الحوار والتعايش

الحديث عن المختلف سواء أكان فكريا أم سياسيا أم دينيا أم اجتماعيا ..الخ من أوجه التباين في الرؤية والمصلحة بين الناس هو أمر طبيعي ولكن في الوقت نفسهِ يُشكّل خطرًا داهمًا يهدد السلطات القارة والمصالح التي يتخذها البعض وسيلة للهيمنة على مقدّرات الآخرين تحت مظلة أحد تلك المشروعيات الدينية أو الأخلاقية أو السياسية، والكُلُّ يدّعي أحقيته في احتكار المعنى والذود عن تلك البلاغة التي يدّعيها، مما جعل الحق أكثرَ المعاني تيهًا بلاغيًّا؛ لأن الكل يدعي امتلاكه حتى تاه معناه في فيض استعارات السلطة وبلاغتها. لكن يبقى هاجسنا هنا هو وعي الإنسان الذي أجده كصورة الجبل الثلجي الغاطس أكثر مما هو ظاهر.

وهنا تبرز مصداقيته بوجه التهويل وبلاغة التزييف. فالوعي رهان المثقف؛ لهذا أجد أنّه مهما اختلف المثقفون مع بعضهم في وجهات نظر ثقافية أم سياسية، فستبقى مسؤولية وشرف أيٍّ منهم مقرونتان بحرصه على توسيع مدى حرية زميله المختلف معه.. مثقفونا أو أغلبهم يشذّون عن هذه القاعدة الذهبية المقدسة. التي قامت عليها فلسفة التنوير ؛ بالمقابل انقلبت المقولة في زمن الصراعات المذهبية والإثنية. والدافعُ الحقيقي هو المصلحة وإنْ أخذت قالبًا يتنوع بتنوع الفكر السائد فأصبحت المقولة اليوم: " أنت عدوي الذي ينبغي دحرُه وتسفيهه وتشويهه ما دمتَ مختلفاً معي." مقولةً تُخفي عقلية التغالب التي تشكل وجودًا عميقًا في واقعنا الثقافي والسياسي والديني الذي وصل إلى حدّ تجاوز ما استقرت عليه الإنسانية بكل أعرافها فأصبح القتل سهلاً ومبتذلاً إلى حدٍّ متطرف. وفي زماننا صار للقتل أشكال وآليات متنوعة إلى حد بعيد تتعارض مع المعاير الأخلاقية التي تتنافى مع معايير الحوار والتعايش والتداول والعمل والمصالح الحياتية، وقد تحدّث سقراط، في فلسفته الخلقية، عن عدد من الفضائل التي تلي المعرفة وهي رأس الفضائل عنده، ومن هذه الفضائل العمل فالعمل. هو السبيل لكي يحصّل الإنسان ما يحتاجه في حياته من أمور أساسية، وألّا يعتمد في ذلك على غيره.

والعمل يجعل الإنسان في احتكاك مع معطيات وأحوال الواقع المعيشي مما يزيد معارفه في ما ينبغي أن يتعرّف عليه، وفي كل ما يرتبط بحياته وواقعه.

نعم العمل والحاجة إلى سد الرمق قد تكون مهمة في تجنب العنف والكراهية، أي لابد من التأسيس للتواصل الحياتي القائم على معايير العيش المشترك الذي من أهم ضرورياته الابتعادُ عن التوظيف الرمزي العنفي للخلافات السياسية والدينية التي تبدو كأنها صراعٌ وجوديّ، بل علينا النظرة العملية التداولية التي تجعلنا نتحول من أداة للعنف تجعلنا مجرد وسيلة في يد العقل الاستراتيجي للفِرَق والقُوى المهيمنة الأداتية إلى صانعي سلامٍ وممارسي آليات الحوار التي لا تجعل شيئًا يعلو على مصلحة الناس واستمرار عيشهم المشترك في فضاء عمومي رحب تداولي .

فلو رجعنا إلى الحلم المثالي الذي وجد فيه أفلاطون من قبل أنّ الإنسانية في هذا المجتمع لم تقصد بلوغ السعادة عن وعيٍ وإدراك؛ لأنها تفتقد الإرادة الحرة، فالإنسان في هذا العصر  يكون فاضلا؛ لعدم معرفته طريق الرذيلة، بعبارة أخرى إنه لم يُمتَحن ولم يُعرّض لابتلاء وهذا هو مطلب أفلاطون، فهو يدعو الإنسان؛ ليكون فاضلا مع كونه مدعُوًّا إلى الرذيلة مع يسر طريقه إليها، أي يكون عفيفا مع شهوته، أبيًّا عزيز النفس مع حاجته، باختصار أنْ ينجح في الامتحان ويجتاز العقبة، وذلك من خلال سيطرة  النفس على شهوات الجسد .

بمعنى اخر إن الإنسان يجب أن يكون ميّالًا إلى التعامل الدينامي بين التحدّي المتمثل بصراع القوى والقراءات والمؤسسات على امتلاك الهيمنة على المجتمع والناس بكل الوسائل سواء أكانت سلميةً أم عنفيةً، هذه التحديات يجب أنْ تُعمِّق في الشعب بكل أطيافهِ الإرادةَ الحرة التي تقوم بإشاعة أهمّ شيء وهو التحدي والمقاومة وإزاحة هيمنة كلّ خطاب شمولي يريد أنْ يحتكر المعنى، ويفرض بلاغته بكل أطيافها واستعاراتها المهيمنة التي فقدت الحياة، وتحولت إلى رؤية منزويةٍ لا ترى في الوجود سوى بلاغتها وسرودها التخييليّة التي لم تُنْتِج سوى الدمار؛ لأنّها تعبّر عن أمراض اجتماعية ونفسيّة بحاجة إلى المعالجة حتى تجد لها حلًّا وصياغةً مختلفة تزيل حبستها النفسية والاجتماعية.

من أجل صياغة الحياة التي تعبر عن معاني الفضيلة التي عرّفها ارسطو من قبل بالقول: " هي ملكة خلقية مرتبطة بالاختيار قائمة في وسط ..قابل للتحديد بناءً على مبدإٍ عقلي، وعلى  أساس هذا المبدإ يحدده صاحب الحكمة العملية ".

أي الفضيله تقوم منذُ أمدٍ طويل في العقل الفلسفي على الركائز الاساسية " الاختيار، والوسطية، والعقلانية، والعملية، كم هي أفكار مهمة غُيِّبَت عن واقعنا عبر تغييب الوعي الفردي، وهيمنة الفكر الشمولي المفارق للوسطية الذي هيمن على الواقع العراقي،  وذلك عندما هيمنت عليه الأفكار الشمولية التي غاب فيها الانتخاب الحر والوعي، ومن ثَمّ غابت الوسطية، وحل التطرف والهيمنة، وحلّت إرادة الحزب الشمولي بكل تنوعاته القومية واليسارية والإسلامية الميّالة إلى فرض قراءة معيّنة للتراث على الناس وتحويله إلى مُجرّد توظيف آيديولوجي نفعيٍّ يقوم على تحويل النخب من الناس من المكوّنات كافة إلى مجرد جماهير، هذا وقد أكمل التغييب دوره الخطير ليشمل أيضا تغييب العقلانية والعملية حلت محلها أفكار وهمية تعتمد التجييش والعنف اللتين تُحدثان حراكًا عاطفيًّا وتغييبًا لعقل الإنسان الحر الذي غُيِّب في السجون والحروب والمقابر الجماعية، أو هُجِّر بعيدا يبحث عن الأمان في أوطان أُخَر كانت أكثر رحمة عليه من وطنه وأهله على الرغم من غربته فيها.

واليوم بعد كل هذا العنف الذي يذكرنا بكل التحولات العنيفة من الثورة التي مزقت الملكية وتمزيق الثوار بعضهم البعض وهم ينفون بعضهم بعضًا رمزيا وفكريا عبر بلاغاتهم الآيديولوجية: القومية أو اليسارية أو الإسلامية. بعد كل هذا العراك العنيف الثوري جاء التغيير عبر الخارج من أجل إشاعة قيم الديمقراطية، وقد جاءت الأفعال العنيفة للغزو وما تبعه من صراع جعلني أستنتج أنّ الموت أكثرُ الهدايا التي يزفها العالم إلى بلدي. والتي جعلت من البلد يخوض في صراع عنيف على السلطة وصراع عنيف من قبل دول الجوار في توجيه سياسة البلد بما يتفق ومصالحها؛ لهذا دخل البلد في معترك صراع ستراتيجي بين الدول الإقليمية والغرب في توجيه سياسة العراق واحتواء المكونات التي هي الأخرى لم تنجُ من تلك المتغيرات وهكذا تشكلت كل تلك القوى مع إرادة الشعب الذي عبّر بقدر المتاح عن إرادته، في ظل انشطار الخطاب الإسلامي الثوري على أسس طائفية يعيش البلد بين سلطة منتخبة وبين قوى ترفض هذا الأمر في ظل فضاء إقليمي ودولي .

هنا علينا أنْ نبحث عن إمكانيات من أجل تأسيس فضاء عمومي كما تصوره (كانت) و(هابرماس) قائم على التداول السلمي والعقلانية والحوار بين كل الأطياف من أجل صياغة حياة سياسية وثقافية تتسم بالتنوع والتعددية، وتؤمن بالتعايش في ظل أفق قانوني دولي يمثّل العراق جزءًا منه وهو وريث القيم الحداثية القائمة على المواطنة وفلسفة القانون التي ظهرت مع الثورة الفرنسية. واليوم وقد تجلت عالميا في - الاعلان العالمي لحقوق الانسان - وقد نصت المادة 19 من مبادئه:" إنّه لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير عنه، وهذا الحق يتضمن حرية اعتناق الآراء بدون تدخل خارجي، وحرية البحث وتلقي وتوزيع المعلومات والأفكار بكافة وسائط النشر والإعلام." وهو أمر أصبح ضاغطًا وله مرجعيته؛ فلذا علينا أنْ نصغي إليه ونحن نسعى إلى تأسيس  تعاقد اجتماعي جديد، فعلينا تأكيد الإرادة الحرة والحريات.

 

بقلم د-عامر عبد زيد

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة