الحيوان في الموروث الشعبي

يظل عالمنا المعاصر الذى يتسم بالتقدم الحضاري والعمران والمدنية والتكنولوجية أسير الرمزية التي تستعين بالموروث الشعبي فيما يتعلق بالحيوانات التي تستلهم أو تصنع لمحاكاة الواقع وتصوير المكان والمكانة، ومن أشهر الرمزية المرتبطة بالحيوان ما يتعلق بوصف وشعارات الدول والأحزاب: الدب الروسي، الفيل الهندي، الديك الفرنسي، الأسد الإنجليزي، التنين الصيني، العقاب الألماني، الحمار الديمقراطي، الفيل الجمهوري.

لقد استطاع الحيوان أن يشغل مخيّلة الإنسان منذ العصور الغابرة، ولعلّ أوّل محطّة تستوقفنا في مسيرة الحياة البشرية هي مشهد من مشاهد بداية الخليقة، يشاء القدر فيها أن يتتلمذ الإنسان على يد الحيوان ويفقه التعامل مع جسدٍ فارقَ الحياة، وقد صورت هذه الحادثة في أجمل معانيها منبئة بهول الموقف الذي واجهه الإنسان أمام ظاهرة الموت وسلوك الغراب اتجاه هذه الظاهرة، في قوله عز وجل: "فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي ٱلْأَرْضِ لِيُرِيَهُۥ كَيْفَ يُوَٰرِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَٰوَيْلَتَىٰٓ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا ٱلْغُرَابِ فَأُوَٰرِي سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ" .

ويأبى هذا المجتمع الحيوانيّ أن يغادر سفينة نوح في حادثة الطّوفان قبل أن يترك بصماته على نفسية الإنسان وتفكيره حتّى غدا يواجه الطّبيعة وأسرارها متوسّلًا بالحيوان ليفسّر ما خفي عليه من معانيها إلى درجة أنّه وهب لهذه الحيوانات في خضم مغامراته التّخيّلية الأولى أوصافًا وقوى خارقة ارتقت إلى مراتب الآلهة  على مرّ العصور.

وتحتل الحيوانات مجموعة واسعة من الأدوار في الخرافات والأساطير التي تشرح الدور الذي تلعبه الحيوانات في خلق العالم، أو في جلب النار للبشر أو الأدوات أو المهارات الزراعية، كما تحكي كيف أصبحت الأمور كما هي عليه، أو كيف حصلت الحيوانات على مظهرها أو خصائصها.

وفي بعض التقاليد الأسطورية تأخذ الآلهة شكل الحيوان، صور المصريون القدماء آلهتهم كحيوانات أو كبشر مع رؤوس الحيوانات، مثل "باستيت" إحدى آلهة قدماء المصريين التي على هيئة القطة الوديعة ذات الرأس السوداء، وأدمجت مع الآلهة "سخمت" في الدولة الحديثة والتي تمثل على هيئة اللبؤة المفترسة، وعندما تغضب "باستيت" تصبح سخمت، وتنتقم من الأعداء ومن هو ذو خلق رديء.

وْفي المعتقد المصرى القديم فإن الآلهة "حورس" ابن اوزوريس وأيزيس، والذي صوره المصريون عادة على هيئة صقر أو بني آدم له رأس صقر، الذي عبد في مناطق كثيرة ويرمز إلى عديد من المعبودات فهو مثلًا رب السماء وعيناه الشمس والقمر.

وظهرت حيوانات خارقة في الأساطير اليونانية مثل الحصان المجنح "بيجاسوس" الذي لم يكن إلهًا بحد ذاته، إلّا أنه غالبًا ما يكون خالقًا أو منح الصلاحية لذلك أو هو مصانٌ من قبل الآلهة.

وبعض الخرافات تربط الحيوانات بخلق العالم، وتضع تقاليد آسيا وأمريكا الشمالية الأصلية تصور الأرض على ظهر سلحفاة هائلة، بينما تقول أساطير إفريقيا وأماكن أخرى إن الأرض تشكلت من جسد ثعبان ضخم، وتقول بعض الأساطير أن سيماء الأرض، مثل البحيرات أو الأخاديد، كانت محفورة بواسطة حيوانات أو (وحوش) أسطورية.

وترتبط الحيوانات بأصول الإنسان وكذلك بأصل العالم، اعتقدت العديد من العشائر (القبائل) الأمريكية الأصلية أنها تنحدر من الحيوانات، وشعب "يـاو" في جنوب الصين ترجع أصولهم إلى الجد الكلب، ساعدت الحيوانات أيضًا في تشكيل الوجود الإنساني من خلال العمل كرسول للآلهة.

تحكي الأسطورة الإفريقية إن الآلهة أرسلت حيوانين إلى الأرض، أحدهما يحمل رسالة الحياة الأبدية، والآخر يجلب الموت، وصل رسول الموت أولاً، وهو ما يفسر موت الناس، يقول الهنود الحمر في أمريكا الشمالية أن أفعى الجرسية جلبت الموت إلى العالم.

يمكن للحيوانات أن تلعب دورًا إيجابيًا أيضًا؛ حيث تقدم للناس هدايا الحضارة، وتدعى الأساطير الإفريقية المختلفة، على سبيل المثال، عن كلب، شمبانزي، دبور، وفرس النبي يحضرون النار للناس، ويعتقد شعب "بامبارا" في مالي أن الظبي المقدس قد علّم الناس الزراعة منذ زمن بعيد.

