منذ فجر التاريخ، نظر الإنسان إلى السماء وتساءل: هل نحن وحدنا في الكون؟ هذا السؤال الوجودي هو المحرك وراء واحد من أعظم المساعي العلمية والفلسفية: البحث عن حياة خارج الأرض. لقد انتقلت فكرة الحياة في الفضاء الخارجي من مجرد حلم يراود الفلاسفة إلى قصص ملهمة في الخيال العلمي، ثم إلى مشاريع فلكية عملاقة تستخدم أحدث التقنيات.
في هذا المقال الشامل، سنستعرض تاريخ الاتصال بالفضاء، بدءًا من المحاولات البدائية، مرورًا بالمشروعات الرائدة مثل مشروع أوزما (OZMA)، وصولًا إلى أحدث ما توصل إليه العلم في استكشاف الكواكب الصالحة للحياة، لنحاول الإجابة على السؤال الأزلي: هل توجد حياة على الكواكب الأخرى؟
بدايات البحث عن حياة خارج الأرض
كانت فكرة البحث عن حياة خارج الأرض وما زالت واحدة من أكثر الأفكار إلحاحًا في فكر الإنسانية عبر عمرها الطويل. هذا السؤال العميق عن الحياة في الفضاء الخارجي وإمكانية وجود الحضارات الفضائية المتقدمة لم يقتصر على العلماء والفلاسفة فحسب، بل امتد ليصبح وقودًا للخيال الأدبي والعلمي.

بدايات البحث عن حياة في الكون من الفلسفة إلى الأدب
لقد انتقلت هذه الفكرة من العلماء والفلاسفة إلى الأدباء، فكان نتاجها روايات كثيرة تتحدث عن غزو سكان الفضاء للأرض، أو رحلات من سكان الأرض إلى ما يحيط بها من كواكب وتوابع، مثل رواية «War of the Worlds» للمؤلف هـ. ج. ويلز عام 1898م. ومنذ مشى الإنسان منتصب القامة على سطح هذه الأرض، وهو يتطلع نحو السماء ويتساءل: هل توجد حياة على الكواكب الأخرى؟ ومنذ آلاف السنين والإنسان يتخوف من وجود حضارات أكثر تقدمًا ورقيًّا من حضارتنا خارج الأرض، ولقد صوّر كتّاب الخيال العلمي والحياة في الكون كائنات مخيفة وحيدة العين، خالَها ملايينُ القرّاء وكأنها حقيقة سيكشف عنها المستقبل.

وفي مجرتنا وحدها أكثر من 100 ألف مليون نجم، خُمسُها على الأقل مثل شمسنا، وهي ما تُعرف بـالنجوم الشبيهة بالشمس والكواكب الصالحة للحياة، ووفقًا لما يقوله عالم الفلك البروفيسور أرشيبالد روى، فإن نصف هذا الخمس (10 آلاف مليون نجم) لكلٍّ منها كواكب تدور حوله، ويُحتمل أن توجد فيها الحياة.
وفي خمسينيات هذا القرن وصف عالم الفلك الفيزيائي الأمريكي سوشو هوانج، الذي يعمل في إحدى جامعات إلينوي، نمط الحياة التي يُحتمل وجودها في كواكب ومجرات أخرى غير مجرتنا، فقال: إنها يجب ألا تكون حارة جدًّا حتى لا يتبخَّر الماء فيها، ويجب ألا تكون باردة جدًّا حتى لا يتجمَّد الماء فيها، فإذا ما توافر جو كهذا فإن وجود حياة هناك أمر محتمل، فلا يوجد سبب منطقي يمنع ذلك.
المحاولات الأولى للاتصال بالكائنات الفضائية من المرايا إلى الأضواء
لطالما حلم الإنسان بـالاتصال بسكان الفضاء، ولعل أول محاولة كانت عندما أخذ الإنسان، بعد اكتشاف النار، يشعل الحرائق فوق التلال، غير أن إشعال النار لا يكون أكثر من دليل على الإنذار بوجود خطر. ولذلك فإن المحاولة الأولى كانت بعد اختراع صموئيل مورس للتلغراف الكهربائي عام 1836م، ولما كان من المتعذر إرسال إشارات مورس (التي تحتاج إلى أسلاك كهربائية) إلى الفضاء، فقد اتجه التفكير إلى إرسال تلك الإشارات باستخدام الأشعة الضوئية من مصدر ضوئي، أو باستخدام أشعة ضوء الشمس التي تعكسها مرآة ضخمة.
وكان المخترع الفرنسي شارل كروس أول من فكر باستخدام مرآة ضخمة لعكس أشعة الشمس من الأرض إلى المريخ على أمل الاتصال بسكان الفضاء بعد تحريك المرآة إلى الأمام والخلف، بيد أن كبر حجم المرآة كان يحول دون تحريكها، ثم يضمن أن سكان المريخ -إن وجدوا- سوف يفهمون الرسالة ويجيبون عليها، ولذلك، عندما مات كروس في باريس عام 1888م، ماتت الفكرة معه.
اقترح فيما بعد المهندسون العاملون مع المخترع الأمريكي توماس أديسون فكرة أفضل، فنادوا بعمل طوف عملاق طول ذراعه عشرة أميال، وتعويمه فوق بحيرة ميشيغان، بعد تزويده بالمصابيح الكهربائية التي توصَّل أديسون إلى اختراعها حديثًا. واقترحوا إضاءة المصابيح مدة عشر دقائق، وإطفاءها مدة عشر دقائق، وتكرار هذه العملية كإشارة إلى سكان الفضاء بأن على سطح الأرض حضارة متقدمة تحاول مخاطبتهم. بيد أن أديسون رفض تجربة الفكرة، محتجًّا بأن منازل نيويورك وشوارعها أحوج إلى الطاقة التي سوف تُستنفد في هذه التجربة، وهكذا ماتت هذه الفكرة في مهدها.
اكتشاف موجات الراديو نافذة جديدة نحو النجوم
وقد ظلت الفكرة تراود عقول الناس ومخيّلاتهم في القرن التاسع عشر، كان بعضهم يتشوَّق إلى تنفيذ الفكرة، في حين كان بعض آخر يصاب بالهلع عندما يفكِّر في إمكانية نجاحها.
وفي عام 1898م كتب هـ. ج. ويلز قصته المفزعة «حرب النجوم» التي تحدّث فيها عن غزو الأرض من قِبَلِ سكان المريخ بأسلحة مميتة، وظل الأمر محصورًا في مجال الخيال والروايات الخيالية. وكان بعضهم يتخوف من تحقيق الفكرة ونجاحها، نظرًا لأن نجاحها، حسب رأيهم، سيلفت الانتباه إلى كوكبنا ويعرضه لاحتمالات الغزو بالفعل.
ومع ذلك أعلن ناشر إحدى الصحف في باريس عن جائزة مقدارها 100,000 ألف فرنك لمن يستطيع الاتصال مع أي كائنات حية غريبة تعيش في مجرتنا باستثناء المريخ، غير أن أحدًا لم يفز بالجائزة، بل تلقى الناشر رسائل عدّة من مواطنين عاديين يطلبون منه عدم تشجيع فكرة الاتصال بالغرباء في الفضاء الخارجي، وبإلغاء الجائزة.
Image: An illustration of radio waves emanating from Earth into deep space.
ولكن، شئنا أم أبينا، فقد بدأنا الاتصال بالفضاء الخارجي منذ اختراع موجات الاتصال اللاسلكي في مطلع هذا القرن، كما أن موجات الإرسال الإذاعي والتلفزيوني تتسرب إلى الفضاء الخارجي.
وصحيح أن مثل هذه الموجات، كلما ابتعدت، تضعف، غير أنه في الإمكان تقويتها وإعادة استقبالها إذا افترضنا وجود حضارات متقدمة في الفضاء الخارجي. ثم إنه توجد مشكلة أخرى ظلت تبحث عن حل، هي: لو فرضنا أن سكان الفضاء بثّوا إلينا موجاتهم اللاسلكية، فعلى أي موجة يمكن التقاطها؟
في عام 1943م قدّم لنا عالم الفلك الهولندي هندريك فان دي هولست حلًّا معقولًا لتلك المشكلة، قال إن ذرات الهيدروجين يمكنها، إن غيَّرت طاقتها بفعل المؤثرات الكونية، أن تبث طاقة لاسلكية ضعيفة على موجة الراديو 21 سنتيمترًا، ولو فرضنا أن سكان الفضاء يعرفون هذه الحقيقة مثلما نعرفها، يصبح عندئذ من السهل تبادل الإشارات اللاسلكية من الفضاء بيننا وبينهم على هذه الموجة.
المشروعات العلمية الحديثة في البحث عن حياة خارج الأرض
ولقد تمت أول محاولة رسمية للاتصال بالفضاء الخارجي في عام 1960م، عندما وجّه عالم الفلك الأمريكي الدكتور فرانك دريك قرصًا هوائيًّا ضخمًا «قطره 85 قدمًا» للمرصد الوطني في جرين بانك في غرب فرجينيا نحو النجمين «E.E» و«T.C». وقد اختار العالم هذين النجمين لقربهما منا «على بعد 11 سنة ضوئية».
مشروع أوزما (Project OZMA)
أطلق فرانك دريك على مشروعه الاسم الرمزي «OZMA»، وقد أبقى أمر هذا المشروع سرًّا خشية أن يتعرض لسخرية النقاد أو يتهم بتبذير الوقت وإساءة استخدام معدات الرصد، وطول ثلاثة أشهر ظل الدكتور دريك ينتظر سماع أيَّ إشارات كونية وأصوات من الفضاء قبل أن يعلن أمام زملائه أنه لا يعتقد بوجود حياة متقدمة على بعد معقول من كوكبنا.
مشروع بيونير ورسائل الفضاء
أما في عام 1972م، فقد قذف علماء مشروع «بيونير» رسالة في زجاجة إلى الفضاء الخارجي، فيما يُعرف بـمشروع بيونير ورسائل الفضاء، ورسموا عليها خريطة لموقع كوكب الأرض مع صورة لامرأة ورجل رافعين اليد كتحية، ومع إشارة إلى الاتصال بالأرض على الموجة 21 سنتيمترًا. وبعد أربع سنوات، أعلن العلماء «في عام 1976م» أن رسالتهم لم تأتِ بنتيجة، وأنها ربما تكون قد أصبحت إحدى النفايات السابحة في الفضاء.
وكان الكاتب العلمي إبان ريد بات قد شكّ في استجابة وفهم سكان الفضاء لمغزى صورة الرجل الرافع اليد بالتحية، فأخذ صورة مماثلة وعرضها على مجموعة من قردة الريسوس في قفص، فظنت القردة أن الرجل سيهاجمها. وتُعد هذه من التجارب الرمزية التي تظهر صعوبة التواصل بين الأنواع المختلفة. ولذلك، وُضِعت في عام 1977م رسالة ثانية في الفضاء الخارجي على متن مسباري فويجر محمَّلة بأشرطة فيديو، وأصوات العصافير والحيوانات الأخرى، وبعبارات التحية بخمسًا وخمسين لغة مختلفة.
البحث مستمر من رسائل بيونير SETI إلى تلسكوب جيمس ويب
والآن، لقد توقف مشروع «OZMA» وذهب طي النسيان، غير أن تطلع الإنسان إلى مخاطبة سكان الفضاء لم ولن يتوقف، إذ ما تزال هناك عدة جهات في أمريكا وسواها من البلدان تسعى لتحقيق تلك الفكرة، من بين هؤلاء مؤسسات كبيرة أو صغيرة وأفراد، أبرزها اليوم مشروع SETI معهد سيتي (SETI Institute).
والأهم من ذلك، أن أدواتنا أصبحت أكثر تطورًا. فتلسكوب جيمس ويب الفضائي (James Webb Space Telescope) لا يكتفي بالبحث عن كواكب جديدة، بل يستطيع تحليل الغلاف الجوي لتلك الكواكب، والبحث عن بصمات حيوية (Biosignatures) مثل وجود الأكسجين أو الميثان، مما قد يكون دليلاً على وجود حياة.

غير أنه يجب ألا ننسى شيئًا واحدًا، وهو أن الإشارة قد تستغرق من 20 إلى 30 سنة حتى تصل من الأرض إلى مستقبليها في الفضاء، وإلى فترة مماثلة حتى تتلقى الإجابة!
هل توجد حياة ذكية خارج كوكب الأرض؟
حتى تاريخ اليوم (أغسطس 2025)، لا يوجد دليل علمي مؤكد على وجود حياة ذكية خارج الأرض. ومع ذلك، فإن الاحتمالات الإحصائية، نظرًا للعدد الهائل للكواكب الصالحة للحياة، تجعل كثيرًا من العلماء يعتقدون أن إمكانية وجود كائنات فضائية أمر مرجح.
ما أبرز المشروعات العلمية للاتصال بسكان الفضاء؟
أبرز المشاريع التاريخية هي مشروع أوزما (OZMA) الذي كان أول محاولة للاستماع للإشارات، ومشروع بيونير الذي أرسل رسائل مادية. أما حاليًا، فتعتبر مشاريع SETI هي الأبرز في مجال البحث عن إشارات لاسلكية من الفضاء.
ما حقيقة رواية حرب العوالم لـ هـ. ج. ويلز؟
رواية حرب العوالم هـ. ج. ويلز هي عمل من الخيال العلمي صدر عام 1898. شهرتها تضاعفت بعد البث الإذاعي الذي قدمه أورسن ويلز عام 1938، الذي كان واقعيًا لدرجة أنه أثار هلعًا حقيقيًا بين المستمعين الذين ظنوا أن هناك غزوًا فضائيًا فعليًا.
في النهاية، يظل البحث عن حياة خارج الأرض واحدًا من أكثر المساعي العلمية إثارة وعمقًا. من رسائل الفضاء إلى المريخ والكواكب الأخرى، إلى الاستماع الدؤوب لأصوات الكون، تستمر البشرية في طرح سؤالها الأزلي، مدفوعة بالأمل والفضول، في انتظار إجابة قد تغير مفهومنا عن أنفسنا وعن الكون إلى الأبد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.