تُعد الحياة السياسية في الدولة العباسية واحدة من أكثر الفترات ثراءً وتعقيدًا في التاريخ الإسلامي، فبعد أن قامت على أنقاض الدولة الأموية، شهدت الدولة العباسية تحولات جذرية أثرت في تاريخ الخلافة العباسية كله. إن فهم السياسة في العصر العباسي يتطلب الغوص في تفاصيل نظام الحكم في الدولة العباسية الذي اعتمد في بداياته على النفوذ الفارسي قبل أن يشهد صراعات داخلية عنيفة.
يستعرض هذا المقال الشامل التاريخ السياسي للدولة العباسية، ويحلل تطور السياسة في عهد الدولة العباسية، بدءًا من أسس قيامها، مرورًا بأبرز الخلفاء العباسيون، وصولًا إلى العوامل التي أدت إلى تفككها، موضحًا كيف كان تغير نظام الحكم من العصر الأموي إلى العباسي نقطة تحول كبرى في تاريخ المنطقة.
أسس السياسة في العصر العباسي تأثير الفرس والشعوبية
إن الحياة السياسية التي نحن بصددها تكونت معطياتها من وقوع ما زخر به العصر العباسي من تفاعلات التأثر والتأثير بالأعاجم، الساعين حثيثًا للرجوع بسلطتهم وسلطانهم إلى بلاد العرب؛ ولذا فقد قامت الدولة العباسية على أكتاف الفرس خاصةً والشعوبية عامةً، والعرب المناهضين للدولة الأموية، ممن يناصرون الهاشميين «علويين وعباسيين»، وعلى أثر ذلك مالت كفّة العرب والعروبة، ورجحت كفة الأعاجم، وأصبح العرب عنصرًا من العناصر الكثيرة التي احتوتها دولة بني العباس.

وكان الأثر الفعال في انتشار العجمية داخل تلك الإمبراطورية، تغلغل الفرس في صلب الدولة، إذ برز منهم في واجهة الحكم المساعد للخليفة: القادة والوزراء والحجاب والولاة والكتّاب. وما ذلك إلا لأن قاعدة الدولة نُقلت من دمشق العربية إلى بغداد التي أصبحت عاصمة الدولة العباسية على حدود فارس، وبجوار مدائن كسرى. وعلى الأثر، تحول وجه الدولة عن البحر المتوسط، وتوجه شطر فارس؛ وساعد هذا في تمكين الفرس من إدخال سياسة الحكم المطلق التي جعلت قصور الخلفاء في بغداد أشبه بقصور الأكاسرة في المدائن.
العصر العباسي الأول (العصر الذهبي) وصراعاته المبكرة
يُعرف العصر العباسي الأول بالعصر الذهبي، فقد شهد استقرارًا وقوة مركزية للخلافة، لكنه لم يخلُ من الصراعات السياسية في الدولة العباسية.

وأما الأثر الفعال المباشر لبسط سلطة الخليفة العباسي، فيتمثل في مساعدة الفرس الذين تمكنوا من إخماد الثورات في العصر العباسي المناهضة لقيام دولة بني العباس، وعلى رأسهم الموالي الذين انضموا إلى أبي مسلم الخراساني سنة 129هـ/746م في ثورته لهدم أسس الدولة الأموية، وإرساء دعائم الدولة العباسية التي تسنَّى لها بسط سيطرتها، وإرساء سلطاتها سنة 132هـ/749م، وقد تسنَّى لهذا السلطان أن يمتد ما يقارب الثمانية قرون.
واشتهر العصر العباسي بخلط السياسة بالدين، على ادعاء إحياء السنة بالدين، وإقامة العدل، وإرجاع الخلافة الحقة بدلًا من الملك الذي أقامه الأمويون. وفي هذا السبيل نشأ صراع طويل بين الخلفاء العباسيين وبين العرب والفرس، حينئذ يبرز أبرز الخلفاء العباسيين وتأثيرهم السياسي:
فقد سجّل التاريخ لأبي جعفر المنصور 159هـ/775م جرأته في القضاء على النفوذ الفارسي، وتبع هذه الجرأة بخطى ثابتة الهادي 169هـ/785م، والمهدي 170هـ/786م، ثم هارون الرشيد 194هـ/809م الذي تمكن من القضاء على البرامكة.
وحين تربع الأمين 198هـ/813م على سلطان الخلافة، شعر الفرس بمناوأته لهم، فلم يناموا على ضيم، وسرعان ما تخلصوا منه وأقاموا المأمون 218هـ/833م واجهة لسيطرتهم، ولو إلى حين انتفاضه عليهم وقضائه على وزيره ثم كاتبِه الفارسيَّيْن.
ولو رجعنا إلى تلك الحقبة -التي نحن بصددها- لرأيناها مليئة بالصراع الدائم، بين العباسيين أنفسهم، وبين العباسيين والفرس، وبين الفرس والعرب، وبين العرب أنفسهم. وليس أدل على ذلك من الاغتيالات الكثيرة التي تناولت قسطًا وافرًا من الخلفاء البارزين، أمثال أبي جعفر المنصور الذي حاولوا اغتياله، وأمثال الهادي والمهدي والأمين الذين اغتيلوا واحدًا إثر آخر، إلى جانب قادة الحركة العلوية.
كانت الخلافات السياسية في العصر العباسي سمة بارزة، وعلى الرغم من محاولات سياسات الخلفاء العباسيين لضبط الأمور، فإن التوترات العرقية والسياسية ظلت قائمة. وإذا كان العصر العباسي قد عج بالحركات الدينية، فإن خلفاء هذا العصر استفادوا من الدين لتثبيت مركزهم السياسي، حتى أمسى الناس يطيعونهم إمّا تدينًا وإمّا رهبةً أو رغبةً.

وكانوا حريصين على الزيادة من الاستفادة، فعمدوا إلى فكرة المهدي المنتظر، أمل الغد عند الجماهير المتبعة التي تنتظر من يخلصها من شقاء السياسة التي تسومهم أنواع العذاب، وسرعان ما التهب العصر بتلك البارقة النيرة، وسطعت عقيدتها بوهج صارخ بين عامة الناس، وصارت الشعار الديني الممزوج بحدة السياسة الذي يرفعه كل ناقم أو ساخطٍ للإسراع بالثورة ضد أعدائه والمخططين للقضاء عليه.
واصطنع قادة الحكم وخلفاؤهم الأحاديث النبوية الموضوعة لتثبيت دعواهم بأن المهدي منهم، وزيادة في تثبيت سطوتهم، جعلوا يتكلون بمن جافاهم، واصطنعوا ضدهم المكائد والمصايد، فكان من يفلت من مواجهتهم يقع في حبائلهم، ويصير إمّا مستسلمًا لهم، وإمّا مقتولًا برجالهم وعملائهم المنتشرين في أرجاء دولتهم المترامية، ومع الزمن المتحول إلى دسائس وافتراءات.
العصر العباسي الثاني عصر نفوذ الأتراك وتفكك الدولة
شهد العصر العباسي الثاني بداية العوامل التي أدت إلى ضعف الدولة العباسية، فبدأ نفوذ الخلفاء يتقلص لمصلحة القادة العسكريين خاصة الأتراك، وتفككت الدولة إلى دويلات شبه مستقلة.
فكاد القادة لبعضهم ونقم رجالات الدولة على حكامهم، وبدأ الحقد يذر قرنه في جسم الخلافة لينخر كرسي الحكم فيها، كيما تضعف وتنهار، وشهد العصر قبل انهيار الخلافة أحقابًا متتالية من التفسخ السياسي، سرعان ما أدى إلى تفسخ إقليمي، يتفرّع الحكم الواحد إلى حكام، والدولة الواحدة إلى دويلات.
وأغلب الظن أن الدولة الأولى التي ذرت قرنها في فتنة الدويلات التي انقسمت على الدولة الأم، هي دولة بني طاهر، وسبب هذه التسمية يعود إلى نسبتها إلى طاهر بن الحسن الخراساني 207هـ/822م الذي قاد الجيش الفارسي للقضاء على الأمين، وإحلال المأمون مكانه. وما كاد هذا الأخير يولّيه خراسان، والبلاد الواقعة شرقي بغداد، حتى أعلن استقلاله، وبقي بالاسم فقط تابعًا لمركز الخلافة في بغداد، وبقي أيضًا يدعو للخليفة في الخُطب أيام الجُمَع، وقد جعل مدينة نيسابور عاصمة له.

وحلّت الدويلة الصفارية 867–907م محل دويلة بني طاهر، وعندما قويت هددت بغداد في عهد خليفتها المعتمد يومذاك، ولكن السامانيين لم يمهلوها لتطبق وعيدها، إذ سرعان ما قضوا عليها، وأسسوا الدويلة السامانية التي دامت حتى سنة 999م.
وتتابع إنشاء الدويلات، فنشأت الدولة الغزنوية، وكان أعظم ملوكها محمود الغزنوي 421هـ/1030م الذي تمكن من فرض سيطرته على بلاد البنجاب وملتان والسند، ومن احتلال قسم من العراق وخراسان وأصبهان وطخارستان وسجستان وغيرها من البلاد المجاورة.
إن نظام الحكم العباسي في هذه المرحلة أصبح اسميًّا، مع سيطرة قادة الجند على الإدارة في العصر العباسي، ويرينا عهد الخليفة المقتدر 320هـ/932م مزيدًا من التقاتل والتناحر داخل الحكم الواحد الذي تناوب عليه ثلاثة عشر وزيرًا، انتهى حكم أكثرهم قتلًا، وهذا يوضح دور الوزراء في نظام الحكم العباسي الذي أصبح محفوفًا بالمخاطر. وقد حاول ابن المعتز 296هـ/908م أن يأخذ الخلافة من المقتدر، فلم يتسنَّ له أن يستمر أكثر من يوم وليلة فانتهى قتيلًا.
ومن الثائرين الذين ظهروا في هذه الحقبة من العصر العباسي: عبد الله الفاطمي 297هـ/909م في المغرب العربي، وعبد الرحمن الثالث الأموي في الأندلس، ومنهم أيضًا رئيس حرس الخليفة المقتدر، الخصي مؤنس المظفر الذي ولاه مولاه شؤون دولته، فخلعه وعيَّن أخاه القاهر 323هـ/934م خليفة مكانه، وحين تمكن المقتدر من العودة ثانيةً إلى الخلافة، ثار عليه العسكر، وسعوا إلى قتله، ثم حملوا رأسه إلى الخصي المظفر.
ولم يكن حظ القاهر بأحسن من حظ أخيه المقتدر، فقد خُلِع من كرسي الخلافة، وسُمِلت عيناه، وعُذّب وقُهِر، وعاش متسوّلًا يستعطي الناس في عاصمة الخلافة. وهذه الحالة المزرية أصابت الخليفتين المتقي 333هـ/944م والمستكفي 445هـ/946م، فقد عُذّبا وسُمِلت عيونهما، ورُميا في شوارع بغداد ليشحذا وينهيا حياتهما بالتسول.
وصول البويهيين إلى الحكم
وعلى هذه الشاكلة، وصل بنو بويه إلى الحكم 945هـ/1055م، وهم يدَّعون الانتساب إلى ملوك آل ساسان الفرس، وبدأت سلطتهم عندما دخل أحمد بن بويه على الخليفة المستكفي، فجعله أمير الأمراء. وبعد أن احتل البويهيون أصبهان وشيراز والأهواز وكرمان، زحف أحمد بن بويه على بغداد فاحتلها، وأخرج الجند الأتراك منها، ثم عمد إلى سمل عيني المستكفي وتعيينِ المطيعِ خليفةً، وأمر أن يُخطب لَهُ مع الخليفة، وهكذا تحولت السياسة العباسية من حكم مركزي إلى خلافة رمزية تحت سيطرة قوى عسكرية.
وأعظم البويهيين نفوذًا وقوة (عضد الدولة) الذي رفع الطائع إلى سدة الخلافة، وتزوج ابنته، ثم زوجه ابنته طمعًا في أن تؤول الخلافة إلى ذريته، ولذا فقد أُطلق عليه لقب «شاهنشاه» في تلك المرحلة الغنية بالأحداث. هذا ما كان من أمر حكام بلاد فارس في عاصمة الخلافة العباسية التي جعلوها مطية لأهوائهم وأغراضهم، يخلعون خليفتها متى شاؤوا، والناس من حولهم ينظرون إليهم خائفين مرتجفين، وكل همهم أن يسالموا فيسلموا. وهذا ما كان عليه حال العصر العباسي في عهد الخلفاء الفارسيين، ومن تواروا في ظلهم من الخلفاء العرب، الذين يوهمون الناس أنهم هم الحاكمون في الوقت الذي لا حكم لهم فيه ولا سلطة.
تأسيس الدولة الطولونية في مصر
فما الذي كان عليه الحال في الناحية الأخرى من الدولة العباسية؟ نعني بها مصر التي حكمتها سلالتان تركيتان: السلالة الطولونية، والسلالة الإخشيدية 271هـ/884م.
أما السلالة الأولى، فقد أسّسها أحمد بن طولون، وأنشأ جيشًا قويًّا من الزنوج والترك، استقل به عن الخلافة. وقد تولى الحكم بعده ابنه خمارويه 282هـ/895م الذي زوّج ابنته قطر الندى من الخليفة المعتضد 290هـ/902م، وجعل مهرها مليون درهم، إضافة إلى ألف هاون من الذهب جعلها هدية لها، ولم يتسنَّ له أن يكمل ما كان يدور في رأسه من أمر الخلافة، إذ مات مقتولًا.

تأسيس الدولة الإخشيدية في مصر
أما محمد بن طغج 335هـ/946م، فقد وكَّل إليه الخليفة العباسي الراضي 329هـ/940م أمر مصر، ومنحه لقبًا أميريًا إيرانيًا هو «الأخشيد» الذي عُرف به وصار يُلقّب بمحمد الأخشيدي، وكان ذلك سنة 935م. وحين قويت شوكته، استقل بأمر الخلافة، واحتل فلسطين والحجاز وسورية. وقد وُلد له ابنان كانا ضعيفين حين مات، وأصبح كافور وصيًا عليهما، وأدار الأمارة بإرادة وحزم في ظل الخليفة العباسي، حتى دخل جوهر الصقلي مصر بعد وفاته، وأُسست الدولة الفاطمية سنة 969م.
وإذا توجهنا ناحية حلب في بلاد الشام، تطالعنا الدويلة الحمدانية، التي قامت في الموصل ثم في حلب. ويعود نسب بني حمدان إلى قبيلة تغلب، وكان أول أمرائها أبو الهيجاء، وخلفه عليها ابنه ناصر الدولة، بينما احتل أخوه سيف الدولة حلب وحمص، وأقام الإمارة فيهما.
وفي ثنايا هذا السرد الموجز، تراءت لنا العصبيات العرقية والتجمعات السياسية التي أدت إلى تفسخ الدولة العباسية، والقضاء على سلطتها المركزية، فتلاشت دويلاتٍ مشتتة مبعثرة، بعد أن كانت حكمًا خلافياً ينشر السلطان القائم على السطوة والقدرة النافذة.
في ختام هذا الاستعراض لـتاريخ الدولة العباسية، يتضح أن الحياة السياسية والإدارية في الدولة العباسية كانت رحلة طويلة ومعقدة، لقد نشأت الدولة على أساس ثورة ضد الأمويين ودعوة للعودة إلى الحكم الهاشمي معتمدة على القوة الفارسية، لكن هذا الاعتماد كان سيفًا ذا حدين، فقد ضمن لها القوة في البداية، ولكنه زرع بذور الصراعات العرقية والسياسية التي ستنفجر لاحقًا.
إن أهم الخلفاء العباسيين ودورهم السياسي في العصر الأول مثل المنصور والرشيد والمأمون يمثلون ذروة نظام الحكم والسياسة في العصر العباسي. أما أسباب ضعفها وسقوطها فتكمن في سيطرة القادة العسكريين (الأتراك ثم البويهيين)، وتعاظم دور الوزارة في العصر العباسي على حساب الخليفة، وتفكك الدولة إلى دويلات متناحرة، ما جعل سقوط بغداد والدولة العباسية على يد المغول عام 1258م نتيجة حتمية لقرون من التآكل الداخلي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.