وتدعي الأساطير الصينية أن الحيوانات تتصرف بشكل بطولي نيابة عن الناس وتؤدي القرود أفعال غاية في الشجاعة، ويذكر في أساطير "المايا" أن لديهم موهبة فنية، لا سيما في الكتابة والنحت.

وفي المنطقة العربية اكتسب الحيوان عند العرب القدامى منزلة عالية لدرجة اعتبار بعض الحيوانات طوطم ديني مقدس، ومن مظاهر الطوطمية أن بعض القبائل كانت تسمى باسم الحيوان، ونسبت قبائل أخرى إلى حيوان باعتباره من شجرة الأصول، ويقال أن اسم قريش نسبة إلى الدابة البحرية التي تعتبر سيدة مخلوقات البحار وهي دابة القرش، وكذلك كانت قريش سيدة قبائل العرب في الجزيرة.

ومن بين أسماء القبائل العربية بنو أسد، بنو ضب، بنو فهد، بنو كلب، بنو حداء، بنو نعامة وغيرهم كثير، وفي تأويل هذه الأسماء إما أن هذه الأسماء هي ألقاب لأشخاص تاريخية معروفة، أو أن لهذه الأسماء معاني دينية لها علاقة بعبادة الحيوان.

وفي ظن بعض القبائل أن تسمية الأبناء باسم الحيوان ما يحفظهم من أعين الإنس والجن، وهذا ما يسمونه "بالنقير" وقيل لأعرابي لم تسمون أبناءكم بشر الأسماء نحو كلب وذئب، وعبيدكم أحسنها نحو مرزوق  ورباح؟ فقال: إنما نسمي أبناءنا لأعدائنا، وعبيدنا لأنفسنا، كما أن بعض قبائل العرب تسمت بأسماء آلهة كبني هلال وشمس وبدر، بينما الحيوانات التي تسمى بها البعض هي في الأصل كانت معبودة عندهم.

يروي الجاحظ حادثة دالة على طوطمية النسب إلى حيوان حين يقول: "قلت مرة لعبيد الكلابي وقد أظهر من حبّ الإبل والشّغف بها ما دعاني إلى أن قلت: أبينها وبينكم قرابة؟ قال نعم، خؤولة، إني والله ما أعني البخاتي ولكنّي أعني العراب التي هي أعرب. قلت له: مسخك الله  تعالى بعيرًا، قال: الله لا يمسخ الإنسان على صورة كريم، وإنما يمسخه على صورة لئيم …".

هذا ويزداد  تضخم الاعتقاد الأسطوريّ العربيّ بالقول بوجود نسب مع الجنّ الذي وصفوه وصفًا حيوانيًا فقالوا عن بلقيس ملكة سبأ إنها من نسل الجن، كما أن حروبًا طويلة دامية وقعت بين قبائل الجنّ وقبائل الإنس من العرب، منها حروب بني سهم الذين كانوا قد قتلوا ابن امرأة من الجن، عقب حجه وطوافه بالبيت فوقعت الوقيعة، وقتل الجن من بني سهم خلقا كثيرين، وكان أن نهضت بني سهم وحلفاؤها ومواليها وعبيدها، وركبوا رؤوس الجبال وشعابها، فما تركوا حية ولا عقربًا ولا خنفساء ولا هامة تدب على الأرض، إلا قتلوها… وقيل أن الجن ضجت بما حدث فطلبت وساطة قريش وانتهى النزاع.

وكم جاء ذكر الحيوان في كثير من أشعار العرب وأمثالهم وحكاياتهم، كما أن هذا الإرث الأسطوري الحيواني انتقل من العصر الجاهلي إلى العصور الإسلامية التالية، إذ ساهم في إثراء الرمزية الحيوانية للمخيلة العربية وأغنى أدب الحيوان في المراحل التي أعقبت عصر البداوة العربية الأولى.

وبما أن المخيال العربي تربى وتطور في بيئة مفتوحة، فكان من الطبيعي أن يكون التراث الأسطوري والخرافي العربي قد تشكل نتيجة تداخل البيئة العربية مع بيئات أخرى مثل اليونانية والفارسية والهندية؛ ويلاحظ ذلك جليًا في بعض الأمثال والحكايات والاعتقادات التي نلفيها تتناص في أكثر من صعيد مع نظيراتها في البيئات الأخرى.

إن ضخامة المنتج الفولكلوري والأسطوري الذي خلفه العقل العربي والذي دون في الأشعار والأمثال والحكايات ورسم على الصخور وفي المغارات يؤكد على حيوية العقل وسعة الخيال العربي، كما يوحي أن العربي عاش مرحلته الأسطورية الخاصة به والتي تتميز عن الأجواء الأسطورية اليونانية أو الخرافات الهندية.

كما أن الحيوانات التي تربت في حظيرة التداول في الآداب الشعبية عبر الأمثال والحكايات قد أعطت صبغة الأصالة للأسطورة العربية رغم مشاركتها في بناء أساطير وخرافات عالمية بفعل التأثير والتأثر، ويمكننا أن نقرأ ذلك بوضوح في حكايات ألف ليلة وليلة التي تعد نص أسطوري عالمي بامتياز تتواجد فيه البصمة الخرافية العربية، وهي ضاربة في جذور التفكير الأسطوري العربي القديم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.