الحضارة اليونانية وعلاقتها بالزخارف المعمارية

تعد زخرفة الأسنان من الابتكارات التقنية المتميزة في الحضارة اليونانية، والتي اتجهت إلى تمجيد الهندسة في جوانب عديدة، من أهمها اختراع الجمالون المثلث، مع مراعاة الأبعاد المرئية وتصميم الوصلات لتركيب الأحجار وغيرها؛ إذا كانت الحضارات الشرقية القديمة مهتمة بالزخارف الهندسية -حتى لو تجاوزت إبداعاتها في الزخارف النباتية وغيرها-، فإن الحضارة اليونانية ثم الحضارة الإسلامية قد أحرزتا تقدمًا أكبر في هذا الاتجاه.

اقرأ ايضاً مفهوم الحضارة والمدنية The concept of civilization and civilization

الزخارف المعمارية المرتبطة بالفنون اليونانية والرومانية

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من الانتشار الواسع لهذا النوع من الزخارف الفريزية، فإن معظم الباحثين الذين شغلوا أنفسهم بدراسة أفاريز الزخرفة المعمارية المرتبطة بالعمارة والفنون اليونانية والرومانية يمرون بهذا النوع من الزخارف دون أن يلاحظها أحد وكأنها وفاة، على الرغم من أنه أكثر انتشارًا في كل من الهندسة المعمارية أو في الفنون، وهو الوحيد الذي يتضمن تلك التي لا ترتبط أو ترتبط بالنماذج المعمارية، ولكنها تظهر وتعرض نفسها بصورة صحيحة في اندماجها عضويًّا، فهل من الممكن بعد ذلك التخيل التعريشة مثلًا من أهم وحدات العمارة الكلاسيكية، وتتويج مبانيها بدون إطارها المكونة فقط من ديكورات الأسنان؟!

اقرأ ايضاً آلة الزمن "حكاية اللغة اليونانية القديمة"

إفريز الأسنان من الزخارف اليوناية

وظل إفريز الأسنان مستخدمًا في الوطن الأم لليونان، وفي جميع أنحاء العالم اليوناني، ثم في العالم الروماني عبر العصور الوسطى وعصر النهضة، ولا يزال قيد الاستخدام في العصر الحديث.

تعريف الزخرفة السنية

الأسنان (Denticulus) هو مصطلح مشتق من أوكار/ينكر اللاتينية، ما يعني الأسنان. يُعرف في مجال العمارة الكلاسيكية بالتعبير عن إفريز مستطيل يتكون من كتل مربعة ومرتفعة على شكل سن، والتي شكلت جزءًا من زخرفة الأعمدة الأيونية والكورينثية وأحيانًا الأعمدة المنخفضة الدورية.

ويستخدم قولبة الأسنان أيضًا للتحدث عن عملية تشكيل كتل الأسنان في المباني المعمارية كقوالب منتظمة بزوايا قائمة، وأصبحت سمة مميزة للهندسة المعمارية الكلاسيكية لأغراض الديكور مثل الكورنيش المعياري الشائع الاستخدام، وليس لغرض البناء.

إفريز الأسنان

كان إفريز الأسنان أحد العناصر الزخرفية للأواني الفخارية في القرن السابع قبل الميلاد في عديد من المدن والجزر اليونانية، في حين يتعلق بظهورها في الهندسة المعمارية، كانت البدايات الأولى من خلال بعض المقابر الصخرية في ليقيا، وبعض المناطق الأيونية الأخرى في آسيا الصغرى.

اقرأ ايضاً تاريخ الجمال عبر التاريخ

ما هي الزخرفة السنية؟

الاستنتاج المنطقي أن الزخرفة السنية عبارة عن تقليد حجري زخرفي للأوردة، مقطع مربع أو مستطيل يحمل الأسقف وظهر من جوانب المبنى، ثم تحول من الغرض الجمالي الحقيقي إلى عنصر زخرفي مكون من يشير الحجر إلى أصله الأقدم، وللمقارنة استخدم المهندس المعماري المصري إمحوتب عديدًا من العناصر الزخرفية المنحوتة في الحجر لمحاكاة عناصر العمارة الشجرية وعناصر الطين التي سبقت حتى زخارف الأسنان، نجد أيضًا أصولها كوحدات أو عناصر فردية في بعض الأعمدة من مصليات معبد اليوبيل لمجموعة الملك زوسر في سقارة من عهد الأسرة الثالثة (حوالي 2667-2648 قبل الميلاد)، لأن نهاياتها تمثلت على شكل مربعات أو مستطيلات فوق الأعمدة إلى دعم الأسقف.

وهكذا، انتقلت الأسنان نحو العمارة الحجرية منذ نهاية القرن السادس وبداية القرن الخامس قبل الميلاد، شوهد في بعض المباني في دلفي ولاحقًا في أثينا في إفريز ملاذ حاملات السلال المقدسة "كارياتيدس" من Arkthion في الأكروبوليس بأثينا في القرن الخامس قبل الميلاد.

ثم استُخدمت الزخرفة السنية في زخرفة المنازل، وكانت ذات شكل فني تحكمه معايير مستمدة من شكلها في العمارة الحجرية، مثل أحد الأفاريز الزخرفية المكونة من ثلاثة أو أربعة قطاعات تبدأ غالبًا بالأسنان؛ ثم اتسع استخدامه في إطار النحت المعماري وعديد من المجالات الفنية الصغيرة.

إفريز الأسنان في مصر

كان من الطبيعي أن تنتقل زخرفة الأسنان إلى مصر، لأن مصر كانت جزءًا مهمًا من العالم اليوناني ثم الروماني، وكانت تُستخدم عنصرًا مهمًّا في العمارة وفي عديد من مجالات الفنون، وتعود البداية إلى الفترة بين عصر الأسرة الثلاثين حتى دخول الإسكندر الأكبر مصر عام 332 ق. من خلال نحت التماثيل التي تحمل نموذج "الثوب الملفوف حول الجسم يسمى "الثوب الفارسي"، ويتميز بوجود كناري مزخرف منحوت على شكل أسنان بين الأرجل على كامل طول الجسم.

وفي الوقت نفسه، كانت مقبرة بتوزيريس في تونة الجبل بالمنيا بمثابة خط فاصل بين العصر الفرعوني والعصر البطلمي المبكر "المقدوني"، وهو شال خارجي طويل به كناري مزخرف على شكل سن محفور بعمق، يختلف شكل هذه النماذج بين المربع والمستطيل، واستمر تنفيذها بالطريقة نفسها من خلال عديد من النماذج الأوردية خلال الفترتين البطلمية والرومانية.

هندسة عامة

تظهر مقابر الإسكندرية عديدًا من أنماط الزخرفة التي غالبًا ما تمزج بين العناصر المصرية واليونانية، بما في ذلك شكل الزخرفة السنية، وبقايا العناصر المعمارية، سواء كانت أعمدة أو أفاريز أو أفاريز زخرفية -خاصة تلك المحفوظة في المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية أو في المتحف المكشوف للمنطقة الأثرية في كوم الدكة-، وهي تمثل دليلاً قاطعًا على أن الزخرفة السنية كانت جزءًا أساسيًا من زخرفة إفريز الأعمدة الأيونية والكورينثية وأحيانًا دوريك.

ولعل أقدم الأمثلة على زخرفة الأسنان بالإسكندرية كانت في مقابر الشاطبي، في المدخل المؤدي إلى قاعة الدفن (ز)، لأنها تظهر فوق الكورنيش الذي يعلو الأعمدة الأيونية، وكذلك عند المدخل المؤدي إلى حجرة الدفن (هـ) من خلال الإطار، ثم مرة أخرى فوق الكورنيش الذي يزين الأعمدة الأيونية؛ ثم شكَّل أيضًا لوحة تغلق وتفتح حجرة الدفن (أو الفتح)، والتي تأخذ شكل مدخل وهمي ببابين.

اللوحات والنقوش والفنون الصغيرة

في الحقيقة عندما يتعلق الأمر باللوحات وخاصة شواهد القبور يمكن القول إن الفنان نجح في استخدام إفريز الأسنان، لجعل اللوحة تظهر بشكل متوازن وتمتزج بين الأذواق المصرية واليونانية، بحيث تكون اللوحة إما مصرية وإما يونانية. 

شاهد القبر والعناصر المصرية

ويوجد شاهد قبر على شكل باب مزيف يعود تاريخه إلى العصر البطلمي، كرر الفنان من خلاله شكل القرص الشمسي المحاط بكوبرا ست مرات، ثم أدخل إفريز الأسنان ثلاث مرات، حتى ينسجم مع الطابع العام في شكل الشاهد، بحيث تظهر الأسنان بانسجام مع العناصر المصرية الأخرى داخل الزخارف.

ويوجد أيضًا شاهد قبر آخر على الطراز اليوناني تم العثور عليه في تونة الجبل وموجود في متحف اللوفر، يصور المتوفى على شكل مومياء، وهنا يتكرر إفريز أسنان مربعة الشكل ثلاث مرات موازية للأطراف الثلاثة مزرعة.

ومثال ثالث للوردتين في المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية يصور شاهد قبر على الطراز اليوناني، لكنه يعود إلى العصر الروماني، لأنه يُلاحظ أن الفنان وضع زخرفة الأسنان مباشرة أسفل إفريز الكوبرا الثعبان، لذلك أن الصورة النهائية تبدو متناغمة إلى حد كبير.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة