الحكيم لقمان

قال ابن كثير في ( البداية والنهاية ): هو لقمان بن عنقاء بن  سدون ويقال بن ثاران، وكان من أهل أيلة - قال ياقوت الحموي: إنها مدينة على ساحل بحر القلزم (الأحمر) مما يلي الشام، وقيل إنها أخر الحجاز وأول الشام - وكان رجلاً صالحاً ذا عبادة وتقوى وحكمة عظيمة، وقيل إنه كان قاضياً في زمن داود عليه السلام، ورُوي عن ابن عباس أن لقمان كان عبدا حبشياً نجاراً، وقيل إنه كان راعي غنم، وكان قصيراً نوبياً (أسود)، سأله أحدهم عن سبب ما هو فيه من حب الناس له وقصدهم إياه وسؤالهم له وطلبهم الحكمة والعلم منه، فأجاب: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة مطعمي، وحفظي فرجي، وقيامي بعدتي، ووفائي بعهدي، ومكرمتي ضيفي، وحفظي جاري، وتركي ما لا يعنيني، فذاك الذي صيرني كما ترى. وهي كما تعلم نصائح ذهبية، لمن أراد الرفعة في الدنيا ان لا يخطئها.
كان لقمان عبداً ثم أعتقه سيده، وذكر ابن الجوزي قصة في عتقه تبين مقدار ذكائه وحكمته، فقال في كتابه ( أخبار الأذكياء ): إن لقمان كان عبداً أسود، وكان قد أعطاه الله تعالى الحكمة، وكان عبداً لرجل من بني إسرائيل اشتراه بثلاثين مِثْقَالَا ونصف مثقال، وكان يعمل له، وكان مولاه يلعب بالنرد يقامر عليه، وكان على بابه نهر جار، فلعب يوما بالنرد على أن من قمر صاحبه - أي غلبه في القمار - شرب الماء الذي في النهر كله أو افتدى منه، فَقَمَر سيد لقمان، فقال له القامر شرب ماء النهر وإلا فاقتد منه، قال فسلني الفداء، قال: عينيك افقأهما وجميع ما تملك، قال سيد لقمان: أمهلني يومي هذا، قال: لك ذلك، قال: فأمسى كَئِيبًا حزيناً إذ جاءه لقمان وقد حمل حزمة – أي حطب - على ظهره، فسلم على سيده، ثم وضع ما معه ورجع إلى سيده، وكان سيده يسمع منه الكلمة الحكيمة فيعجب منه، فلما جلس إليه قال لسيده: ما لي أراك كئيباً حزيناً؟ فأعرض عنه، فقال له الثانية مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال له الثالثة مثل ذلك، فأعرض عنه، فقال له أخبرني، فلعل لك عندي فرجاً، فقص عليه القصة، فقال له لقمان: لا تغتم فإن لك عندي فرجاً، قال له: وما هو؟ قال: إذ أتاك الرجل فقال لك اشرب ما في النهر، فقل له أشرب ما بين ضفتي النهر أو المد؟ فإنه سيقول لك: اشرب ما بين الضفتين، فإذا قال لك ذلك فقل له: احبس عني المد حتى أشرب ما بين الضفتين، فإنه لا يستطيع أن يحبس عنك المد، وتكون قد خرجت مما ضمنت له، فعرف سيده أنه قد صدق، فطابت نفسه، فلما أصبح، جاءه الرجل، فقال له: أوفي لي بشرطي، قال له: نعم، أشرب ما بين الضفتين أو المد؟ قال: لا بل ما بين الضفتين، قال: فاحبس عني المد، قال: كيف أستطيع، فخصمه، وأعتق أي لقمان مكافأة له.

أما من قال إن لقمان نبي فليس بصحيح، فهو ليس بنبي إنما عبد صالحاً حكيما، وليس في القرآن الكريم ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه نبيٌّ, وحكي الإمام البغوي رحمه الله في تفسيره الاتفاق على ذلك، فقال: ( اتفق العلماء على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً ). ونقل عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: إن حكمة لقمان هي العقل والفهم والفطنة. وقال ابن كثير في تفسيره: إنها الفهم والعلم والتعبير.

ومن حكمه ونصائحه الجامعة لكل خير:

قوله لأبنه: يا بني اتخذ طاعة الله تجارة تأتك الأرباح من غير بضاعة.

وقوله: إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.

وقال: اعتزل الشر يعتزلك، فإن الشر للشر خَلْق.

وقوله: لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء.

وقال: ضرب الوالد لولده كالماء للزرع.

وأوصى ابنه فقال له: يا بني إدا أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره.

وتضل نصائحه لولده والتي وردت في القرآن أحسن النصائح وأفضلها وأصدقها.

ومما يقال في مكان قبره إنه في بيت لحم بفلسطين، وقيل في شرق طبرية، وقيل باليمن، والله أعلم بالصواب، وليس ذلك بمهم، فقبور الأنبياء والصحابة والصالحين معظمها مجهولة ما عدا القليل منها.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب