الحلوف

كان الملك (ثيودور) من ملوك الدنيا الكبار، الذين ملكوا عدد كبير من رقاب الناس، وكمية كبيرة من ذهبهم أيضاً، وكان ممن استخف قومه فأطاعوه. وقعت قصته قبل مئات السنين، حينما كان الناس كما هم اليوم، على دين ملوكهم، كانت هواية (ثيودور) الأولى هي رؤية تأثير سلطانه وسلطته على الشعب، كان يتلذذ بممارسة السيطرة على الناس، وكيف أنهم يعتنقون أوامره التي يكرهونها وكأنها دين مُنَزل، كان يحب ان يرى مقدرته على الضعفاء، استمتع باستخدام السلطة والسيطرة، وتمتع ابناءه وإخوته بقدر منها كذلك، بالرغم من أنه في بعض الأوقات، كان يمارس هوايته عليهم.

كان (ثيودور) يكره العجز، وحكمته المفضلة: إنما العاجز من لا يستبد. وصلت رغبته في الاستمتاع بهذه الهواية المميتة، إلى أن جعل اليوم الوطني لبلاده هو يوم ميلاده، وكان يسميه يوم ولادة الوطن، وفعلاً أخذ الناس بنزوته تلك، وأظهروا فرحهم وبهجتهم، ورقصوا وغنوا غناء لو سمعه غير (ثيودور) الذي يعرف الحقيقة، لقال انه من القلب! كان يستمتع برؤيتهم يرقصون بعد الذبح، يتفانون في النفاق، هو يعلم أنهم ينفقونه، ولكنه نفاق لذيذ، يُكيفه ويبنج هوسه بالتملك.

وصل حد تمجيده لنفسه واستمتاعه بالسلطة، ومقدار نزوة التملك والسيطرة لديه، وصل إلى الحد الذي جعله يسمي مدن وشوارع البلاد ومدارسها بأسماء أجزائه وممتلكاته، يده ورجله وعصاه، كلبه وقبعته وحذاءه. طبعاً لا حاجة أن يقولوا كلب الملك ثيودور، لان لا ملك غيره يعرف الشعب. كان وزراءه عبارة عن نُدُل، يقدمون الطبخات التي طبخها، هو لا يثق بطبخهم حتى، بالكاد كان يثق في طريقة تقديمهم للأطباق، يقدمونها كما أرادها أو طبخها، مالحة أو باردة، وكان كثيرا ما يعنفهم لأنهم لم يحققوا له رغبته، في القبض على متآمر أو خائن يمارس عليه هوايته، وفي أحيان أخرى، كان يمنح كل وزير يقدم له مؤامرة نجح في كشفها، كان يمنحه ترقية عجيبة، فصار التآمر لفبركة المؤامرات، هو عمل الوزراء الأول.

استمر الملك يعيش حياته المريضة تلك، حتى ذاك الخميس اللعين كما وصفه المتباكين عليه، والذين كان أكثرهم من ضحاياه، ففي ذاك الخميس، وبعد أن تناول الملك وجبة خفيفة بعد العصر، جاءه الوزير أو بالأحرى النادل، وكان أكثر نُدُله قرباً منه، وأخبره خبراً مفرحاً جداً، لأنه سيكون سبباً في ممارسة الملك لهوايته المفضلة، قال له وزيره: لقد تم اكتشاف مؤامرة تحاك ضدك يا جلالة الملك، وقف الملك على قدميه منتصباً، وقد انطلقت أسارير الفرح في عروق وجهه، واتسعت عيناه إلى درجة غريبة، قد يكون الأمر عجيب، فمن كان في سلطته، كان يجب أن يثور لهذا الخبر،  لكن (ثيودور) إنسان آخر أو بالأحرى ملك آخر، لأن هذه المؤامرات هي التي تعطيه المبرر الذي لا يبحث عنه، لكي يمارس هوايته.

وقف الملك منتصباً وناد بأعلى صوته طلباً أن يمثل مدبر المؤامرة بين يديه، فجيء به، كان شاباً يافعاً، هزيل الجسم، ناصع البياض، طويل القامة، أملس الشعر، وقد بدت ذقنه في الظهور، مما يوحي أنه لم يحلقها منذ أيام قليلة، وهذا يعني انه كان لا يجد الوقت لذلك، إذن، كانت المؤامرة حقيقية، وممكنة النجاح، فكر الملك في كل هذا، لأن فرصة الحصول على المبرر، والذي يعطيه حق ممارسة هوايته، ليس متوفراً دائماً، فهو بالرغم من انه ممن لا تهمه المبررات كثيراً ليقوم بما يشاء وقت شاء، إلا أنه لا يمانع من وجودها، لأنه في الأخير إنسان، مجرد إنسان، و يا حبذا لو أن ما يقوم به من باطل كان قانونيا! هكذا كان يحاول أن يقنع نفسه. وبعد تحقيق بسيط وقصير، لم يتكلم فيه المتهم كثيراً، وبالكاد سمح له أن يقول: إنه لم يأكل منذ يومين، بعد هذا كله، صار الجميع ينتظر الحكم.

كان واضحاً أن الشاب لا يدري لما هو هنا، لقد قالوا له أنك متآمر، أخذوه من الدار إلى النار كما يقال، لماذا، لأن الملك كان يبحث عن متآمر. ناد الملك بأعلى صوته على وزيره، وطلب منه أن يضرب عنق المتآمر، وطلب أن يكون ذلك الآن وأمام كرسي العرش، وفوق السجاد الفاخر، وفي حضور الوزراء والضيوف، الذين جاؤوا مبكراً لأجل حضور سهرة الخميس مع الملك، هم لم يكونوا بحاجة إلى هذه المسرحية ليهتفوا بعدالة الملك. صاح الوزير على الحارس وأمره بأن ينفذ. هنا حدثت المفاجأة، وقف الحارس صامتاً وجامداً دون حراك، لقد رفض أن ينفد الأوامر، ورمى السيف من يده ونظر إلى السماء، غضب الملك ووزيره، واشتعلت النار في بطن الأول ويدي الثاني، وطلبا من باقي الحرس أن يضربوا عنقي المتآمر والحارس، فرفضوا جميعاً، ورفض الذين بعدهم، حتى وصل الأمر إلى باقي الجنود وكل رجال الجيش، أصبح الملك بدون سلطة، ولا كلمة مطاعة، فأصبح يجري في قصره بدون هدف، يدخل من باب ويخرج من آخر، وفي كل خطوة يجريها كان يرمي بأجزائه، رمى بملابسه وتاجه وصولجانه، حتى وصل إلى شوارع المدينة، وذاب بين الناس.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Apr 14, 2021 - عبد الوهاب الجزائري العربي زيدي
Apr 13, 2021 - وصال الدقيوش
Apr 12, 2021 - Fareed Hawammdeh
Apr 11, 2021 - هبة عبد الرحمن مختار محمد عبد الله
نبذة عن الكاتب