الخبز البايت 5


مرحلة الدِّراسة الابتدائيَّة مرحلة معقَّدة في حياة معتوق، اللَّعب والأصدقاء من جهة، وأصناف العقوبات التي جربها أو عاصرها معتوق وجُرِّبت عليه، في الفصل والطابور الصباحي من جهة أخرى، كان من الطبيعي أن يُجلد هو أو أحد زملائه في الصف الرابع، عشرة عصيات على يديه أو رجليه، لأنه نسيَ واجباً من عشرين صفحة، أو نسيَ حفظ نشيد حماسي يتغنى بالعروبة، أو سورة قرآنية قصيرة، كان الشيخ محمود في أيام الشتاء مثلاً، خاصة في الحصَّة الأولى، يدخل الفصل ومعه إناء فيه ماء بارد، ليضع التلميذ يده فيه قبل أن يضربه، حتى تؤلمه العصاة بصورة أكبر، بعد أن يكون التلميذ قد بذل مجهوداً كبيرًا في تسخين يداه، بحكهن على بعض مدرس الرياضيات، أبو راس كما كان يُسميه التلاميذ...

كان يعاقب التلميذ بأن يرفع كرسيه فوق رأسه طوال الحصَّة، أو برفع حقيبة مدرسيَّة بها ما يعادل وزن تلميذ في الصف الخامس! أما الفلقة، فهي العقوبة المفضلة عند المدير، قبل دخول التلاميذ إلى الفصول، وبعد تحيَّة العلم، كانت المدة الزمنيَّة التي هي بين تحيَّة العلم ودخول التلاميذ إلى الفصول، أفضل توقيت لإبلاغ التلاميذ بآخر التعليمات، ومعاقبة الغائبين، والمشاغبين، والإعلان عن الرحلة المدرسية.

من المشاهد التي لازمت معتوق طويلاً، مشهد مدير مدرسته الأستاذ أنور، وهو يتجوَّل بين التلاميذ وهم يقفون بالطابور الصباحي، والبرد القارص يدق الأسنان ببعضها تلقائياً، لتصدر صوتاً حاداً يُقشْعر البدن، فالمدارس في بلاد معتوق لا يمكن أن تتخلى عن الطابور الصباحي، ولو وصلت درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر!

والمدير أنور يتجوَّل بين صفوف الطابور، ويتأكد من أن التلاميذ قد امتثلوا لأوامره، وارتدوا السروال الداخلي، تحت سراويلهم العربية التقليدية الخفيفة، المصنوعة بالصين، التي اعتبرت ولسبب غير معروف، ملابس الأجداد، بالرغم من أنهم لم يلبسوها يوما!، وقد كانت رقيقة يكاد يظهر لون البشرة من تحتها، يفعل المدير ذلك حماية لهم من أمراض الشتاء، كان يتأكد من الأمر برفع طرف أسفل سروال التلميذ من فوق حذائه، مستخدما عصا كانت بيده، والتي يستعمها كذلك في معقابة المخالف، بضربه عشرة عصيات على يديه، هي كفيلة ببث الدفء في جسده.

المدرسة في مجتمع معتوق، ليست بالضرورة مكاناً لتلقي العلم فقط، فقد تكون بالنسبة للأطفال، بؤرة للأمراض النفسية والاجتماعية، لأنهم فيها يشاهدون أصناف العقوبات، التي تنوعت من عنف جسدي ولفظي، إلى استهزاء واضطهاد نفسي، وتعيير بالغباء، والبلادة، والجهل، قد ينجح التلميذ ويتفوق، وقد يتحول من تلميذ فاشل إلى نابغة، فقط بسبب وجود العصا في يد المعلم، يحفظ الدرس، الآية، النشيد، فقط نتيجة الخوف، ولكن وفي الحقيقة، لا يمكن للخائف أن يتعلم، لذلك ينسى الطالب كل ما تعلمه بمجرد انتهاء العام.

القراءة أصبحت ألد اعداء الشباب، لأنهم لا يقرؤون إلا وهم خائفون، أصبحت مقرونة عندهم بالخوف، لذلك هي مكروهة، هذه حقيقة جُبل البشر عليها، فالأمور التي يقوم بها الإنسان وهو خائف، هي من أثقل الأمور على قلبه، كان كل ما يهم المعلم -إلا من رحم الله- داخل الفصل هو أن يسكت الطالب، ويحفظ الدرس، ويتم واجباته، حتى الوطنية قد يفقدها التلميذ في المدرسة، لأن الوطنية تضل فقط في مجتمع معتوق هي حمل السلاح، والدفاع عن الوطن أمام الغزاة، أما المحافظة على أملاك الدولة، واحترام القانون، وتوفير الطاقة، وحماية الممتلكات العامة، والالتزام الوظيفي، ونظافة الشوارع والطرقات، فليست من الوطنيَّة، الحقيقة التي آمن بها معتوق، بعد أن تمكن من معرفة الخير والشر بطريقة صحيحة، أن كل شعوب الدنيا تصدت للغزاة وطردتهم، ولكن قليل منها من تمكن من بناء وطنه بعد ذلك.

في مجتمع معتوق، لا يُعوّد الأطفال مثلاً على المحافظة على النظافة، بكلمات وأفعال وقدوة يتبعونها، ولكن يُنتظر إلقاء القمامة أمام المدرسة، أو على شاطئ البحر، لتوضع لوحة كبير، أو صغيرة، لا يهم، مكتوب عليها، ممنوع وضع القامة هنا، فقط أوامر ولا شيء آخر؛ لذلك تجد أن أكبر اللصوص في مجتمع معتوق، يحملون أعلى الشهادات، ويواظبون على سماع خُطب صلاة الجمعة.

كان الأسلوب المفضل عند أغلب المعلمين هو التلقين، اقرأ، ثمّ احفظ، ثمّ اسَمع، لم يجربوا مع التلاميذ أسلوب اقرأ، ثمّ افهم، ثمّ عبّر، نجاح المدرس فقط رهن بحفظ تلاميذه... في درس التعبير مثلاً، يكتب التلميذ عن فصل الربيع، فيشير إلى تفتح الأزهار واخضرار الأشجار، بالرغم من أنه لا شيء من هذا فيما يشاهده في بيئته، يُعبر التلاميذ في كراريسهم عن فصل الصيف، بأنهم يذهبون إلى الشاطئ ويمارسون السباحة، بالرغم من أنهم يسكنون مدينة ليبية بقلب الصحراء.

هل المشكلة في المعلمين، أم هي في الجو العام، والنظام التعليمي برمته؟! المعلمون الَّذين درَّسوا معتوق كانوا مجتهدين، يحبون التلاميذ، ويهتمون بمصلحتهم، أكثرهم كان يمارس العنف مع تلاميذه، ليس حباً في العنف، أو رغبة في التمتع بالسلطة، إنما لأنه يعتقد بأنه أسلوب ناجح لتعليم النشء، هذه هي المشكلة الحقيقية، كان المعلم ربما يدفع من أمواله لنجاح عمله، كان ربما يشتري الطباشير مثلاً، يعطي الجوائز للمتفوقين من جيبه الخاص، لكن العنف اللفظي والجسدي، كان جزءاً من العملية التعليمية نفسها عند أكثرهم للأسف.

يقال لا إنسان عظيم بدون ألم عظيم، لكن وبالمقال لا إنسان سليم، بدون تعليم سليم،

يُتبع...

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب