول الحد الفاصل بين أرض كل منهما، الحاج نوري لا يشبه أدولف هتلر، ولم يشاهد صورته حتى، ولم يكن كذلك من حزب المغفلين العرب، الذين توقعوا أن يحرر هتلر أوطانهم من الاحتلال البريطاني، حتى أنهم أدخلوه قسرًا إلى الإسلام، وبل وأسموه الحاج هتلر، كل ما في الأمر أن الحاج نوري كان يكره انفه، الذي كان يميل إلى يسار وجهه بشكل غريب.

الغريب أنه بالرغم من كل هذه المعارك الموسمية، كان الشعير يأتي إلى بلاد معتوق من وراء البحار.

مع جده جرب معتوق كذلك الذهاب لأول إلى البحر، ليس للسباحة طبعا، بل لإلقاء القمامة على شاطئه!، فالجد كان أحرص من أن يسمح لحفيده بالسباحة تحت إشرافه، وجرّب معه لأول مرة كذلك إعطاء الأغنام الطعام والماء، ودخول القن لجمع البيض من تحت الدجاج.

في الثمانينيات كانت ألعاب الأطفال تقليدية وشعبية، موروثة وجميلة، قضى معها معتوق أحلى أوقاته، ركب على عرجون النخلة واعتبره حصاناً، نصب القلابة المصنوعة من قوس عرجون النخيل المشبك بالحبال، ليصطاد الطيور، لعب النقيزة، رشق البلح المدفون تحت التراب بشوك جريد النخل، هذا غير كرة القدم، التي لعبها أكثر الأحيان، مع كرة صغيرة ومفرغة من الهواء.

كان النظام السياسيّ حريصًا على أن يشرب الأطفال أفكاره مع حليب أمهاتهم، لينشئوا على عداوة من يكره، وصداقة من يحب، دخلت السياسة الموجهة حتى في لعب الأطفال، فكان معتوق يغني مع أقرانه في المدرسة والشارع وهم يلعبون:

طق طق يا طاقية... ما زال القدام شوية...

رن رن يا جرس... معمر راكب فوق فرس...

والسادات سرق قرشين... وأمه ضرباته كفين...

في الاحتفالات الشعبية والثوريًّة العديدة التي كانت ينقلها التلفزيون الرسمي، كان الأب حريصًا على عدم التعليق على خطب العقيد أو السخرية منها في وجود معتوق، بسبب تلك القصة التي تناقلها الناس، أن رجلاً كان يبزق في وجه العقيد كلما ظهرت صورته بالتلفزيون، يفعل ذلك في حضور طفله، وذات مرة وبينما كان يتجول مع طفله بالمدينة، رأى واحدة من صور العقيد العديدة في أحد الاحتفالات، فعلق قائلاً: انظر يا أبي هذه صورة الرجل الذي تبزق في وجه بالتلفزيون، فذهب الأب إلى حيث القت بأبنائها أم عامر.

يتبع...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب