ازدهار الحياة العلمية في تلمسان.. رحلة العلوم في عهد بني زيان

لطالما عُرفت تلمسان في المغرب الأوسط بأنها منارة للعلم والمعرفة، ولكن في عهد الدولة الزيانية، بلغ الازدهار العلمي ذروته ليجعلها قبلة للعلماء والطلبة من كل حدب وصوب. وعند تصفحنا لكتاب يحيى بن خلدون «بغية الرواد فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد» وهو أحد المؤرخين لهذه الدولة، نجده يشيد بالحياة العلمية بها، فتارة يصفها «بمحل العلماء المحدثين والصلحاء»، وتارة أخرى يقول فيها: «بها معدن العلماء الأعلام والأولياء المشاهير، نجابة في الدرس والعبادة، تشهد بذلك المزارات المحجوبات من الأقطار النائية خارج بلدهم بالأخبار المتواترة على لسان الخاص والعام».

بهذا الوصف، يمكننا استقراء أن تلمسان وأحوازها كانت ذات شأن رفيع في الحياة العلمية. هذا المقال سيكشف عن أسرار الثراء العلمي في تلمسان، ويستعرض أبرز مظاهر الرقي، وأهم العلماء الذين برعوا في العلوم العقلية والنقلية.

حينما راز الرحالة القلصادي تلمسان أبدع في وصف ازدهار الحياة العلمية بهذا الوصف: «وأدركتُ فيها كثيرًا من العلماء، والصلحاء والعباد والزهاد. وسوق العلم حينئذ نافقة، وتجارة المتعلمين والمعلمين رابحة، والهمم إلى تحصيله مشرقة، وإلى الجد والاجتهاد فيه مرتقية، فأخذت فيها بالاشتغال بالعلم على أكثر الأعيان المشهورين لهم بالفصاحة والبيان».

مظاهر الرقي العلمي في عهد بني زيان

فقد تنافس سلاطين بني زيان على إنشاء المدارس والزوايا والمساجد، ووقفوا بأنفسهم على اختيار لها أحسن المدرسين، كما سرد لنا محمد التنسي تاريخ هذه الدولة، فإننا لا نجد فترة زمنية تخلو من تشييد مدرسة أو مسجد ووقف عليهما. والعناية بالمتصوفة وزواياهم وزيارتها من خلال السلاطين دليل واضح على هذا الازدهار والنضوج.

ومما نلاحظه في هذه الفترة زيادة عدد المؤلفات التي تشمل العلوم العقلية والنقلية. ويمكن أن نرد سبب هذه الزيادة إلى ظهور صناعة النسخ التي كان لها دور مهم في الدفع بعجلة الحياة العلمية نحو التطور والرقي، فعملية النسخ أصبحت مرادفة لمصطلح الناشر في وقتنا الحالي، وقد شملت عملية نسخ الكتب مختلف الفنون والعلوم. لذا كثرت المؤلفات، وهذا ما ساعد على انتشار العلم.

والمعلوم أن العلوم التي دخلت وراجت في المغرب كان الفضل فيها للشرق أولًا ثم الأندلس ثانيًا، لذا كانت الرحلة خصوصًا إلى المشرق ضرورة لطلب العلم، لكن في هذا العصر نجد أسماء مشرقية دخلت المغرب، وهذا لا ينفي وجود المشارقة في فترات سابقة، لكن في هذه الفترة نجدهم يلتقون بعلماء المغرب ويحضرون مجالسهم، ومن جملة المشارقة الذين دخلوا المغرب وذكرهم الغبريني، تقي الدين الموصلي الذي دخل بجاية في القرن السابع الهجري، وأبو زكريا المرجاني الموصلي.

ومن أبرز مظاهر هذا الثراء المناظرات العلمية، التي كانت تُقام داخل القصور في المساجد والمدارس، ومن أمثلة ذلك عصر السلطان أبي زيان محمد بن أبي حمو الذي كانت حاضرته مقر المناظرات كما وصفها الحافظ التنسي.

وأهم من ذلك هو وجود المحرك لهذ الحركة العلمية المتمثل في «العلماء» الذين برعوا في مختلف المجالات. وعن كثرة هؤلاء في هذا العصر يقول يحيى بن خلدون: «وهذا ما أمكن الإلمام به من أسماء القوم سوى من أنجبته من الطلبة العراف والأمناء الثقات والصناع الحذاق، في كل صنف، ولو رمنا استيعاب ذكرهم لضاقت صدور الدفاتر عمن انتهى إلينا خبره منهم».

الحياة العلمية خلال الثراء العلمي

لقد عددنا أسباب هذا الثراء العلمي، كما ذكرنا أبرز وأهم مظاهره، لكن لا بد من تنويه أن هذا الازدهار والرقي لم ينبع من معطيات العصر فقط، وإنما كان نتاج سلسلة طويلة من التجارب والنتائج والصراعات، حتى تم الوصول لهذا الثراء والتنوع.

فالحياة العلمية في عهد الزيانيين ما هي إلا ترجمة لتجربة طويلة مرَّ بها المغرب الأوسط، إضافة إلى اتحادها مع ما قدمه هذا العصر من تسهيلات للوصول لهذا النضج العلمي. وهذا ما تعكسه الحياة العلمية خلال هذه الفترة الزمنية، التي تعد الركيزة الأساسية لبناء الهوية الوطنية التي حافظت على المجتمع أمام الأزمات التي لحقته في أثناء الاستعمار الفرنسي.

