الخبز البايت 1

أمضى معتوق ليلة شديدة عصيبة، سكب فيها على خديه الكثير من الدموع، وهو يشاهد على شاشة التلفاز، صور الوجوه الباسمة، لبعض القتلى في مدينة بنغازي، بعد انفجار ثورة الغضب في شرق ليبيا، لم ينام معتوق ليلتها، وضل مشتعلاً حتى الصباح، وقد جال في ذهنه كل شيء من أي شيء يمكن أن يحدث، فكر في موقفه شخصياً مما سيحدث، وليتمكن من توقع النهاية، كان عليه أن يعود إلى البداية.

كانت ليلة ماطرة غزيرة المطر، تلك الليلة التي رزقت فيها عائشة بولدها البكر، من زوجها معلم الابتدائية البسيط حسام، كان ذلك في واحدة من ليالي شهر فبراير الباردة عام 1978م، في قرية كلاسيكية، حيث المسجد الذي لُف بحزام من البيوت، في مدينة تقليدية، كانت وما زالت واحدة من أهم المدن الليبية.

اختار الأب اسم معتوق لابنه البكر في تلك الليلة، والوحيد فيما بعدها من ليال، والذي لم يكن يتمناه كذلك.

بعد أن كبر معتوق كان كثيراً ما جادل أباه في أمر اسمه، كيف اختار له هذا الاسم القبيح برأي معتوق، ورأي الكثير من أصدقائه، خاصة وأن الليبيين ينطقون حرف القاف في آخره بلهجتهم الخاصة.

كان الأب يدافع عن نفسه باستمرار، محاولاً إقناع معتوق بجمال اسمه، قائلاً له في مرة أنه يدل على أسمى معاني الانعتاق والحرية، واضطر في أخرى إلى تأليف قصة وجود مجاهد كبير، وبطل شهير، يحمل نفس اسمه، وأنه أسماه معتوق لأجله.

معتوق لم يقتنع، وكثيراً ما كان يقول:

نحن بلد لا مثيل له في كثرة الأبطال والفدائيين، بحيث فاق عددهم عدد أمجادنا ومفاخرنا آلاف المرات!! ألم تجد لي غير هذا المعتوق، الذي لا يعلم ببطولته إلا أنت، لكي تختار لي اسمه؟ يضيف معتوق:

لماذا لم تطلق علي اسم جدي كما يفعل الكثير من الليبيين، ليثبتوا للجد أن ولده يحبه، بالرغم من أنه قد يمر الأسبوع دون أن يراه!! اسم هشام جميل، ولن يصيبه القِدم مهما مرت الأيام، ولن يكون محل سخرية الأصدقاء كما هو الحال مع معتوق.

يختم معتوق كلامه مع أبيه قائلاً:

كيف يكون اسم أبي حسام، واسم جدي هشام، ويكون اسمي معتوق!؟.

في واحدة من ليالي شهر ديسمبر من العام 2000م، والطقس في شدة الزمهرير، وحسام تحت العباءة الحمراء الثقيلة اليدوية الصنع، التي صنعتها والدته، وأهدتها له في يوم زفافه قبل نحو ثلاثة وعشرون عاماً، أثار معتوق موضوع اسمه من جديد، عندها قرر الأب أخبار ابنه بحقيقة تسميته معتوق، بعد أن خاف أن يتسبب له ذلك في عقدة نفسية، كما فهم، أو ظن أنه فهم من الإذاعة المسموعة، التي اعتاد على سماعها، كل ما كان يقود سيارته.

قال الأب:

يا "ولدي" كنت أريد أن اسميك هشام على اسم جدك، لكن جدك رفض ذلك، قائلاً أنه لا يريد أن يسمى حفيده على اسمه إلا بعد موته، لأن فعل ذلك فيه فأل سيء، وكأنه قد مات، أو يرجى له ذلك، عندها قررت أن اسميك فريداً، فجاء الرفض من أمك هذه المرة، والتي قالت أنه اسم قبيح وتقليدي وقديم، وقد يكون سبباً بأن تكون فرداً لا أخَ لك، فاقترحت اسم لؤي، وزاد صراخنا وعلت أصواتنا وأرعدت.

يكمل الأب: تمسكت بموقفي، فغضبت أمك وقالت وهي تردد شعارات تلك المرحلة:

إنك امبريالي ورجعي لا تستمع لرأي غيرك.

فقلت لها:

وأنتِ فاشية قليلة الأدب، لا تعرفين كيف تتحدثين إلى زوجك.

ثم قال وهو يضحك:

كادت أمك أن تفقد لقب متزوجة في ذاك اليوم.

يعود ويكمل الأب:

عندها أقسمت قائلاً، والله لأسمينه معتوق، واضربي إن شئتِ رأسك في الحائط.

وعلى صوت قهقهة الأب إلى أبعد حد يمكن أن يصل إليه صوته.

سكت معتوق ونظر إلى والده....

لؤي وفريد، لأول مرة يشعر معتوق بالرضا عن اسمه.

على أي حال، بقي معتوق فرداً وحيداً لا إخوة لديه، برغم أن أمه توقعت ذلك فقط في حالة تسميته فريداً.......يتبع

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
May 11, 2021 - معاوية الذهبي
May 10, 2021 - ALHAMAIONY #الهمايوني
نبذة عن الكاتب