الحكاية الأولى .. وانفتح الباب على مصراعيه

الحكاية الأولى

كانت تلك المرأة هي الحالة الثالثة في ذلك اليوم وليس في عيادتي الخاصة، بل في مكان كنت أعمل به كانت تلبس عباءه سوداء تشي بأنهم من متوسطي الحال وكانت معها ابنه لا يتعدى عمرها العشرين من العمر شديدة النحافة وكانت مسحة الحزن ظاهرة على وجه كليهما ولم تبدأ بالكلام الا بعد ان تنحنحت قائلا "خير طمنيني" 

كان انطباعي أولا ان مشكلة هذه السيدة مشكلة نفسية الى حد كبير ولشدة ما وافق الموقف حدسي لم تخطئ تلك النظرة في عينها نظرة من يحمل شيئا ثقيلا وينوء ظهره بذلك الحمل كنت اشعرها متهالكة رغم أنها لم تتعدى الخامسة والخمسين من العمر وحينما شرحت لي ما تشكو منه وقمت بفحصها وحقا لم أجد ما يتناسب مع الشكوى التي تشكو منها ولذلك بعد أن قمت بكتابة الوصفة الطبية سألتها هل هناك أي مشاكل.... ثم بلهجة ذات معني نفسيتك عاملة اية؟ كنت بتلك الكلمة كمن يفتح الباب للمريض حتى يتحدث وقليلا ما كان أحد منهم يمتنع عن الحديث او الشكوى ....

ومع هذه المريضة صدق حدسي الي حد كبير ففي ثواني تغرغرت عيناها بالدموع ولم تتحدث لأسمع الفتاه تقول بصوت حزين مؤثر: - اختي يا دكتور قد توفت من ثلاث شهور ...رددت متأسفا: لا إله الا الله، الله يرحمها ويرحمنا جميعا برحمته أنا آسف..

قالت الأم لا يا دكتور فعلا ان الألم كله كله قد حل بعد وفاتها اتعلم ان كل هذا حدث في أسبوع ظهرت الدهشة على وجهي وانا اتمتم ناظرا للفتاه حادث ام ماذا حدث؟ لا ليس حادثا حاجة اسمها لوكيميا استغربت للحظه من إطلاق مصطلح حاجة على ذلك المرض القاسي استغربت أيضا من حديثهم أسبوع واحد وظهر على سؤالي بعدها الم يكن هناك أي مقدمات الم تتعب قبلها مطلقا كانت الفتاه هي من اجابني.. لا يا دكتور ثم أكملت الأم وهي تبكي لا يا دكتور قد كانت كالوردة كانت ام لطفلين ولم يتعدى عمرها الخامسة والثلاثون من العمر لم تتعب قبل ذلك وحينما حل عليها التعب تم تشخيصها بذلك المرض وفي خلال أسبوع واحد توفت لم أكن اعرف ما تقوله قد حدث بالتفصيل ام ماذا، ولكن هذا بالفعل ما حكته لي في ذلك اليوم 

واكملت وتأثرها يزداد: حاليا الولد والبنت ابنائها عندنا منذ ثلاثة أشهر وانا أقوم برعايتهم 

علمت في تلك اللحظة اي مسؤولية واي حمل ثقيل تحمله تلك المرأة على كتفيها مطلوب منها الآن وهي قريبة من عمر الستين أن تقوم بتربية طفلين صغيرين 

وكما أسلفت في المقدمة كنت أحاول دوما ان أشارك علي امل ان يساعد الله في شفاء ابنتي حينها وحينما أدلوت بدلوي قليلا قائلا: هناك فكره تدور في رأسي يا سيدتي إن كان لي أن أقولها ولم انتظر لتأذن لي او لا تفعل 

قلت لها الله يرحمها ويغفر اليها انا أرى ان ابنتنا العزيزة اختها يمكن ان تتزوج زوج اختها المتوفاة وتقوم بتربية أولادها قاطعت الام للأسف لا يا دكتور ان عمر زوج ابنتي المتوفاة 55 سنه ولا يصلح ان يتزوج بفتاه عمرها سبعة عشر عاما بهت من عمر الزوج فقد ظننت أنه سيكون مقاربا لعمر الزوجة المتوفية وهززت راسي بالموافقة على حديثها ماما: فعلا لا يصلح آسف على هذا الرأي، ولكنني كنت ابحث عن راحتك وعن حل لذلك الموضوع فردت جزاك الله خيرا يا دكتور انا اعلم بنيتك الطيبة وأنك تبحث عن الخير.

وفي تلك اللحظة رن التليفون المعهود يعلمني أن المرضى بالخارج بدأوا بالتضجر وان ذلك المريض أخذ الكثير من الوقت واحسست انني لابد أن أنهي ذلك الكشف فقلت لها في تعاطف وانا أودعها أعانك الله وساعدك...

وحينما غادرت سرح عقلي للحظه في موقف تلك المرأة أنه صعب وعسير بالفعل حينما تظن أنك قد انهيت ما عليك وتتأهب لترتاح وتلتقط انفاسك فتتفاجأ بان الأصعب لم يأت بعد وان كل الصعوبات التي عبرتها لا يقارن بالآتي وللأسف لا مناص من ذلك ولا يمكنك أن تغلق الباب شئت أم أبيت فقد انفتح على مصراعيه.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

وااو

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
May 11, 2021 - معاوية الذهبي
May 10, 2021 - ALHAMAIONY #الهمايوني
نبذة عن الكاتب