أنواع العلوم في العهد الزياني

وتنقسم لفروع متعددة منها:

العلوم الدينية

الذي طغى على هذه الفترة هو وجود التصوف؛ إضافة إلى تقبل العلماء المالكية للعقيدة الأشعرية، كما اهتموا بكتب الأصول والفروع معًا، وفُتح باب الاجتهاد.

  • الفقه: برز في هذا العلم كثير من الأسماء ولا يسعنا ذكرها، سنضرب مثالًا بالفقيه «محمد بن علي بن مروان بن جبل الهمذاني» كان فقيها حافظًا للمسائل، بصيرًا بالفتيا في النوازل، ولي قضاء تلمسان، وسبتة وغرناطة ومرسية.
  • الحديث: ومن الذين برعوا في هذا العلم، نذكر «أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد المجاصي البكاء» من أهل الحديث والزهد والورع.
  • التفسير: ومن كبار المفسرين في هذا العهد «أبو عثمان سعيد بن محمد العقباني التلمساني»، كان إمامًا في الأصول والفروع، وله مؤلفات نذكر منها ما يخص التفسير «تفسير سورة الفتح». توفي 811هـ.
  • التصوف: من الأقطاب الصوفية المعروفين «أبو عبد الله الحلوي» من النازلين بتلمسان، وكان من أعيان الصوفية، وله كرامات.

علوم اللغة

وفي هذه العلوم المتشعبة والكثيرة لا يسعنا في هذا الفصل إلا ضرب مثل بشخصية واحدة متمثلة في «عيسي بن يوسف بن أبي بكر الصنهاجي أبو موسى» كان ذا حظ نبيه في الرواية والأدب والكتابة وقرض الشعر، جيد الخط، ضابطًا للكتب، تُوفي بمراكش 641هـ.

علم التاريخ

خلال هذه الفترة الزمنية نلاحظ زيادة المنتوج التاريخي، بغية تخليد المآثر؛ لأن هذ الفترة الزمنية في المغرب الإسلامي كانت حساسة لما فيها من توتر وتنافس واضطراب. ومن أهم مؤرخي هذه الفترة يحيى بن خلدون الذي ألف كتاب «بغية الرواد فى ذكر الملوك من بنى عبد الواد»، ومحمد بن عبد الله التنسي وله «نظم الدر والعقيان»، وابن مرزوق الذي كتب «المسند الصحيح في مآثر ومحاسن مولاي أبي الحسن». وشهد هذا العصر على غرار العصور السابقة كثرة كتب التراجم، مثل «الوفيات» للونشريسي، وغيرها.

يحيى بن خلدون

العلوم العقلية

أقبل العلماء خلال هذا العصر على العلوم العقلية، وهي إحدى مميزات هذا العصر، فنجد كثيرًا من العلماء برعوا في العلوم العقلية والنقلية معًا. وهذا الإقبال يعود للنضج الذي وصل إليه العلماء في العلوم العقلية، كما كان للثورة التومرتية ثمرات إيجابية من خلال نبذ التقليد، وإعمال العقل.

علم الكلام

من الذين اهتموا بهذا العلم خلال هذا العصر «أحمد بن محمد بن زكري المانوى التلمساني» إمام المعقول، المؤلف، الناظم الناثر، صاحب النظم في علم الكلام المسمى «محصِّل المقاصد» وغيره من التآليف الحسنة.

الحساب والفرائض

يُعد «عيسى الرتيمي» المشهور بزيان أحد البارعين في هذا اللون من العلوم، يقول القلصادي: «كان متمكنًا في علم الفرائض والعدد، أوحد عصره وفريد دهره في هذا العلم».

وقد اشتهر أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل المشهور «بالزيدوي» في علم الرياضيات، توفي 845هـ/ 1441م، ودُفن خارج باب كشوط .

الهندسة

لقد ذكر يحيى بن خلدون «أبو الحسن علي بن أحمد» المعروف بابن الفجاج ووصفه بأعرف أهل زماننا بفنون التعاليم، ظهر على يده من الأعمال الهندسية «المنجانة» المشهورة بالمغرب فأثابه عنها ملوك بألف دينار، كما أنه ذكر لنا «أبو عثمان سعيد بن محمد العقباني» حذق في الحساب والهندسة، وولي قضاء تلمسان وبجاية ومراكش وسلا ووهران وهنين.

الطب

ومن الذين ألَّفوا في مجال الطب «ابن القنفذ القسنطيني» وله كتاب «أنس الحبيب في عجز الطبيب»، وأبو عبد الله الشريف (771هـ) الذي كان إمامًا في العلوم العقلية كلها طبًا وتشريحًا، كما عرف القرن التاسع أمهر طبيب بتلمسان «محمد بن علي بن فشوش» طبيب كفء، ذاع صيته وقصده الطلاب من كل منطقة.

في الختام، يتضح أن تلمسان في عهد بني زيان لم تكن عاصمة سياسية فقط، بل كانت بوتقة علمية حقيقية. بفضل رعاية السلاطين، وإنشاء المدارس، والتبادل الثقافي الخصب بين المشرق والأندلس، ازدهرت العلوم النقلية والعقلية جنبًا إلى جنب. هذا التراث العلمي الغني، كما وثقه يحيى بن خلدون والتنسي، لم يكن مجرد مرحلة عابرة، بل كوَّن الركيزة الأساسية للهوية الثقافية للمغرب الأوسط.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

أحسن الكاتب في غبراز الصورة العلمية والثقافية لحاضرة تلمسان
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.