الحملة المصرية على الحجاز وسقوط الدرعية 1818م

في مطلع القرن التاسع عشر، شهدت الجزيرة العربية تحولات سياسية وعسكرية عميقة، كان من أبرزها حملة محمد علي باشا ضد الدولة السعودية الأولى. جاءت الحملة بتكليف عثماني معلن، وبدوافع إستراتيجية واقتصادية خفية، وكانت نقطة التحول هي قيادتها على مرحلتين: الأولى بقيادة طوسون باشا، الابن الأصغر، والثانية بقيادة إبراهيم باشا، العسكري الأشد حزمًا والأكثر دهاءً.

هذا السرد التفصيلي لا يُعنى فقط بتوثيق الأحداث العسكرية، بل بتحليل المسارات السياسية، وتفكيك أدوار اللاعبين الإقليميين، واستيعاب الأثر البعيد لهذا الاجتياح في تشكل خارطة النفوذ في شبه الجزيرة العربية آنذاك.

انطلاق حملة طوسون باشا: التشكيل والخطط الأولية

في 4/ 2/ 1226 هـ الموافق 28/ 2/ 1811م، قلَّد محمد علي ابنه طوسون باشا رئاسة الحملة، وقد أمره والده بألّا يفعل شيئًا إلّا بعد مشورة ومراجعة المحروقي. وبلغ تعداد الحملة ثمانية آلاف جندي، منهم خمسة آلاف من المشاة وجنود المدفعية، وهؤلاء سافروا عن طريق البحر الأحمر على دفعتين، والباقون وهم ثلاثة آلاف كانوا من فرقة الفرسان، بينهم كثير من البدو والفرسان.

وكان خط سير الحملة هو: أن تقلع السفن بالجنود المشاة من ميناء السويس إلى ميناء ينبع، وأمّا الفرسان ومعهم أمير الحملة طوسون باشا فتم إرسالهم برًّا عن طريق برزخ السويس فالعقبة، ليلتقوا بالمشاة والمدفعية في ينبع.

طوسون باشا

ويبدو أن الحملة البرية كان القصد منها حمل المهمات والمؤنة والذخائر التي يصعب حملها في السفن، حتى تتفرغ تلك السفن لحمل الجنود المشاة ومتاعهم، إذ كان من المقرر أن يجتمعوا في السويس. وربما كان التأخير في تجميعهم هو السبب في إنفاذ المؤن عن طريق البر أولًا.

وقد رافق الحملة البرية طائفة من الصناع من كل حرفة، كما صاحبها بعض علماء المذاهب الأربعة، وهم: الشيخ أحمد الطحاوي الحنفي، والشيخ محمد المهدي الشافعي، والشيخ الخانكي المالكي، والشيخ المقدسي الحنبلي.

تكوين القوات والتحالفات.. دهاء محمد علي

استعان محمد علي في هذه الحملة ببعض الضباط الألبانيين، خاصة الذين كان يخشى منهم حدوث اضطرابات أو قلاقل في مصر، كما ضم إلى حملته بعض المرتزقة الأوروبيين الذين خلّفتهم الحملة الفرنسية، كما ضم إلى قواته خيالة عراقيين، ومقاتلين سودانيين، ومغاربة، وشراكسة، بالإضافة إلى البدو. أما المدفعية فقد كانت طرازًا فرنسيًّا حديثًا.

وقد استطاع محمد علي بدهائه استمالة الشريف غالب -شريف مكة- إليه، بمراسلته عن طريق تجار جدة وينبع الموجودين في مصر.

التقدم الأول ومعركة ممر الصفراء: نصر وهزيمة

تمكنت الحملة في 1226هـ الموافق سبتمبر 1811م، من الاستيلاء على المويلح وينبع دون عناء يُذكر، نظرًا لتمكن الحملة من إغراء بعض القبائل القاطنة هناك بالهدايا والخلع، ومبادرة هذه القبائل بإرسال الرسائل إلى مشايخ القبائل الأخرى لاستمالتهم.

كما تمكنت قوات الحملة، بمساعدة القبائل التي انضمت إليها، من هزيمة أول فرقة سعودية بقيادة جابر بن جبارة، ومسعود بن مضيان. وقد أتبع طوسون تلك الواقعة بالزحف بقواته في اتجاه المدينة المنورة، ولم يلق صعوبة في البداية، نظرًا لاستمالته عربان الحويطات، والعبابدة، وبلي، والطرابين، والخماسية، والكواملة، والعليقات، ومزينة، وتية، ولحون، وعمران، وعلوين، وعميرات، والدقيقات، وبني عقبة، وبني واصل، وجهينة.

معركة ممر الصفراء

ولم يهنأ جنود الحملة بهذا النصر كثيرًا، فسرعان ما حدث اشتباك عنيف بين السعوديين والحملة في منطقة ممر الصفراء، قبل أن تصل إلى المدينة. وحيئذ دارت الدائرة هناك على الحملة المصرية، وسبب هذا أن آل سعود فاجأوهم من جبل عالٍ صخري يشرف على ممر الصفراء الضيق، وأعملوا فيهم القتل حتى أفنوا كثيرًا من جنود الحملة، واستولوا على عتادها وعدّتها، حتى إن الثمانية آلاف الذين تكونت منهم الحملة لم يعد منهم إلى ينبع سوى ثلاثة آلاف فقط، وقُتل منهم في المعركة والطريق خمسة آلاف.

معركة ممر الصفراء

وقد حاول محمد علي استغلال نتيجة تلك الواقعة لتصوير إمكانات السعوديين العسكرية بشكلٍ مبالغٍ فيه أمام الدولة، ليعزز طلبه في الشام بعزل واليها سليمان باشا، وإسناد ولايتها إلى يوسف كنج باشا، صديقه، أو أن يتولّى سليمان باشا هذا تسيير جيوش من الشام تحت قيادته ليشارك معه في قتال آل سعود. وفي كلتا الحالتين، سيستفيد محمد علي من موارد الشام لمصلحة الحملة المصرية على شبه جزيرة العرب.

وقد استغل طوسون باشا فرصة انتظاره المدد في مراسلة القبائل الضاربة بين ينبع والمدينة، وإغرائهم بصناديق الأموال والكساوي، وقد نجح في تحقيق أهدافه، وهي استمرار موالاة هذه القبائل له.

السيطرة على المدينة المنورة ومكة والطائف

عندنا وصلت الإمدادات الحربية المصرية إلى طوسون، تحرك بقواته نحو المدينة سنة 1227هـ الموافق 1812م، مصاحبًا جموعًا كبيرة من عرب جهينة وحرب، فاستطاع أن يستولي على المدينة بعد حصار دام 75 يومًا، منع طوسون خلالها الماء والمؤن عن أهل المدينة، ثم احتل بعد ذلك الحناكية شمال المدينة.

ومن غريب ما رُوي، وهو ما لا يستطيع المرء التسليم به، ما ذكره أمين الريحاني -وعسى أن يكون قد سلّم به آخر- من أن أحد المرتزقة، وهو اسكتلندي يُدعى توماس كيث، تولّى حكم المدينة المنورة وقتًا.

وقد ساعدت الرسائل المتبادلة بين طوسون والشريف غالب -الموجود بجدة- على تسهيل دخول بعض القيادات البحرية إلى ثغر جدة، ما سهّل اقتحامهم بلدان الحجاز برًّا وبحرًا دون قتال يُذكر، وباتت مكة قاب قوسين أو أدنى.

وبمساعدة الشريف والبدو، تمكّنت قوات الحملة المصرية من دخول مكة دون قتال يُذكر، بعد أن أخلاها السعوديون طوعًا قبل دخول قوات الحملة المصرية. ويبدو أن السعوديين أرادوا بذلك استدراج قوات الحملة المصرية الغازية ناحية نجد، نظرًا لما تتّسم به الطريق من وعورة، ولما يتمتع به السعوديون هناك من ولاءٍ أقوى من قِبل السكان لمذهبهم، إلى جانب صعوبة إمداد الحملة بسبب مشاق تلك الطريق.

السيطرة على مكة

وبعد أن تم لطوسون الاستيلاء على جدة ومكة، تقدّم بقواته إلى الطائف فاحتلّها دون عناء أو حرب في محرم 1228هـ الموافق 29/1/1813م.

تدخل محمد علي باشا شخصيًّا.. أهداف إستراتيجية

قرر محمد علي باشا، عقب فشل محاولات الصلح، الشخوص بنفسه إلى الحجاز ليتولى قيادة قواته بعد إرسال المدد من الجنود والعتاد.

واضطر لتحقيق ذلك إلى فرض التجنيد على الآلاف من المراكشيين، والرقيق السوداني، واليونانيين، والأرمن.

وقد أراد محمد علي من شخوصه إلى الحجاز بنفسه تحقيق عدة أهداف، أعظمها ما يلي:

  • أن يعطي ابنه دروسًا في القيادة الميدانية، ويبيّن له كيف يسير دفة الحرب.
  • أن يُنقذه من الحصار الذي ضربه عليه آل سعود في الطائف.
  • أن يُظهر ولاءه للدولة العثمانية التي ما زالت تراه غير جدير بثقتها، منذ أن فرض نفسه، وفرضته الظروف والزعامة الشعبية على الدولة.
  • أن يشحذ همم رجاله، ويرفع معنوياتهم في مواجهة رجال يقاتلون عن عقيدة وإيمان لا يتزعزعان.
  • أن يطمئن على تنظيمات جنوده في أول حرب خارجية لهم.
  • أن يُلقي الرعب في نفوس أعدائه.

وكان أول ما فعله محمد علي، بعد وصوله إلى الحجاز، أنه قبض على الشريف غالب غدرًا في أواخر سنة 1228هـ، الموافق 1813م، ثم نفاه إلى مصر، ومنها إلى سالونيك، وقد بقي فيها إلى أن توفي سنة 1231هـ، الموافق 1816م

حدث هذا على الرغم من أن الشريف غالبًا أحسن استقباله، ورافقه إلى مكة المكرمة ترحيبًا وطواعية.

وقد ولّى محمد علي الشريف يحيى بن سرور على إمارة مكة بدلًا من عمه الشريف غالب.

ويدّعي أحد الباحثين بأن محمد علي شخَص بنفسه إلى مكة بحجة توطيد دعائم النظام، ولكن تبيّن أنه كان يرمي من وراء هذه الزيارة إلى تعيين شريف جديد، لعدم ثقته في الشريف القديم، ولحوزته على أموال طائلة يرغب محمد علي في الاستيلاء عليها.

وهذا الحديث تعوزه الدقة، لأنّ الشريف غالب لم يكن في منعة قط أمام جيش طوسون الزاحف، وكان من السهل على طوسون أن يُحيط به ورجاله وبأمواله، إنما الصحيح هو ما تقدّم من أسباب.

حملة إبراهيم باشا: من القصيم إلى الدرعية

بعد فشل الصلح بين الطرفين، بادر محمد علي بتجهيز حملة جديدة وتكتيك جديد، ابتداءً من سنة 1230هـ، جعل على رأسها زعامة جديدة بعد أن استبدل ولده طوسون، وأسند قيادة قواته لابن زوجته إبراهيم باشا، ووصلت حملته الحجاز في ذي القعدة 1231هـ.

إبراهيم باشا

باشر إبراهيم على الفور إجراءَ بعض المناورات الحربية قرب المدينة لإظهار مدى قوته أمام القبائل ليضمن ولاءها، وتنضم إليه القبائل الأخرى، فانضم إليه البعض من حرب، ومطير، وعتيبة، وعنزة، واستطاع أن ينتقل بهم وبقواته صوب القصيم التي قصدها الأمير/ عبدالله بن سعود هو الآخر لصدّ قوات إبراهيم باشا، الذي وصل إلى الرس وحاصرها، فاستعصت عليه وكبّدته خسائر جسيمة خلال مدة الحصار. وبسبب نفاد المؤن وتأثر أهل البلدة بالحصار الشديد، اضطر أهل الرس (بعد موافقة الأمير/ عبد الله) إلى عقد صلح مع إبراهيم، يُرفع بموجبه الحصار عن الرس، على ألا يدخل جنوده البلدة، وأن يقف أهلها على الحياد بعد خروج الحامية السعودية منها بأسلحتهم.

والشيء نفسه صنعه قادة حامية بلدة عنيزة، إذ صالحوا إبراهيم على أن يخرجوا بأسلحتهم.

واضطر الأمير عبد الله، الذي كان قد عسكر بقواته في بريدة، إلى مغادرتها إلى الدرعية بسبب صعوبة الموقف، ولا سيما بعد وصول إمدادات جديدة لقوات حملة إبراهيم، واضطرار عدة بلدان في المنطقة للوقوع تحت نفوذها.

كما اتجه إبراهيم بعد ذلك إلى الوشم، فسلّط نيران مدفعيته على مدينة شقراء (قاعدة الوشم) لمدة أسبوع، ما اضطر أهلها إلى طلب الأمان، فأجابهم إلى طلبهم بشرط أن يُسلّموا له ما عندهم من عتاد وأسلحة، وأن يبيعوا ما يملكونه من غذاء ومؤن لجنوده، فوافقوا على ذلك مضطرين.

حصار الدرعية والاستيلاء عليها.. نهاية الدولة السعودية الأولى

أدى استيلاء إبراهيم باشا على الوشم إلى فتح الطريق أمامه صوب الدرعية، ولكنه حاصر بلدة ضرماء في طريقه إليها، واستمر الحصار أربعة أيام، كان الوقع فيها شديدًا على الجانبين بسبب بسالة قوات آل سعود، لكنه تمكّن في النهاية من احتلالها، فأكمل سيره إلى الدرعية التي وصلها، وعسكر بقواته على مشارفها في غرّة جمادى الأولى 1233هـ.

في هذه الأثناء، كان الأمير عبد الله بن سعود قد أجرى تحصينات بذل فيها أقصى جهده، وعمد إلى ترتيب قواته للدفاع عن العاصمة. واستمرت القوات المهاجمة في قصف المدينة، وآل سعود يدافعون عنها باستبسال طوال ثلاثة أسابيع، حتى تمكّن المهاجمون من اقتحام واحتلال المتاريس والأبراج التي كانت تقع في شمال الدرعية، لكن المدافعين قد استمروا في ثباتهم، وتمكّنوا من إشعال النيران في مستودعات الذخيرة الخاصة بالقوات المهاجمة. ولكن وصول إمدادات جديدة من مصر، ومن بعض المناطق التي استولى عليها إبراهيم، قد ساعدته على مواصلة هجومه وحصاره للدرعية.

استمر الحصار والهجوم قرابة الستة أشهر، ما أضعف من تحمّل حامية وقوات آل سعود، ما اضطر الأمير عبد الله إلى دفع مجموعة من الأهالي للتسلل إلى خارج البلدة، دون أن يفكّر هو في تركها، على الرغم من إمكانه مغادرتها، ولكنه أبى إلا أن يظل بجوار حاميته في تلك اللحظات المريرة.

حصار الدرعية

واضطر الأمير في النهاية إلى الخروج بنفسه لمفاوضة إبراهيم باشا لإنهاء حالة الحرب، ووافق على تسليم نفسه في مقابل عدم الإضرار بالسكان، وعدم الاستمرار في تخريب المدينة. وفعلًا، استسلمه إبراهيم باشا في اليوم الثامن من ذي القعدة 1233هـ الموافق 9/9/1818م، وأُرسل إلى مصر، وقد أُعجب به محمد علي لشجاعته وإقدامه وتحمله الأعباء ومسؤولية الدفاع عن بلاده ببسالة نادرة، ثم نُقل منها إلى إسلامبول (العاصمة العثمانية)، وقد تمت محاكمته هناك، ولقي ربه على إثر تلك المحاكمة الصورية في صفر سنة 1234هـ.

دروس من صراع الدرعية.. إرث المقاومة والتحدي

تُمثل الحملات المصرية على شبه الجزيرة العربية، بقيادة طوسون باشا وإبراهيم باشا، فصلًا مهمًا في تاريخ المنطقة، كشفت عن تداخلات القوى الإقليمية والطموحات التوسعية، لقد أظهرت هذه الحملات دهاء محمد علي باشا العسكري والسياسي، وقدرته على حشد الجيوش واستمالة القبائل. في المقابل، برزت مقاومة آل سعود وبسالتهم في الدفاع عن معاقلهم التي بلغت ذروتها في حصار الدرعية، إن سقوط الدرعية واعتقال الأمير عبد الله بن سعود لم يكن نهاية لروح المقاومة في المنطقة، بل كان حدثًا ترك بصماته على المشهد السياسي والتاريخي لشبه الجزيرة العربية. تُقدم هذه الأحداث دروساً قيمة حول طبيعة الصراعات على النفوذ، وتُبرز قوة الإرادة والثبات في مواجهة التحديات الكبرى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.