الحلاج... الصوفي الثائر


الحسين بن منصور بن محمد الملقب بالحلاج هو أبو المغيث الحسين بن منصور الحلاج، شاعر ومتصوف من أصل فارسي، نال الحلاج شهرةً واسعةً وأتباعًا كُثر بوصفه معلمًا قبل أن يتورط بالدخول في معترك السياسة في البلاط العباسي، فأُعدم بعد التضييق عليه بتهمٍ دينيةٍ وسياسية.

نشأ بالعراق، وقُتل في سنة ثلاثمائة وتسعة هجرية، وفي سنٍ مبكرة اتصل بالصوفية، ولبس حرفتهم، وتتلمذ على يد الجنيد، وسهل التستري وغيرهم. حتى أصبح له مريدون كثيرون، أسماهم في قصائده "أصحابي وخلاني".

كان الحلاج متبعا للمذهب السني سنيًا، فقد أمضى فترة شبابه في واسط -معقل الفكر السني- وتعلم المذهب الحنبلي، وكان والده يعمل في حلج القطن فسمي بالحلاج، وقد امتهنها الابن من وقتٍ لآخر، تنقل منصور إلى المدن الشهيرة بصناعة الأقمشة مثل الأحواز و"تستر" حيث تتلمذ على يدي سهل التستري لمدة عامين ثم افترقا لأسبابٍ غير معروفة، واستقر به المقام في واسط جنوبي العراق، وشرع الحلاج باقتفاء آثار سهل وأفكاره، فقلده في التنسك وفي مجاهدة النفس.

تزوج الحلاج من ابنة أبي يعقوب الأقطع البصري -من تلاميذ المتصوف "الجنيد البغدادي"- ورزق بأربعة أبناء وابنةً واحدة، ويروي ابنه "حمد" عن شجارٍ وقع بين الحلاج وعمرو بن عثمان المكي، الذي اعترض على زواج الحلاج، فسافر الحلاج إلى الجنيد في شمال بغداد فنصحه بالصبر وعدم الزواج فعاد الحلاج إلى بيت حماه في البصرة.

*******

كان الحلاج دائم الاعتراض على الأوضاع القاسية التي يعاني منها الزنج في مناجم الملح، وكان يوجه سهام نقده للخلافة العباسية، وهو الموقف ذاته الذي اتخذه في الدفاع عن البدو الجائعين الذين أتوا إلى البصرة وبغداد في جماعاتٍ بحثًا عن الطعام.

في تلك الفترة الصعبة كان متصوفو بغداد عرضةً للتهجم اللفظي من الشيخ غلام خليل، وهو ما دفع البعض لاستلام منصب القضاء، وقد كان أمرًا مستجدًا في الصوفية، الأمر الذي خلق الشقاق بين المتصوفة، وكان الشيخ غلام خليل ينتقد على الصوفية قولهم بالحلول، أي حلول الله في روح المرء، وقد أسهب الحلاج في هذا الجانب إلى حدٍ كبير.

انتقل الحلاج إلى مكة حاجًا وبقي هناك عامًا كاملًا ليقود نمطًا جديدًا من الطقوس الصوفية، ثم عاد الحلاج إلى البصرة، حيث بدأ بالجهر بآرائه وبالحديث عن تجاربه كما بدأ يتحدث بلسان الله، وهو ما أدى على ما يبدو إلى نزاع بين الأقطع ومكي، فرحل إلى تستر بسبب تهجم مكي وإرساله رسائل وعيد من البصرة مستنكرًا ادعاء الحلاج بأنه مرسلٌ من الله.

نشب الخلاف بين الحلاج وبين أعلام الصوفية في عصره، فهم يقومون على كتم مشاعرهم ووجدهم وأفكارهم وأسرارهم، ويؤثرون العزلة على الناس، تاركين أمر تدبير الخلق لله، فيما تملكت الحلاج  نشوة التعبير، مجاهرًا بأفكاره ومشاعره في الأسواق وبين العامة، كما امتلك نزعةٌ إصلاحية كما تملكته دفعته إلى طرح خرقة الصوفية متنقلاً في البلاد يلتقي الناس يسمع منهم، ويتحدَّث إليهم بكلامٍ مفهوم حينًا وغير مفهومٍ في كثيرٍ من الأحيان، فافتتنوا به... دفعهم إلى انتظار أوبته بعد قتله... وذهبوا إلى أن أعداءه لم يقتلوه وإنما شبه لهم.

كان الحلاج ينتقد الأوضاع السائدة في عصره، فأوغر ذلك عليه الصدور، ودُبرت له المكيدة، وحُوكم محاكمةً صوريةً بتهمة الزندقة والإلحاد، وصدر الحكم في بقتله.

فخاطبهم: "ظهري حمي، ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتهموني بما يخالف عقيدتي ومذهبي السنة، ولي كتب في الوراقين تدل على سنتي، فالله الله في دمي".

*******

أشهر أقوال الحلاج:

1. ما انفصلت البشرية عنه، ولا اتصلت به.

2. من ظن أن الإلهية تمتزج بالبشرية أو البشرية بالإلهية فقد كفر.

3. حجبهم بالاسم فعاشوا، ولو أبرز لهم علوم القدرة لطاشوا، كشف لهم عن الحقيقة لماتوا.

4. وكان الحلاج، يقول: إلهي! أنت تعلم عجزي عن مواضع شكرك، فاشكر نفسك عني، فإنه الشكر لا غير.

5. أسماء اللّه تعالى، من حيث الإدراك اسم؛ ومن حيث الحق حقيقة.

6. إذا تخلص العبد إلى مقام المعرفة أوحى اللّه تعالى غليه بخاطره، وحرس سره أن يسنح فيه خاطر غير الحق.

7. لا يجوز لمن يرى أحدًا، أو يذكر أحدًا، أن يقول: إني عرفت الأحد، الذى ظهرت من الآحاد.

8. من أسكرته أنوار التوحيد، حجبته عن عبادة التجريد؛ بل من أسكرته أنوار التجريد، نطق عن حقائق التوحيد؛ لأن السكران هو الذي ينطق بكل مكتوم.

9. سئل: لم طمع موسى- عليه السلام- في الرؤية وسألها

فقال: لأنه أنفرد للحق، وانفرد الحق به، في جميع معانيه، وصار الحق مواجهه في كل منظور إليه، ومقاتله دون كل محظور لديه؛ على الكشف الظاهر إليه، لا على التغيُّب؛ فذلك الذي حمله على سؤال الرؤية

10. ويقول عن الحلول

إِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ هي تَوْحِيدُهُ، وتَوْحِيدُهُ تَميُّزُهُ عَنْ خَلْقِهِ، وكُلُّ مَا تَصَوَّرَ في الأَوْهَامِ فَهْوَ -تعالى- بِخِلاَفِهِ، كَيْفَ يَحُلُّ بِهَ، مَا مِنْه ُ بَدَأ.

*******

يقول أبي إسحق إبراهيم بن عبد الكريم الحلواني:

خدمت الحلاّج عشر سنين وكنت من أقرب الناس إليه، ومن كثرة ما سمعت الناس يقولون فيه إنه زنديق توهمت في نفسي فأخبرته، فقلت له يوماً: يا شيخ أريد أن أعلم شيئاً من مذهب الباطن، فقال: باطن الباطل أو باطن الحق؟ فبقيت متفكراً فقال: أما باطن الحق فظاهره الشريعة، ومن يحقق في ظاهر الشريعة ينكشف له باطنها، وباطنها المعرفة بالله.

وأما باطن الباطل فباطنه أقبح من ظاهره، وظاهره أشنع من باطنه، فلا تشتغل به، يا بني أذكر لك شيئاً من تحقيقي في ظاهر الشريعة، ما تمذهب بمذهب أحد من الأئمة جملةً وإنما أخذت من كل مذهب أصعبه وأشده وأنا الآن على ذلك، وما صلّيت صلاة الفرض قطُّ إلا وقد تسلت أولاً ثم توضأت لها، وها أنا ابن سبعين سنة وفي خمسين سنة صلّيت صلاة ألفي سنة، كل صلاة قضاء لما قبلها.

يقول أبو يعقوب النهرجورى: دخل الحسين بن منصور الحلاَّج مكة، فجلس في صحن المسجد لا يبرح من موضعه إلا للطهارة أو الطواف، لا يبالي بالشمس ولا بالمطر، فكان يُحمل إليه كل عشية كوزٌ وقرص (ماء وخبز) فيعضُّ من جوانبه أربع عضات ويشرب.

ويقول خوراوزاد بن فيروز البيضاوي -وكان من أخص جيران الحلاج: كان الحلاج ينوي في أول رمضان ويفطر يوم العيد، وكان يختم القرآن كل ليلة في ركعتين، وكل يوم في مائتي ركعة، وكان يلبس السواد يوم العيد ويقول: هذا لباس من يرد عليه عمله.

*******

عن جندب بن زادان الواسطي -من تلامذة الحلاّج- كتب الحسين بن منصور كتاباً هذه نسخته:

"بسم الله الرحمن الرحيم المتجلي عن كل شيء لمن يشاء

السلام عليك يا ولدي، ستر الله عنك ظاهر الشريعة، وكشف لك حقيقة الكفر، فإنّ ظاهر الشريعة كفر خفي، وحقيقة الكفر معرفة جلية.

أما بعد حمد لله الذي يتجلّى على رأس إبرة لمن يشاء، ويستتر في السنوات والأرضين عمن يشاء، حتى يشهد هذا بأن لا هو، ويشهد ذلك بأن لا غيره، فلا الشاهد على نفيه مردود، ولا الشاهد بإثباته حمود.

والمقصود من هذا الكتاب أني أوصيك ألا تغتر بالله ولا تيأس منه، ولا ترغب في محبته ولا ترض أن تكون غير محب، ولا تقل بإثباته ولا تمِلْ إلى نفيه، وإياك والتوحيد.

*******

كان الحلاج ممن يرى التصوف جهادًا متواصلاً للنفس، بالابتعاد بها عن متع الدنيا وتهذيبها بالجوع والسهر، وتحمل عذابات مجاهدة أهل الجور، وبث روح الثورة ضد الظلم والطغيان، ويؤكد اتصاله بالزنج والقرامطة ذلك، وهما من الحركات الثورية المعروفة في عصره، وكان أن دخل بعض أمراء الحكم تحت قيادته الروحية، وكتب الحلاج لهم بعض الرسائل في الأخلاق السياسية، ثم كان أن دالت دولة هؤلاء الأمراء بتغلب أعدائهم عليهم، فألقي القبض عليه وكانت نفسه قد تاقت للشهادة.

*******

نسب إليه قوله: "إن الإنسان إذا أراد الحج، أفرد في داره بيتاً، وطاف به أيام الموسم، ثم جمع ثلاثين يتيماً، وكساهم قميصاً قميصاً، وعمل لهم طعاماً طيباً، فأطعمهم وخدمهم وكساهم، وأعطى لكل واحدٍ سبعة دراهم أو ثلاثة، فإذا فعل ذلك، قام له ذلك مقام الحج".

فأحلّ دمه القاضي أبو عمر محمد بن يوسف المالكي وقيمت عليه البينة الشرعية، وقتل مرتداً سنة 309هـ.

وكان قرار الخليفة المقتدر بالله العباسي في شأن منصور الحلاج: "إذا كانت فتوى القضاة فيه بما عرضت فأحضره مجلس الشرطة واضربه ألف سوط، فإن لم يمت فتقدّم بقطع يديه ورجليه ثم اضرب رقبته، وانصب رأسه واحرق جثته".

عن أبي بكر الشلي قال: قصدت الحلاج وقد قُطعت يداه ورجلاه وصلب على جذع فقلت له: ما التصوف؟ فقال: أهون مرقاه منه ما ترى، فقلت له: ما أعلاه. فقال: ليس لك به سبيل، ولكن سترى غداً، فإنّ في الغيب ما شهدته وغاب عنك. فلما كان وقت العشاء جاء الإذن من الخليفة المقتدر أن تضرب رقبته. فقال الحرس: قد أمسينا: نؤخر إلى الغد. فلما كان من الغد ُأنزل من الجذع وقُدم تضرب عنقه فقال بأعلى صوته: حسب الواحد إفراد الواحد له، ثم قرأ "يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ" الآية. وقيل هذا آخر شيء سمع منه.

قيل لما ذُهب به إلى القتل قال لأصحابه: لا يهولنكم هذا، فإني عائد إليكم بعد ثلاثين يوماً. فقتل ولم يَعُدْ، ويوم مقتله، وبينما كان الحلاَّجُ مشدوداً على الصليب الخشبي وقبيل حَزَّ رقبته؛ نظر إلى السماء مناجياً ربه:

نَحَنُ بشَوَاهِدِكَ نلُوذُ، وبِسَنَا عِزَّتِكَ نَسْتَضِئ، لِتُبْدِى لَنا مَا شِئْتَ مِنْ شَأْنِكَ، وأنْتَ الذِي في السَّماءِ عَرْشُكَ، وأَنْتَ الذِي في السَّمَاءِ إلَه، وفِي الأرضِ إِلَه.. تَجَلَّى كَمَا تَشَاء، مِثْلَ تَجَلِّيكَ في مَشِيئتِكَ كأَحْسنِ صُورَةٍ، والصُّورَةُ... هي الرُّوحُ النَّاطِقَةُ. الذِي أفْرَدْتَهُ بالعلمِ (والبيَانِ) والقُدرَةِ. وهَؤَلاءَ عِبَادُكَ.. قَدْ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِي تَعَصُّباً لدِينكَ، وتَقَرُّباً إليْكَ، فاغْفرْ لَهُمْ! فإنكَ لَوْ كَشَفْتَ لَهُمْ مَا كَشَفْتَ لي. لما فَعَلُوا ما فَعلُوا. ولَوْ سَتَرْتَ عَنِّى مَا سَترْتَ عَنْهُمْ، لما لَقِيتُ مَا لَقِيتُ... فَلَكَ التَّقْديرُ فِيما تَفْعَلُ... ولَكَ التَّقْدِيرُ فيِما تُرِيدُ...

*******

للحلاج قصائد كثيرة، أغلبها في العشق الإلهي والتصوف، كما للغته مميّزاتٌ خاصة تتسق مع لغة الصوفية عند اللاحقين، كابن الفارض والجيلاني من حيث التعبير الرقيق، وتمجيد الآلام في سبيل العشق الكبير، كما عبَّر في شعره عن فلسفته الوجودية أنَّ الله في كل مكان.

تعتبر قصائد الحلَّاج، من القصائد التي تُطرب سامعها، حاله حال أغلب شعراء الصوفية، مما حدا بالكثيرين من أهل الإنشاد الصوفي إلى استخدام كلماته، كما لجأ لها كبار الملحنين، أمثال مارسيل خليفة في قصيدة (يا نسيم الريح)، والموسيقار المصري عمر خيرت في قصيدة (والله ما طلعت شمس ولا غربت)، كما ألهم الحلَّاج الكثيرين بشعره وحياته، منهم الكاتب صلاح عبد الصبور في مسرحيته مأساة الحلَّاج، والمستشرق الفرنسي لويس ماسنيون مؤلف كتاب آلام الحلَّاج، فضلاً عن استخدام قصته المؤلمة، في الاستعارة الشعرية والأدبية.

أبرز (القصائد المُغناة):

1. يا نسيم الروح قولي للرشا.

2. والله ما طلعت شمس ولا غربت

3. إذا هجرت فمن لي

4. عجبتُ منك ومني

5. لبيك لبيك يا سري ونجوائي.

أبرز القصائد في (ديوان الحلّاج):

1. قصيدة (إلى كم أنت في بحر الخطايا).

2. قصيدة (كادت سرائر سري أن تسرُّ بما).

3. قصيدة (قلوب العاشقين لها عيون).

4. قصيدة (وأي الأرض تخلو منك حتى).

5. قصيدة (العشق في أزل الآزال من القدم).

6. قصيدة (لي حبيب أزور في الخلوات).

7. قصيدة (أنتم ملكتم فؤادي).

8. قصيدة (كل بلاء على مني).

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب