الحكمة ضالة الحكماء: رسائل الإمام "محمد عبده" مفتي مصر والأديب الروسي "ليو تولستوي"

لم يلتقِ الإمام محمد عبده (1849- 1905م) مفتي الديار المصرية بالأديب الروسيّ الشهير ليو تولستوي (1828- 1910م) لكن أخبار تولستوي بلغت الإمام الذي ارتأى فيه نزعة إنسانية..

تجل الإنسان أينما كان وتحترم الأديان أينما كانت، واجتمع فيما بين الرجلين سمة مشتركة تنزع إلى الإصلاح والتجديد والتنوير، فأرسل الإمام محمد عبده إلى الأديب ليو تولستوي:

أيُّها الحكيم الجليل؛ مسيو تولستوي،

لم نحظ بمعرفة شخصك، وكلّنا لم نحرم التعارف بروحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك التي ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك..

هداك الله إلى معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها ووفقك إلى الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويتم بالعمل..

ولأن يكون ثمرته تعبًا ترتاح بها نفسه، وسعيًا يبقى به ويرقى به جنسه وشعرت بالشقاء الذي نزل بالناس لما انحرفوا عن سنة الفطرة، واستعملوا قواهم التي لم يمنحوها إلا ليسعدوا بها؛ فيما كدر راحتهم وزعزع طمأنينتهم.

لقد نظرت نظرة في الدين مزقت حجب التَّقاليد ووصلت بها إلى حقيقة التوحيد، ورفعت صوتك تدعو الناس إلى ما هداك الله إليه، وتقدّمت أمامهم بالعمل لتحمل نفوسهم عليه..

فكما كنت بقولك هاديًا للعقول كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم، وكما كانت آراؤك ضياء يهتدى بها كان مثالك في العمل، إمامًا يقتدى به المسترشدون..

وكما كان وجودك توبيخًا من الله للأغنياء، كان مددًا من عنايته للفقراء، وأن أرفع مجد بلغته وأعظم جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد، هو هذا الذي سموه "بالحرمان" و"البعاد"..

فليس ما كان إليك من رؤساء الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس بأنك لست من القوم الضالين، فاحمد الله على أن فارقوك بأقوالهم كما كنت فارقتهم..

هذا وإن نفوسنا الشيقة إلى ما يتجدَّد من آثار قلمك فيما تستقبل من أيام عمرك، وإنَّا نسأل الله أن يمدّ في حياتك ويحفظ عليك قواك، ويفتح أبواب القلوب لفهم ما تقول، ويسوق الناس إلى الاقتداء بك فيما تعمل والسّلام.

ردّ تولستوي على رسالة الإمام محمد عبده، وقال:

صديقي العزيز،

لقد تلقيت رسالتكم الطيّبة الحافلة بالمديح، وها أنذا أسارع بالردّ عليها مؤكدًا لكم أولًا السعادة الكبرى التي أعطتني إياها..

إذ جعلتني على اتصال برجل متنور، حتى ولو كان ينتمي إلى إيمان يختلف عن إيماني الذي ولدت فيه وترعرعت عليه، ومع هذا فإني أشعر بأن ديننا واحد؛ لأني أعتقد أن ضروب الإيمان مختلفة ومتعددة.

وإني لآمل ألا أكون مخطئًا إذ أفترض، عبر ما يأتي في رسالتكم، بأنني أدعو إلى الدين نفسه الذي هو دينكم، الدين الذي يقوم على الاعتراف بالله وبشريعة الله التي هي حبّ القريب ومبادرة الآخر بما نريد من الآخر أن يبادرنا به..

إنني مؤمنٌ بأن كلّ المبادئ الدينية الحقيقية تنبع من هذا المصدر، والأمر ينطبق على كل الديانات، وإنني لأرى أنه بمقدار ما تمتلئ الأديان بضروب الجمود الفكري، والأفكار المتبعة، والأعاجيب، والخرافات، بمقدار ما تفرق بين الناس..

بل تؤدّي إلى توليد العداوات فيما بينهم، وفي المقابل بمقدار ما تخلّد الأديان إلى البساطة وبمقدار ما يصيبها النقاء تصبح أكثر قدرةً على بلوغ الهدف الأسمى للإنسانية ووحدة الجميع.

وهذا هو السبب الذي جعل رسالتكم تبدو لي ممتعة، وفي النهاية أرجو أن تتقبلوا يا جناب المفتي تعاطف صديقكم.. تولستوي.

ولا تزال حتى الآن في متحف تولستوي الشهير في العاصمة الروسية موسكو، الرسالتان موضوعتان في صندوق زجاجي أنيق، إحداهما مكتوبة باللغة العربية، بتوقيع مفتي الديار المصرية، محمد عبده.

والأخرى باللغة الفرنسية، بتوقيع الأديب الروسي العالمي ليو تولستوي، لتكونا شاهدتين على الروابط الثقافية القديمة التي جمعت بين الرجلين

يُعدّ محمد عبده واحدًا من أبرز المجددين في الفقه الإسلاميّ في العصر الحديث، وأحد دعاة الإصلاح وأعلام النهضة العربية الإسلامية الحديثة، وتأثر أيضًا بعلماء مسلمين وغير مسلمين..

وفي مقدّمتهم المصلح الاجتماعيّ والمفكر الأخلاقيّ وداعية السلام تولستوي، فقد كان الشيخ محمد عبده على معرفة بالأدب الروسيّ، والنشاط الاجتماعيّ الخاصّ بتولستوي، الأديب والحكيم، وأفكاره المستنيرة، وذلك من خلال الجهود المتواصلة للمستشرقين الروس.

ويعتبر ليو تولستوي أحد عمالقة الأدب الروسيّ في القرن التاسع عشر، ومن أعظم الرّوائيين على الإطلاق، لما يمتاز به أدبه من نظرة إنسانية شاملة، والتي أبدت احترامًا خاصًا للثقافة العربية..

فقد عرف تولستوي حكاية "علاء الدين والمصباح السحري"، وقرأ "ألف ليلة وليلة"، وأعجب بحكاية "علي بابا والأربعون حرامي"، وحكاية "قمر الزمان بين الملك شهرمان".

قدّم تولستوي للأدب الروسيّ والعالميّ الكثير من الأعمال؛ السيرة الذاتية، الرّوايات الخيالية، القصص القصيرة، الأعمال المسرحية، مقالات عن الأدب والفنّ والتربية..

ومن أبرز وأهمّ أعماله الشهيرة رائعته "الحرب والسلام" والأخرى "أنا كارنينا"؛ وتدور أحداث "الحرب والسلام في بداية القرن التاسع عشر، مع اجتياح القائد الفرنسي نابليون بونابرت الأراضي الروسية، ودخول موسكو وانسحابه بعد الخيبة والفشل في مواجهة الشتاء الروسي القارس، ورفض القيصر الروسي ألكسندر الأول الاستسلام.

تروي الرّواية قصّة خمس أسر أرستقراطية وورطات حيواتهم الشخصية مع التاريخ بين 1805- 1813م، وبشكل رئيسيّ خلال غزو نابليون لروسيا سنة 1812م ومع استمرار الأحداث..

فإن تولستوي وبشكل منتظم، يحرم شخوصه من أية حرية اختيار ذات قيمة، وانتقد تولستوي التاريخ القياسي، وخاصةً التاريخ العسكري في الرواية، إذ يقدم في بداية المجلد الثالث للرواية آراءه الخاصة حول كيفية كتابة التاريخ.

بعد النجاح الساحق لرواية الحرب والسلام، عكف تولستوي على تأليف روايته الشهيرة الأخرى "آنا كارنينا" وبالرّغم من كون قصة الرواية خيالية، فإنها استمدت بعض أحداثها من حياته الشخصية، ولا سيما علاقته مع زوجته أثناء فترة الخطوبة.

نُشرت الرّواية على دفعات بدءًا من عام 1873م وحتى سنة 1877م، وقد ساهمت العائدات التي حصل عليها في زيادة ثروته.

لكن على الرّغم من النجاح الكبير لرواية "آنا كارنينا" عانى تولستوي من أزمة روحية بلغت حد الاكتئاب فقد كان آنذاك منهمكًا في محاولات حثيثة للعثور على إجابات حول تساؤلاته عن معنى الحياة..

فلجأ إلى الكنيسة الأرثوذكسية ولكنه لم يجد ضالته، وبعدما تعمق في النصوص الدينية، انتقد الكنيسة واعتنق مبادئ جديدة، وقرَّر أن ينشر تلك المعتقدات في مجلة جديدة "الوسيط - The Mediator"

وفي المقابل، لم تغض الكنيسة الطرف عن آراء تولستوي، فأعلنت حرمانه وإبعاده عنها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فقد كان أيضًا خاضعًا لمراقبة الشرطة السريّة.

تباينت مواقف الكنيسة الأرثوذكسية والنظام السياسيّ في روسيا من أفكار تولستوي، ففي حياته طردته الكنيسة وأبعدته، وبينما رحبت روسيا البلشفية بأفكاره التي دعمت التيار الشيوعي..

فإنّ هذا التيار الذي سقط ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، جعل روسيا تتحفظ في الاحتفاء بتولستوي ...

كان تولستوي رسول السلام مقابل ما رآه عندما شنَّ الألمان هجومهم الأوَّل على روسيا، وتغلغلوا في أراضيها شطْر موسكو، مرّوا في طريقهم ببلدة تولستوي، فأمعنوا فيها تخريبًا وبدَّدوا ما في خزائنها من كتب هذا الفيلسوف وآثاره..

كأنما هم أرادوا فيما نهبوا وأحرقوا أن يصبوا جام انتقامهم على تلك القرية التي أخرجت أكبر عدو لمبادئهم؛ فقد كان تولستوي رسول السلام وهم دُعاة الحرب، ينادي بالمساواة وهم ينكرونها، ويُعارض الخدمة العسكرية وهم يُقدِّسونها.

وما يعظم مواقف تولستوي، هي أفكاره فقد آثر تطبيق تعاليمه على نفسه، فدافع عن الفلاح ولبِس جُبَّة الفلاح، وناهض العظماء وتخلَّى عن مكانه العظيم بينهم، وحارَب الأغنياء وحرم نفسه من التمتع بثروته..

فلم يكُن يحمل في كِيسه إلا بضْع دُرَيْهمات، وكل الظواهر كانت تدل على أنه لو تُرِك الأمر إليه نفْسِه لفرَّق مالَه على الفلاحين.

ولكنَّه كان أبًا لأسرة كبيرة تضم ثلاثة عشر ابنًا، كانت زوجته تتولى إدارة ثروته الأدبية، وبنوه إدارة أملاكه والتصرّف بها وفقًا لعادات الأسرة وتقاليدها.

والحق يُقال: إن حياة تولستوي كانت مثلًا للغرابة، وعلى الرّغم من نبالة مَحتده، فقد نزل إلى معاشرة سائر طبقات الاجتماع، واحترف غير مهنة، فكان مُعلِّم مدرسة، وإسكافًا وفلاحًا، وتقلَّب بين الترف والشظف، كما تقلَّب بين الإيمان والجحود.

أمَّا فلسفة تولستوي فتُختصر بكلمة أبي العلاء المعرِّي: وزهدني بالناس معرفتي بهم... وعلمي بأن العالمين هَباءُ.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة