الحسابات البنكية | بحث أكاديمي

الجامعة الأردنية.

كلية الشريعة.

قسم المصارف الإسلامية.

عنوان البحث: الودائع المصرفية في البنوك الإسلامية.

إعداد: عبد الرحمن زهير رشدي شحادة.

المشرف: أ.د. أحمد أبو سرحان.

قُدم هذا البحث استكمالاً لمتطلبات مادة مناهج البحث

(الفصل الأول 2021م /2022م)

بسم الله الرحمن الرحيم

الإهداء

الحمد الذي هداني لهذا النجاح، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله، الحمد لله الذي أبلغني من العمر هذه اللحظات التي تمنيت لو أني أكتب هذه الكلمات من حبر الذهب أو من قطرات دمي الموروثة عنهما.

إلى من جعل الله رضاه من رضاها، ورضاها من رضاه، إلى التي كرم الله وجهها وكرمها في حياتها أن جعل الجنة تحت قدميها، إليها أهدي هذا الجهد، وهذا التعب من المجهود، إلى أمي العزيزة رحمة الله عليها.

وإلى عزيزي وصديقي أبي الذي ساندني منذ صغري حتى بلغ بي العمر هذه اللحظة لكي أهديه هذا العمل.

وإلى نفسي التي لم تكل ولم تمل حتى صنت العهد الذي عاهدتها إياه.

إلى كل عائلتي من دمي، وعائلتي في كلية الشريعة، وأساتذتي القدوات، أهدي لكم هذا العمل المتواضع.

وأسال الله قبوله، وكل حرف يحتويه.

الشكر

الشكر لله أولاً الذي أعطاني صحة وعافية ووقتاً مباركاً لكتابة هذا البحث،

ومن ثم لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر والعرفان أولاً لأستاذي الدكتور أحمد أبي سرحان لمتابعته متطلبات استكمال مادة مناهج البحث، وتوفيره لي الوقت في كلٍّ من الواقع والواقع الافتراضي، وهذا لا يدل إلا على حرصه علينا جميعاً، وليس لي أنا فقط، فالشكر لا يفيه جزءاً من جهده، وجميله علينا كثير.

والشكر للجامعة الأردنية التي لم تدع لنا شيئاً إلا وقد وفرته لنا من بحوث وقواعد بيانية جمة، تساعد الباحث وتسهل عليه وتسانده، وهذه الخدمات البيانية الإلكترونية الحديثة قد ساهمت بالكثير والكثير في دعم الطالب الجامعي وتوفير الوقت والجهد عليه.

والشكر لكليتنا العزيزة، كلية الشريعة التي لا تضم إلا نخباً من الأساتذة والدكاترة الذين صاروا بمثابة آبائنا وأمهاتنا حتى لا تكاد تشعر نفسك غريباً بينهم.

والشكر الخاص لقسم المصارف الإسلامية الذي أعد أحد أبنائه، والذي أنتمي له بكل ما احتوته الكلمة من معنى.

الفهرس

رقم الصفحة   الموضوع

ب                البسملة.

ج                الإهداء.

د                  الشكر.

هـ - و           الفهرس.

ز                الملخص.

1-2             المقدمة

3                مشكلة البحث.

3                أهداف البحث.

3                أهمية البحث.

4                منهجية البحث.

4-6            الدراسات السابقة.

6-7            خطة البحث.

8-9            التمهيد: الوديعة ومفهومها.

10-11       المبحث الأول: تعريف الوديعة المصرفية.

12-16       المبحث الثاني: أهمية الوديعة المصرفية.

17             المبحث الثالث: أقسام الودائع المصرفية في البنوك الإسلامية وأهم أحكامها.

18             المطلب الأول: الحساب الجاري أو ودائع تحت الطلب.

18-19        الفرع الأول: مفهوم الحساب الجاري.

19-20        الفرع الثاني: التكييف الشرعي للحساب الجاري.

21-22        المطلب الثاني: الودائع الاستثمارية أو الثابتة.

23-24        الفرع الأول: مفهوم الودائع الاستثمارية.

25              الفرع الثاني: التكييف الشرعي للودائع الاستثمارية.

25-26        المطلب الثالث: ودائع التوفير.

27             الفرع الأول: مفهوم ودائع التوفير.

28             الفرع الثاني: التكييف الشرعي لحسابات التوفير.

29-30       الخاتمة.

31-34       المصادر والمراجع.

ملخص البحث

تناولت المقالة مفهوم الوديعة المصرفية، والفرق بينها وبين الوديعة الفقهية، واهتمت بمعرفة أهمية الودائع المصرفية في البنوك الإسلامية عن طريق جذبها بطرق شتى تحت مظلة المفهوم الإسلامي لأعماله، ودرست المقالة أنواع الودائع المصرفية، ومفاهيمها وتكيفاتها الشرعية، والتي تقسم لأهم نوعين من الحسابات وهما: حسابات ائتمانية وحسابات استثمارية.

إلا أنه كانت من أهم نتائج هذا المقال أن مفهوم الوديعة المصرفية يختلف تماماً عما يقتضيه معنى الوديعة الفقهية، وأن البنوك الإسلامية لا تقبل أي وديعة على غرار الوديعة الفقهية، بل تقبلها على أساس القرض، أو المضاربة، أو الوكالة، وأن الغنم بالغرم هو أساس مبدأ عمل المصارف الإسلامية في النشاطات التجارية التي يكون فيها هو المضارب أكثر الأحيان، وأصحاب الحسابات الاستثمارية هم أرباب الأموال، ولأن العمل في المصارف الإسلامية والظروف السائدة قد تتبدل من حال إلى حال فقد كانت من أهم التوصيات في البحث أنه على البنوك الإسلامية أن تجذب العدد الأكبر من هذه الودائع، عن طريق الترويج الصحيح البعيد عن الشبهات الربوية، وعن طريق الحملات الثقافية في البيئات الاكاديمية أو التوعوية، والاهتمام بغرس مفهوم الودائع المصرفية الإسلامية.

مـقـدمـة البحث

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه بكل أمر من أمور حياتنا، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله رسوله الأمين، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة أما بعد؛ إن الأمانة ثقيلة وثقلها عجز عن حمله الجبال، كما قال تعالى في محكم كتابه: "إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" [سورةالأحزاب:72]؛ ومنها كانت الأمانة أمراً عظيماً، ولعظمها جاءت الشريعة الإسلامية لتنظم قوافي هذه الأمانة من شتى جوانبها، وألمت بجل أحوالها ومشاكل ثقلها على كاهل حاملها، فكان للشريعة الإسلامية الدور السامي في هذه الأمانة.

والوديعة هي أمانة المودع لدى المودع إليه، أي إنّ المودع إليه هو مستأمنٌ على هذه الأمانة أيا كانت هي الأمانة، ولو كانت حبة من قمح فهو مستأمنٌ عليها ما لم يتعدَّ أو يقصر فيصبح ضامناً لها.

 وفي بحثي الذي أدرسه، أحد هذه الامانات هي الوديعة المصرفية، أي الأمانة التي تختص بالأموال، ولعظم أمر المال في الإسلام كان للشريعة الإسلامية أمرها المهم ودورها الكبير في حفظ هذه الأمانة وفهمها والعناية بها أشد العناية، ولأن المال حفظه كان من الضروريات الخمس وهي الدين، والعقل، والنسل، والمال، والنفس التي وصى الإسلام على حفظها، وكما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن تضييع المال، فمما روي عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إنّ الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال". (أخرجه البخاري:1477، وسلم:4485).

ولإضاعة المال أشكال عدة، ليس القصد فيه فقط أن يُضاع على شكل تبذير أو إسراف، بل وضعه في أيدٍ ليست أمينة شكل من أشكال إضاعة المال، حتى وضعه في يد من لا يعرف عنه الصدق والأمانة يعتبر إضاعة للمال، وإن من أهم اشكال إضاعة المال التي أراها في البحث والتي قد تكون السائدة نوعاً ما في مجتمعنا، هو وضعها بين يدي المصارف التقليدية، التي لا تعترف البتة بمبدأ الأمانة عندها في بعض الحسابات البنكية التي قد يمتلكها أحد الأفراد عندهم، حيث تقبل مثلاً من الأفراد الوديعة الاستثمارية على هيئة قرض بفائدة.

فلمساهمتها في هذا النوع من المحرمات كانت الوديعة لدى هذه المصارف الربوية محرمة، ومن كبائر الذنوب، وتسبب غضب الرب عزّ وجل وتسبب عدم القبول للعمل، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا...". (البخاري2766، ومسلم89، الجريسي، فتاوى، فصل الربا والصرف).

فمفهوم الوديعة ودورها المهم في حياة الفرد المسلم، والتي هي بالأصل المبدأ الذي يقوم عليه البنوك جميعها، والذي قد يكون لها أثر كبير في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي إذا ما تجاوزت الأثر الاقتصادي الدولي والعالمي، فلولا الودائع المصرفية لما قامت البنوك سواء التقليدية منها والإسلامية، فكان لا بد من أن تكون هي محط الأنظار، وهي اللفتة المهمة التي يبني المسلمون عليها أمر الثقة بينهم، وتعظيم أمر الأمانة عندهم، ولتداول أموالهم بحفظٍ وصونٍ بأساليب شرعية محكمة، ليس فيها ضرر ولا ضرار.

حيث إن من أهم أعمال المصارف اليوم جذب الودائع، وتعتبر هي أحد أهم مصادر أموالها الخارجية، حيث إن مصادرها الداخلية قد تُحتكر في أهم مصدر وهو رأس مال المُلاك للبنك، ورأس مال المساهمين فيه، وقد يُقبل المسلمون على إيداع أموالهم لدى هذه المصارف التقليدية أو الإسلامية ولا يعلم حكم إيداعها، أهي حلال أم حرام أو ما له وما عليه حين إيداعها؟ حيث الهدف من إيداعها لديهم هو حفظ الأموال فقط أو لسحبها وقت الحاجة.

فمن الضروري جداً التنبيه لقضية الإدراك لدى المودعين، ومحاولة جذب الودائع للبنوك الإسلامية بتوعية المجتمع الإسلامي، عن طريق المؤسسات المالية نفسها، أو عن طريق العلم وتعليمه، أو من خلال الإعلام بكامل طرقه المباشرة وغير المباشرة، والمؤتمرات، والصحف، والمجلات، وحتى يكون الوعي بهذه الاختلافات بين الودائع المصرفية جلِياً وواضحاً في معالمه لدى الأفراد.

وللتعمق بمفهوم الوديعة المصرفية الإسلامية، كان لا بد لفهمها أن تطرح المشكلة كأسئلة مطروحة، كي يُستثار العقل فينتج أجوبة.

مشكلة البحث 

  1. ما مفهوم الوديعة المصرفية؟
  2. ما أهمية الودائع المصرفية؟
  3. ماهي أقسام الودائع المصرفية في البنوك الإسلامية وتكييفها الشرعي؟

أهداف البحث

تكمن أهداف هذا البحث فيما يأتي:

  1. معرفة ماهية الوديعة المصرفية ومفهومها.
  2. تأصيل أهمية الودائع المصرفية.
  3. معرفة أقسام الودائع المصرفية في البنوك الإسلامية وتكييفها الشرعي.

أهمية البحث

إن لهذا البحث أهمية بقدر أهمية الوديعة المصرفية عند البنوك، وبقدر أهمية أن نعلم لمن نسلم أموالنا ومن نستأمنه عليها، فلهذا البحث أهمية كبيرة في تأصيل مفهوم الوديعة لدى الباحث أو القارئ، ولأهميتها في الاقتصاد شتى وبالاقتصاد الإسلامي خاصة.

ومعرفة نظرة ومبادئ الشريعة الإسلامية اتجاه الوديعة المصرفية وتوضيحها، ودور المصارف الإسلامية خاصة في تفعيل هذه الوديعة بما يصب في صالح الفرد والمجتمع والاقتصاد المحلي أو الدولي وبما يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية.

واستثارني الفضول أن كيف لمفهوم الوديعة الإسلامية ألّا يكون مفهوماً متأصلاً في المجتمع الإسلامي؟ وكيف لشخص ما حين تسأله أتعلم ما الفرق بين الوديعة عند البنوك الربوية وعند البنوك الإسلامية ويجيبك بأنه لا فرق بينهما؟ فكان لا بد من التعرض لهذا البحث لكي يظهر ما هي الحسابات والودائع المصرفية الإسلامية.

منهجية البحث

اتبعت في هذا البحث المنهج الاستقرائي، والوصفي، والتحليلي، حيث قمت بالاستقراء وتتبع ما يتعلق بالموضوع من المسائل وصفتها كما هي في الواقع ودراستها وتحليلها، بغية الوصول إلى نتائج سليمة.

الدراسات السابقة:

  1. العجمي، سالم بادي، الودائع المصرفية: أنواعها وتكييفها الفقهي، مجلة كلية دار العلوم، جامعة القاهرة - كلية دار العلوم، 2013م.

كان هدف الدراسة بيان مفهوم الوديعة بشكل عام لغة واصطلاحاً، ومن ثم بيانها من الناحية المصرفية، ومن ثم تطرق الباحث لتقسيم الودائع المصرفية باعتبار إسهامها في النشاط الاستثماري للمصرف، فمنها ما يساهم في النشاط الاقتصادي ومنها ما لا يساهم فيه، وكان أحد أهدافها أيضا التعرض لأقسام الودائع من ناحية المصرف الربوي والإسلامي.

وكانت أهم نتائج البحث هي أن مشروعية الوديعة من محاسن دين الإسلام، نظراً لحاجة الناس إليها، وإن القول الصحيح الذي تستند عليه الأدلة أن حقيقة الودائع الجارية أنها قروض لا ودائع، ومما يحسن التنبيه له أنه إنما أطلق على الودائع المصرفية اسم ودائع؛ لأنها بدأت تاريخياً وتطورت خلال تجارب المصارف واتساع أعمالها إلى قروض.

ولوحظ على هذه الدراسة أنها كانت شاملة بشكل موسع لموضوع الودائع مما يجعل القارئ لا يلتفت لموضوعها الأساس بقدر ما يلتفت لمحتواها من التفاصيل المذكورة فيه حيث يجعل القارئ عاجزاً عن الوصول لمفهوم دقيق عن الوديعة فلا يجذبه لمفهومها، عدا عن كونها لم تذكر توصيات معينة لتأصيل مفهوم الوديعة عند الفرد المسلم أو الدور الإسلامي في تأصيلها لدى المجتمع.

  1. الخياط، عبد العزيز عزت، الودائع المصرفية: نظرة إسلامية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية - مركز البحوث المالية والمصرفية، 1995م.

وهو بحث مقدم لمجلة الدراسات المالية والمصرفية، كان هدف الدراسة بيان أنواع الودائع من ناحية كونها نقدية وغير نقدية، ومن ثم تطرق لتعريف الوديعة لغة واصطلاحاً والتكييف الشرعي للودائع.

لوحظ في هذا البحث المقدم أنه قد يكون مختصراً على أهم المبادئ الأساسية لمفهوم الوديعة المصرفية، إلا أنه لم يكن شاملاً لأركان البحث العلمي، حيث لم يشتمل أيضاً على أهم التوصيات والنتائج.

  1. سمحان، حسين محمد، صيغ التمويل الإسلامي: نظرة في ودائع المصارف الإسلامية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية - مركز البحوث المالية والمصرفية، 1997م.

قدم هذا البحث لمجلة الدراسات المالية والمصرفية، وكان هدف البحث هو بيان أنواع أصحاب الأموال ونظرتهم تجاه طريقة حفظهم للمال، وربطها في ضعف أسلوب جذب الودائع لدى المصارف الإسلامية من هؤلاء المدخرين.

 حيث قسمهم المؤلف إلى من يدخر المال عنده لنفسه، أو يدخرها لدى البنوك الإسلامية ويبتعد عن الربا، ومن يدخرها لدى البنوك بشكل عام دون تحفظ أو حرص.

 ومن ثم تطرق لمعنى الوديعة وفرق بين المعنى الأساس للوديعة وبين مفهوم الوديعة المصرفية، وخص بالتفريق الوديعة الاستثمارية.

وذكر بعدها بالتفصيل عن الوديعة المصرفية، وكان من أهم النتائج التفريق بين الوديعة المصرفية الإسلامية والربوية من حيث ملكية الوديعة، والخسارة، ونوع العقد، وضمان العائد بالنسبة للمودع.

ولوحظ في هذا البحث أنه كان عبارة عن نظرة عامة في الودائع المصرفية، وأنه كان مختصراً بشكل وجيز، وليس عليه تعقيب إلا في

عدم ذكره للتوصيات التي لا بد منها لزيادة جذب العملاء لدى المصارف الإسلامية، وزرع مفهوم أهمية الوديعة عند الأفراد لدى البنوك الإسلامية.

  1. أحمد، عبد القادر محمد، ضمان الودائع المصرفية وتطبيقاته المعاصرة، بنك السودان المركزي، مجلة المصرفي، 2016م.

استهدف المقال تقديم لمحة عن كتاب بعنوان "ضمان الودائع المصرفية وتطبيقاته المعاصرة"، فقد اشتمل الكتاب على سبعة فصول رئيسة، الفصل الأول تناول النشأة والتطور للمصارف، من خلال التأمين وفترة تطويره، وقارن بين التأمين والضمان ووجه الشبه والاختلاف بينهما، ومفهوم ضمان الودائع المصرفية وحمايتها من قبل المصارف الإسلامية والمخاطر في المصارف الإسلامية.

أما الفصل الثاني كشف عن تطبيقات نظام ضمان الودائع المصرفية من خلال الأسس المنطقية لقيام مؤسسات الضمان، وحماية الودائع المصرفية لدى المصارف الإسلامية، وأنواع مؤسسات الضمان، وتقييم التأمين على الودائع.

ولوحظ على هذا البحث أنه اختص بالذكر المفصل لمشكلة عدم حفظ الودائع، كما أنها كانت مختصة في دولة الباحث، وأنها كانت عبارة عن تلخيص، وليس بحثاً يشتمل على هدف ومشكلة وتوصيات خاصة بالباحث.

خطة البحث

اشتمل هذا البحث على مقدمة، وتمهيد، وثلاثة مباحث، وخاتمة، وهي على النحو الآتي:

المقدمة: وتناولت مشكلة هذا البحث، وأهدافه، وأهميته، والدراسات السابقة له، ومنهجه، وخطته.

التمهيد: وقد تحدث عن الوديعة ومفهومها.

المبحث الأول: تعريف الوديعة المصرفية.

المبحث الثاني: أهمية الودائع المصرفية.

المبحث الثالث: أقسام الودائع المصرفية في البنوك الإسلامية وأهم أحكامها.

المطلب الأول: الحساب الجاري أو ودائع تحت الطلب.

الفرع الأول: مفهوم الحساب الجاري.

الفرع الثاني: التكييف الشرعي للحساب الجاري.

المطلب الثاني: الودائع الاستثمارية.

الفرع الأول: مفهوم الحساب الاستثماري.

الفرع الثاني: التكييف الشرعي للودائع الاستثمارية.

المطلب الثالث: ودائع التوفير.

الفرع الأول: مفهوم ودائع التوفير.

الفرع الثاني: التكييف الشرعي لحسابات التوفير.

الـتمـهـــيـد: الوديعة ومفهومها

وقبل الخوض في تفاصيل البحث، كان لا بد من التطرق لمفهوم الوديعة والتفريق بينها وبين الوديعة المصرفية، لأن كلا المصطلحين بالرغم من التشابه بينهما إلا أن هناك فرقاً كبيراً بينهما، في التعريف والنية المترتبة فيهما من جهة العقود القائمة بين الطرفين والأساس الذي يقوم عليه كلٌّ منهما.

مفهوم الوديعة، الوديعة لغة من وَدَعَ، إذا سكن وتعني "وضع الشيء عند غير من يملكه ليحفظه". (أبادي، الفيروز، القاموس المحيط - ج1 - م.س.)

فهي إيداع شيء لدى شخص آخر لمدة معينة على أن يتعهد هذا الشخص برد الشيء نفسه عند الطلب. (سمحان، حسين- العمليات المصرفية الإسلامية، المفهوم والمحاسبة - ص14 - م.س.)

وأيضاً هي مشتقة من الودع أي "الترك"، وسميت كذلك لأنها تترك بيد أمينة، حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات أو ليختمن على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين"؛ أي تركهم الجماعات ومنها الودائع.

وقد يكون معناها "الحفظ" من قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث ودائع المسافر: "استودعتك الله دينك وأمانتك"؛ أي أطلب منه حفظهما.

أما الوديعة في الاصطلاح فقد عرفها البعض بأنها: "ما يترك عند الأمين". (الزيلعي، تبيين الحقائق عن كنز الدقائق، ج5 ص93)

وعرفها بعضهم الآخر بأنها: "توكيل بحفظ مال". (الحطاب، مواهب الجليل- ج5، ص250)

ونرى من خلال تعريف الفقهاء للوديعة بأنها المال المدفوع إلى من يحفظه بمقابل أو دون مقابل (بلا عوض)، مع ملاحظة أن المال هنا لا يعني النقود فقط، ويأتي معناها أيضا "تسليط الغير على حفظ المال"، ومنه يأتي عقد الوديعة.

وفي القانون يكون تعريف العقد: "عقد به يسلم شخص مالاً منقولاً لآخر ليحفظه له كما يحفظ الأموال لنفسه، ويرده بعينه عند طلب المودع". (سمحان، حسين محمد، صيغ التمويل الإسلامي: نظرة في ودائع المصارف الإسلامية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية - مركز البحوث المالية والمصرفية، 1997م).

أما تعريفها في عرف البنوك الأردنية بأنها: "مبلغ من النقود يسلمه شخص بأي وسيلة من وسائل الدفع إلى شخص آخر من شأنه أن يلتزم برده لدى الطلب أو وفقاً للشروط المتفق عليها، ويكتسب المودع لديه ملكية النقود ويكون له الحق في التصرف فيها مع التزامه برد مثلها للمودع، ويكون الرد بذات نوع العملة المودعة. (قانون البنوك الأردني رقم 28 لسنة 2000م، سمحان، محاسبة المصارف الإسلامية، ط5 - ج3 مفهوم الوديعة، ص74).

فكان للشريعة الإسلامية دور كبير في حفظ هذه الوديعة حيث كانت مشروعية هذه الوديعة مشروعة بشروط وأحكام وكذلك أنواع، فالوديعة مشروعة بالقرآن والسنة والإجماع، فأما تشريعها من القرآن الكريم فيقول تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" [سورة النساء،58]، وأما من السنة الشريفة فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". (رواه الترمذي (1264)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي).

وأما بالإجماع فقد أجمع المسلمون على إيداع أموالهم من غير نكير من أحد.

وشروطها أن يكون المال قابلاً لوضع اليد وإثباتها عليه، وأن يكون كل من المودع والمودع له (الوديع) عاقلاً مميزاً، ولا يشترط أن يكونا بالغين.

وأما حكمها فالوديعة باعتبارها أمانة لدى المودع عنده، وهي إما أن تكون بأجر أو بغير أجر، فإن كانت بغير أجر فلا يضمنها إذا هلكت بغير تعدٍّ أو تقصير، وإذا كانت بأجر فيضمنها إذا هلكت سواء بتعدٍّ من المودع عنده أو بغير تعدٍ. (سمحان، حسين محمد، صيغ التمويل الإسلامي: نظرة في ودائع المصارف الإسلامية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية – مركز البحوث المالية والمصرفية، 1997م).

المبحث الأول: تعريف الوديعة المصرفية الإسلامية.

يتوقف نجاح المصارف الإسلامية على قدرتها على تجميع الأموال من الناس على شكل حسابات مصرفية بأشكالها المختلفة، والتي سيتم ذكرها بالتفصيل في المبحث الثالث، وهي من أهم مصادر الأموال الخارجية لها، حيث ينقسم مصدر المال للمصرف إلى قسمين: داخلي وهو: رأس مال المساهمين والملاك، وخارجي: ومن ضمنه الودائع المصرفية، ولكون الودائع المصرفية مختلفة عن الودائع بين عامة الأفراد، حيث إن الفرد لا يسلم وديعة للبنك دون شروط واتفاق بينه وبينهم، قد كان عقد المضاربة هو وسيلة المصارف الإسلامية لجمع المال بالعمل، فيستحق صاحب المال الربح بماله حسب قاعدة الغنم بالغرم، ويستحق المضارب الربح بعمله.

لذا كان أصحاب الحسابات الاستثمارية هم أرباب الأموال والمصرف الإسلامي هو المضارب في مضاربة تتمتع بجميع الشروط المقبولة شرعاً.

فمفهوم الودائع المصرفية الإسلامية -بعد ذكر مفهوم الوديعة بشكل عام وشروطها- سنجد أنه لا ينطبق على الوديعة المصرفية الإسلامية ولا ينطبق على أيٍّ من أنواع الودائع (الحسابات) الموجودة في البنوك الإسلامية.

فالودائع بمعناها اللغوي والاصطلاحي لا تنطبق على الحسابات الموجودة في البنوك الإسلامية، إلا أن المفهوم القانوني الذي سبق ذكره قد ينطبق على جزء من هذه الودائع، وهي الوديعة الائتمانية كما سيتم بيانها لاحقاً.

وقد عرف الباحثون في المؤسسات المالية الوديعة المصرفية بأنها: "هي الأموال التي يعهد بها الأفراد، أو الهيئات إلى المصرف، على أن يتعهد المصرف بردٍّ مساوٍ لها إليهم، أو نفسها لدى الطلب، أو بالشروط المتفق عليها". (عمليات البنوك من الوجهة القانونية: 17، علي جمال الدين عوض).

فالمصارف الإسلامية لا تقبل الوديعة على أنها الوديعة المتعارف عليها في الشريعة الإسلامية كما هي، بل تقبلها على حسب العقد المتفق بين الطرفين (صاحب الحساب) و(المصرف)، ومن هنا نشأ الاختلاف بين المفهومين. وهي أيضا: اتفاق يدفع المودع بمقتضاه مبلغاً من النقود للبنك بوسيلة من وسائل الدفع المختلفة، وينبني على ذلك خلق وديعة تحت الطلب أو لأجل يحدد بالاتفاق بين الطرفين. (سليمان، الودائع المصرفية في البنوك الإسلامية 11).

والوديعة المصرفية إما أن تكون قرضاً عليه أو مدفوعاً له على سبيل المضاربة الشرعية، أي تقبل المصارف الإسلامية الودائع تحت مفهوم القرض أو المضاربة. (سمحان، حسين محمد، صيغ التمويل الإسلامي: نظرة في ودائع المصارف الإسلامية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية - مركز البحوث، ص55-56)

لذلك أرى إن أمكن تعديل اسم المبحث إلى "تعريف الحسابات المصرفية"، وأراه الأنسب لأن الودائع المصرفية هي نفسها الحسابات المصرفية، ولأن جميع أو غالب ما تسميه المصارف ودائع مصرفية، لا ينطبق عليها تعريف ولا أحكام الوديعة في الشريعة الإسلامية.

وليس شرطاً أن تكون الوديعة المصرفية أموالاً فقط أو من فرد لمصرف، فقد تكون بين المصارف نفسها أو بين مصرف دولة وأخرى، فهي قد تكون ودائع تحفظ في خزانات حديدية محكمة الإغلاق تامة الحراسة، ويدفع عليها المودع للمصرف أجراً لحفظه إياها، وعادة ما تأخذ شكل الوثائق أو المجوهرات أو مسكوكات الذهب والفضة وغيرهم.

ويرى الباحث أن التعريف الأنسب للوديعة المصرفية الإسلامية هو أنها النقود التي يعهد بها الأفراد أو المؤسسات إلى البنك على أن يتعهد هذا المصرف بردها أو رد مبلغ مساوٍ لها لدى الطلب أو حسب الشروط المتفق عليها ووفقاً للضوابط الشرعية.

وخلاصة المفهوم أن من أعمال المصارف اليوم، بل ومن أهمها هو جذب الودائع من الأفراد فهي المحور الأساس والمصدر الرئيس الخارجي للأموال التي يعتمد عليها المصرف في نشاطاته الاقتصادية والتجارية وغيرها، ولقد انتشرت الودائع عالمياً، وأقبل المسلمون على إيداع أموالهم في المصارف دون النظر إلى ما يكون فيها من حلال أو حرام طمعاً في ربح أو فائدة أو حفظاً لأموالهم من الضياع أو لتسهيل المعاملات التجارية وتسديد المستحقات المالية أو للاستفادة من أي خدمة مصرفية مقدمة لهم. فإقبال العملاء على إيداعهم الأموال في مصرف ما يكمن في الثقة تجاه هذا المصرف، ويدل على أمانة هذا المصرف، وقدرته على إدارة الودائع وحفظها وردها لهم لدى الطلب، وهذا مما يزيد عامل الثقة في هذا المصرف، ويزيد من درجة الأمان التي يلجأ إليها المتعاملون في حفظ أموالهم أو استثمارها.

المبحث الثاني: أهمية الودائع المصرفية

كما أسلفنا بالذكر سابقاً أن للوديعة المصرفية الدور الكبير والأساس الذي تقوم عليه المصارف بشكل عام، فللودائع المصرفية أهمية بالغة ومهمة للمصارف، حيث تعود عليها بالمنفعة المادية من خلال تمويل مشاريع تلك المصارف واستثمارها، وبالتالي جني الأرباح منها.

تشكلت المصارف عندما كان الصيارفة يضعون الطاولات على شواطئ إيطاليا حيث كانت تَكثر التعاملات المالية هناك بسبب البواخر والشحن المستمر، إذ كانوا يسمون هؤلاء الأشخاص الذين يجلسون على طاولاتهم (بانكوك)، ومنها نشأت تسمية البنك.

"حيث أظهرت الميزانية العامة للبنك الإسلامي الأردني أن إجمالي الأوعية الادخارية قد بلغت في نهاية عام 2019م حوالي 4395 مليون دينار، موزعة على حوالي 951 ألف حساب عامل، كما بلغت أرصدة الأوعية الادخارية للبنك / مجموع ودائع العملاء لدى البنوك العاملة في الأردن حوالي 12.4%.

وكان للبنك أيضاً دور فعَّال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، واستطاع أن ينمو نمواً متصلاً وسريعاً، وأن يرسخ مكانته المصرفية في الكوكبة الأمامية للبنوك الأردنية، بتبني رؤية مختلفة عن الرؤى التقليدية لوظيفة المال، إذ استطاع تقديم خدمات مصرفية واستثمارية للمتعاملين وفق الضوابط الشرعية التي تنتهج نهجاً متميزاً في الاقتصاد". (الموقع الإلكتروني لجريدة الدستور، الأحد 2آيار، مايو 2021، البنك الإسلامي الأردني العامود الفقري للصيرفة الإسلامية، تاريخ الدخول: 17/1/2021م).

كما بلغ رصيد إجمالي الودائع لدى البنوك المرخصة في نهاية عام 2018م حوالي 8.33 مليار دينار، مرتفعاً بحوالي 650 مليون دينار أو ما نسبته 2٫0 % عن مستواه المسجل في نهاية عام 2017م. (التقرير السنوي الأربعون، البنك الإسلامي الأردني، لعام 2018، ص19).

فكلما كان الجذب والإقبال على الودائع كبيراً زادت ثقة المتعاملين لدى المصرف، وكلما زادت حصة المصرف السوقية برأس ماله أيضاً مكّنه ذلك من البقاء للقيام بمهامه ووظائفه الاقتصادية والاجتماعية.

إذن، تُعدُّ الوديعة من أهم الموارد الخارجية الأساسية للمصرف، حيث تُستَخدَم في أغراض عدة، مثل الاستثمار وعملية الإقراض، كما أنَّها تُفيد في تسهيل العمليات المصرفية، وفي عدة نقاط منها:

  1. توجيه الأموال والمدخرات إلى قنوات استثمارية تعزز الإنتاج وتزيد من رأس المال، وبالتالي تنعش اقتصاد الدولة.
  2. تفيد الودائع المصارف أكثر بكثير من الاحتياطات ورأس المال كونه لا يُمكن استثمارها في مشاريع تدر الأرباح.
  3. فائدة الودائع في تقليل الاستهلاك، ممَّا يؤدي إلى الاستقرار النقدي على مستوى الدولة بسبب تقليل نسبة التضخم والذي بدوره يؤدي إلى التنمية الاقتصادية.
  4. تعد عملية الإيداع بحد ذاتها خدمة تُقدَّم للأفراد.
  5. إنَّ الودائع تُفيد في التوزيع العادل والمدروس للموارد المالية على المشاريع التي تُستثمَر بها، وكذلك تفيد في تنوع المشاريع التي تمولها المصارف؛ ممَّا يؤدي إلى توزيع المخاطر والتقليل منها.
  6. وَفرت الودائع عائداً جيداً للمودعين ممَّا يحقق لهم الاستقرار المادي.

"إن النظام البنكي يقوم بدور كبير لجمع الودائع ليحقق نموه، وبالتالي للمنظومة البنكية تأثير إيجابي على الاستثمار وبالتالي النمو الاقتصادي، لكن لا يمكننا الخروج بهذه النتيجة فقط، لأن عملية جمع الودائع لا تعد الوظيفة الأساسية بالنسبة للمؤسسة البنكية رغم أهميتها، فعملية منح القروض هي التي من خلالها الحكم إن كانت المنظومة المصرفية لديها تأثير إيجابي على النشاط الاقتصادي أم العكس، فيلاحظ الباحث أن عملية منح القروض تربطها علاقة عكسية بالاستثمار، وبالتالي بالنمو الاقتصادي،

 الأمر الذي يدفعنا إلى القول بأنه لا يوجد تنسيق بين عملية جمع المدخرات ومنح القروض، حيث المصدر المالي الداخلي الذي تم ذكره مسبقاً هو ما يُرتكز عليه في الأساس عند عمل أي مصرف، حتى إنه في قانون البنوك لا بد أن يصل رأس المال المصرح به لعمل هذا المصرف مبلغاً محدداً من قبل البنك المركزي". (قانون البنوك الاسلامية، رقم28 لسنة2000 وتعديلاته. المادة رقم .50)

ولأهميتها الكبيرة كانت الشريعة الإسلامية أولى في حفظها وحسن تدبيرها عن المدخرين والمستثمرين، حتى إنه استحدث قانون خاص في البنوك الإسلامية عن البنوك التقليدية، فجذبت المصارف الإسلامية هذه الودائع عن طريق إنشاء الحسابات للمتعاملين معها، وتصنيفهم على حسب العقد المتفق بينهم، فنشأت حسابات من حيث نوع العقد إلى حسابات يستحق أرباب الأموال عليها أرباحاً (الحسابات الاستثمارية)، وحسابات لا يستحق أرباب الأموال عليها ربحاً (الحسابات الائتمانية)، كما سيتم ذكرها بالتفصيل في المبحث الأخير من هذا البحث.

فدائماً ما تفضل المصارف الإسلامية استغلال الودائع التي تكون في الحسابات الائتمانية، لمنح القروض أو تسهيل المعاملات، أو الاستثمار بها لكونها مقبولة على سبيل القرض، لكون طبيعة هذه الحسابات راكدة وتبقى فيها الأموال مدة أطول من الودائع الاستثمارية التي تكون متقلبة بين الحين والآخر.

فالودائع الائتمانية تلعب الدور الأكبر في خلق نقود الودائع وإيجاد فرص لنمو المصرف بشكل أكبر، فطبيعة علاقة الاستثمار برأس المال الثابت "الراكد كما سبق ذكره" تتجلى في كونهما علاقتين اجتماعيتين وفنيتين، وإن الذي يحدد حجم رأس المال هو الاستثمار، وبالتالي تظهر الأهمية الاقتصادية لعنصر الاستثمار كمتغير اقتصادي من خلال الدور الذي يلعبه في مسار النظام الاقتصادي، وتطوره حركياً ولا سيما وأنه وثيق الارتباط والصلة بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمتغيرات الادخار والدخل والاستهلاك، ومستوى التشغيل، ومستوى النمو والتنمية الاقتصادية. (تسابت، أهمية الودائع المصرفية في تكوين رأس المال الثابت،2016، ص-99،100).

"يعرف الاستثمار على أنه ذلك الجزء المقتطع من الدخل القومي، والمسمى بالادخار والموجه إلى تكوين الطاقات الإنتاجية الجديدة، من وسائل إنتاج ومكائن ومعدات رأسمالية، من أجل خلق سلع وخدمات جديدة، وكذا المحافظة على الطاقات الإنتاجية القائمة وتجديدها، بهدف تلبية حاجيات المستهلكين". (محمد مطر، " إدارة الإستثمارات،1999، ص7)

وقبول الودائع وأثرها الاقتصادي لم يكن أمراً جديداً أو لنقل منذ نشأت المصارف سواء التقليدية أو الإسلامية، فقبول الودائع واستغلالها على سبيل القرض كان منذ القدم، فكان للصيارفة دور في قبولها وتقديم القروض في الحضارة العربية الإسلامية.

حيث تعددت أعمال الصيارفة وتنوعت ما بين النقد، والعد، والحساب، والصرف، ومبادلة العملات ومعرفة صحيحها من سقيمها، والقيام بالإقراض للسلطة والفلاحين والمحتاجين، وبقبول الودائع واستثمارها في تجارات، وإنشاء شركات تجارية متعددة المهام، وشركات لعبور الحدود الإقليمية للدولة الإسلامية، وما كان هذا ليتم لولا ما تمتاز به الحضارة الإسلامية من سمات استوعبت كل المتغيرات وقولبتها في إطارها وأضافت على نشاطها الصبغة الشرعية.

كما أن رغبة المتخصصين من أهل هذا النشاط في تطوير منظومتهم المالية وآلياتهم المستعملة جعل منهم خبراء في فهم قوانين السوق ومتطلباته، ولكي يكون عملهم في إطار المباح اجتذب الصاغة والصيارفة ثقة الناس، ودفع الأثرياء أموالهم إليهم لحفظها في خزائنهم نظير أجر يتقاضونه.

"فكرة الاستفادة من الودائع تطورت في العصر الإسلامي الأول، حيث نجد الزبير بن العوام يأتيه الرجل بالمال ليستودعه إياه فيقول له الزبير: لا، ولكن هو سلف، إني أخشى عليه الضيعة، وكان نتيجته أن بلغ مجموع ما كان لديه من أموال -كما أحصاها ابنه عبد الله- مليونين ومائتي ألف درهم، حيث لم يكن يرضى أن يأخذ الأموال ليبقيها مخزنة عنده، بل كان يفضل أن يأخذها قرضاً مُحققاً بذلك غايتين هما:

  1. حرية التصرف بالمال المسلم إليه باعتباره قرضاً وليس أمانة.
  2. إعطاء ضمان أكيد لصاحب المال من حيث كونه لو بقي أمانة فهو يهلك على مالكه، إذا كان بلا تعد ولا تقصير، أما إذا أصبحت الوديعة قرضاً فإنها تصبح مضمونة في ذمة المقترض". (دعوب، الصيارفة ودورهم في قبول الودائع وتقديم القروض في الحضارة العربية الإسلامية، مجلة الجامعي، ص95).

فحينما كان للوديعة المصرفية هذه الأهمية الكبيرة للفرد والمجتمع والمصرف، فلنفترض بأن المصرف الإسلامي الأردني قبل الودائع وباشر في أعماله، فلا بد من وجود من يصون الودائع في حال خسارة المصرف أو إفلاسه، فمن يضمن هذه الودائع ويرد للمودعين حقوقهم حينها؟ وكيف للمصرف الإسلامي أن يرد تلك الودائع لأصحابها إذا أفلس، وأُصدر قانون جبري بحق الإغلاق فوراً؟

الإجابة: هناك ما يسمى بمؤسسة ضمان الودائع (1)، حيث رسالتها تكمن في حماية المودعين لدى البنوك، وتشجيع الادخار، وتعزيز الثقة بالنظام المصرفي، والمساهمة في الحفاظ على الاستقرار المصرفي والمالي في المملكة.

ومن أهداف هذه المؤسسة التي أنشئت في أيلول عام 2000م وفق أحكام قانون المؤسسة رقم (33) لعام 2000 وتعديلاته:

  1. تأمين الحماية التامة لغالبية المودعين لدى الجهاز المصرفي.
  2. المحافظة على الجاهزية والقدرة المالية والتشغيلية وبناء مستوى ملائم من الاحتياطيات.
  3. إدارة عمليتي التعويض والتصفية بكفاءة وفعالية.
  4. المساهمة في معالجة أي بنك يتعرض لمشاكل ذات أثر جوهري في مركزه المالي.
  5. المساهمة في نشر ثقافة إدارة المخاطر لدى القطاع المصرفي.
  6. توعية الجمهور بنظام ضمان الودائع في المملكة.

وخلاصة الأهمية التي يراها الباحث في الودائع المصرفية أنها استراتيجية عظيمة تبناها أفرادٌ وَجدوا في أنفسهم القدرة على استئمانها، وإدارتها مهما بلغت أرقامها وحساباتها، وردها وقت طلبها، فأسسوا مصارف كبيرة لتضم تلك الودائع تحت أجنحتها لتقوم بأعمالها المصرفية الشتى، وتسهيل عمليات الإقراض للأفراد والاقتراض بين المؤسسات المالية ذاتها، حيث يكون لهذه المصارف الدور الاجتماعي، والاقتصادي، والمحلي وأيضاً الدولي إذا ما كان يتجاوزها ليصل إلى الدور العالمي كالبنوك المركزية.

المبحث الثالث: أقسام الودائع المصرفية في البنوك الإسلامية، وأهم أحكامها.

عندما كانت الوديعة المصرفية في الفقه الإسلامي مختلفة في معناها عن المعنى المصرفي، حيث إنه من المفروض أن يجعل المصرف يده على الوديعة المصرفية، يدَ أمانة كما هو في مفهومها الفقهي، وهي بقاؤها أمانة لدى المصرف، ولا يحق له الانتفاع بها حتى، ولكن انتقلت الوديعة المصرفية انتقالاً كاملاً من حيث ملكيتها ومنتفعاتها إلى يد المصرف، فأصبحت يد المصرف عليها يد ضمان، ولأنه يقبلها على أساس القرض، ومن هنا كان الاختلاف في المعنى بين الوديعة الفقهية والوديعة المصرفية.

وقبول المصرف الإسلامي لها على سبيل القرض ليس عبثاً، بل ليتمكن من الانتفاع بهذه الودائع، ولكنه لم يقيد هذه الودائع فقط من جهته هو وبنوع واحد، أي لم يعتمد فقط على نوع الوديعة التي تودع عنده بقصد الحفظ والتي تكسِبه الثقة لدى العملاء وهي (الوديعة الائتمانية)، وهي تقبل على أساس القرض، بل وسع مجال الودائع لتحتوي تلك التي يضعها العملاء بقصد المشاركة بالربح والخسارة في النشاطات التجارية والاقتصادية التي يجريها البنك بنفسه من أمواله الخاصة أو التي يخلط معها أموال العميل وهي (الوديعة الاستثمارية)، وهي تقبل على أساس المضاربة أو يدرس ثقته بالعميل حتى يضمن نسبة ما من نتائج المشروع(وديعة استثمارية على سبيل المضاربة، فيكون المضارب هو العميل، ورب المال هو المصرف)، أو تلك التي يودعها العميل بقصد المضاربة المقيدة (فيكون المصرف هو المضارب، ورب المال هو العميل)، وهي ما تسمى (الحسابات الاستثمارية)، وتتعدد صور الحسابات وأنواعها، فالمصرف، وحجمه، وثقة العملاء به، وثقته بعملائه، وحصته السوقية، والمنافسة في الأسواق بينه وبين المصارف الأخرى كلها تؤثر عليه، وعلى تعدد أنواع الحسابات التي قد يوفرها ويتعامل بها مع أفراده، إلا أنه هناك حسابات استثمارية رئيسة في المصرف تتوفر مهما كانت مكانة المصرف من بين المصارف المنافسة، كحساب التوفير، والحساب لأجل، والحساب تحت الإشعار، إلا أن آخر حساب لم يعد للبنك الإسلامي الأردني خاصة التعامل به منذ سنوات. (حسام، البنك الإسلامي الأردني، مقابلة هاتفية، خدمة المتعاملين، 17/12/2021، س:5م).

والحسابات الائتمانية ليس للمودع بها أي علاقة بالربح والخسارة، فالحساب بالنسبة له وديعة مسترجعة لدى الطلب، وأما الحسابات الاستثمارية فللمودع نسبة محددة لكل نوع حساب من الأرباح والخسارة بحسب مساهمة كل طرف برأس المال، فهي القاعدة الفقهية (الغنم بالغرم).

المطلب الأول: الحساب الجاري أو الودائع تحت الطلب:

هذان النوعان يندرجان تحت مسمى الودائع أو الحسابات الائتمانية، وهي أموال تودع في المصارف بقصد الحفظ (وهي الوديعة بالمعنى الفقهي)، ولكن يد المصرف عليها يد ضمان وليس يد أمانة، لقبوله لها على سبيل القرض، وهذه الحسابات لا تدخل في الأرباح والخسائر، أي لا يستحق العميل عليها أي نسبة من الأرباح، ولا يتحمل أي قيمة من خسائر المصرف إثر نشاطاته التجارية التي وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة تعتمد على هذه الودائع، وتنتقل ملكية المال من المودع إلى البنك؛ لكي يستحق البنك التصرف بهذه الوديعة والانتفاع بها، وكما أنه لا فرق في تكييف الوديعة الائتمانية في المصارف الإسلامية والتقليدية، فكلاهما قرض دون فائدة، يرى الباحث أن الحساب الجاري والجاري رواتب وتحت الطلب، هي حسابات جميعها تندرج تحت مسمى الحسابات الجارية، والتي هي في أساسها الحسابات الائتمانية (ودائع ائتمانية).

الفرع الأول: مفهوم الحساب الجاري:

وهذا الحساب يتقدم بطلب فتحه كبار التجار، ولمن لديهم سجل تجاري كالمؤسسات والشركات، وحقيقةً إن هذا الحساب لا يستحق أرباحاً، كون الحساب في أساس الاتفاق بين العميل والمصرف هو اتفاق على قرض مسترد في حال الطلب له، وحال الطلب له قد يكون في حالات كثيرة جداً ومتكررة، أي إن سحب المودع لأمواله عملية متكررة، وهذه العملية تؤثر على طريقة تشغيل البنك لأموال هذه الحسابات، وتكون نسبة تشغيل هذه الأموال المودعة فيها قليلة جداً.

والحساب تحت الطلب يكون لصغار المودعين حيث حركات السحب المتكررة فيه قليلة جداً مقارنة بالجاري، فتكون فترة بقاء الأموال فيه أطول، وقد يعتمد البنك تشغيل أموال هذه الحسابات بنسبة كبيرة.

وقد يكمن الفرق الجوهري بين الحسابات الجارية والحسابات تحت الطلب في أن الحسابات الجارية يستحق أصحابها دفتر شيكات، أما تحت الطلب فلا يتوفر لهم هذا.

وقد ينضم قسم آخر لهذا النوع يسمى (جاري رواتب)، وهو لهدف تحويل الرواتب لموظفي الشركات والمؤسسات وغيرهم، وكما أن الحد الأدنى لفتح هذه الحسابات الائتمانية في البنك الإسلامي الأردني خاصة هو 200 د.أ. (جمال، البنك الإسلامي الأردني، مقابلة هاتفية، خدمة المتعاملين، 17/12/2021، س5).

ومن "مجلة مجمع الفقه الإسلامي" (9/ 533 بترقيم الشاملة آليا) الحساب ‌الجاري (‌تحت ‌الطلب): هو سجل في دفاتر البنك يخصصه لأحد عملائه، يتمكن خلاله من إيداع الأموال في أي وقت، ضمن ساعات الدوام الرسمي للبنك، واسترداد تلك الأموال بالسحب عند طلبه أو الحوالة عليه، وقد سمي جارياً؛ لأنه يزيد وينخفض دون قيود عن طريق استخدام الشيكات، ويمكن لهذا العميل أن يودع أي مبلغ يشاء، إذ لا حدود عُليا لذلك، ويمكنه أن يسحب أي مبلغ في أي وقت وبأي وسيلة ممكنة له ضمن حدود رصيده الدائن (دائن للبنك) في ذلك الحساب، والحساب ‌الجاري هو مفتاح التعامل مع أي بنك، إذ تشترط البنوك على عملائها فتح حساب من هذا النوع في كل معاملة يجريها معهم، مثل القروض بالنسبة للبنوك التقليدية، والمرابحات وسواها من صيغ التمويل بالنسبة للبنوك الإسلامية".

الفرع الثاني: التكييف الشرعي للحساب الجاري:

"‌الودائع ‌تحت ‌الطلب أو الحسابات الجارية، أو الحسابات الائتمانية سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أم البنوك الربوية، وهي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المتسلم لهذه ‌الودائع يده يد ضمان لها، وهو ملزم شرعاً بالرد عند الطلب، ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك (المقترض) مليئاً. (فتاوى واستشارات الإسلام اليوم 17/ 310 بترقيم الشاملة آليا).

الحساب ‌الجاري هو قرض حسن قابل للسداد في أي وقت يطلبه فيه الدائن، إلا أن الإمام أجاز وضع شرط لأدائه، والقرض الحسن عند غير المالكية للمقرض طلبه في أي وقت شاء، وهذا هو المبدأ العام". (فقه المعاملات، (2/ 27 بترقيم الشاملة آلياً).

بما أن أصحاب ‌الودائع أذنوا للبنك بالتصرف في ودائعهم، وضمن البنك ردها إليهم، فإنها تأخذ حكم القرض، ولا يجوز اشتراط منفعة للمقرض. (فتوى المستشار الشرعي لبيت التمويل الكويتي رقم 166).

إن ودائع الادخار تعتبر وديعة عند البنك، وأجاز بعض الفقهاء الاتجار بالوديعة والربح للمودع (البنك)، وإذا كان للبنك أن يتاجر بودائع الادخار فإن الربح يكون ملكاً له، وله أن يتصرف فيه بجميع التصرفات الجائزة شرعاً، فيجوز له أن يمنح أصحاب ‌الودائع حوافز متفاوتة من مرة إلى أخرى.

هذا النوع يعد قرضاً بالمنظور الفقهي حيث إن المصرف المستلم لهذه ‌الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم شرعاً بردها عند الطلب، وعليه فإن أرصدة ودائع الحساب ‌الجاري تنتقل إلى المصرف فيجوز له التصرف فيها.

‌الودائع ‌تحت ‌الطلب «الحسابات الجارية» سواء أكانت لدى البنك الإسلامي أو البنوك الربوية هي قرض بالمنظور الفقهي حيث إن المصرف المستلم لهذه ‌الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم بالرد عند الطلب. (قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم 86: 3/ 9).

المطلب الثاني: الودائع الاستثمارية أو الثابتة.

بعد أن تم تجميع الأموال في المصرف من خلال الودائع المقبولة على سبيل القرض، اتخذت المصارف سبيلاً جديداً لقبول الودائع حيث تشارك هذه الودائع أنشطتها التجارية مع أصحابها، واتخذت هذا الاتجاه كصيغة من صيغ استثمار المصرف أمواله الخاصة وخلطها مع أموال المودعين أو استثمار أموال المودعين فقط، ولتعدد رؤوس الأموال ولأن الربح والخسارة في الشريعة الإسلامية هو ربح بالاتفاق على نسبة مئوية محددة، والخسارة على حسب مساهمة كل طرف برأس ماله، كان لا بد من التمييز بين المودعين وتصنيفهم على حسابات مختلفة باختلاف نسب المساهمة فيها، -وكلها سيأتي تفصيلها في المباحث الآتية- فكان من صيغ استثمار هذه الأموال في المصرف الإسلامي صيغاً استثمارية مقيدة، وصيغاً مطلقة، حيث يسمى الأول (حسابات استثمارية مخصصة)، والثاني (حسابات استثمارية مشتركة)، وهي على غرار المضاربة المقيدة والمطلقة، وكلها تندرج تحت مسمى (الحسابات الاستثمارية).

أما النوع الثاني فيشتمل على ثلاثة أنواع رئيسة:

  1. حساب التوفير: ويتم تشغيل 50% منها، وباقي الوديعة الباقية في الحساب 50% تعتبر وديعة ائتمانية.
  2. حساب لأجل: يتم تشغيل 90% منها، وباقي الوديعة 10% تعتبر ائتمانية.
  3. حساب تحت إشعار حيث يتم تشغيل 70% منها، و30% تعتبر ائتمانية.

إلا أن نوع هذا الحساب قد تم إيقاف التعامل به منذ أكثر من 15 عاماً.

وكان آخر تحديث على حسب المراجع التي بحثت فيها حتى تاريخ 17/12/2021م هو:

كل النسب باقية على ماهي عليه، إلا حساب التوفير أصبح 40%، وكما أن الحد الأدنى لفتح هذه الحسابات هو 100د.أ. (جمال، البنك الإسلامي الأردني، خدمة المتعاملين، مقابلة هاتفية، 17/12/2021م).

أما الودائع الاستثمارية فإنها تقبل على طريقتين:

  1. على سبيل المضاربة: وقد تكون المضاربة مقيدة لوجود ودائع استثمارية مخصصة، أو أن يكون المضارب هو المصرف، ورب المال هو صاحب الحساب الاستثماري، وقد يكون العكس أيضاً، إلا أن واقع المصارف في الوقت الحالي لا يقبل أن يكون العميل هو المضارب برأس ماله، لعدم الثقة مثلاً بقدرة العميل على حصد نتائج متوقعة في مشروع ما، أو لعدم كفاءته وجدارته بإدارة المشروع، فالخسارة تكون على المصرف؛ لأنه رب المال، وفي هذه الحالة من يرجع للبنك هذه الخسارة؟ ولو كان المضارب مقصراً كيف ومتى سوف يضمن تقصيره؟ ففي كلتا الحالتين إذا كان البنك هو رب المال فالمخاطر في مواجهة الخسارة تكون عليه أثقل من أن يكون هو المضارب، فيفضل المصرف دائماً أن يكون هو المضارب، ويكون الغنم بالغرم رغم أن هذا ليس هو المبدأ الذي تقوم عليه المصارف الإسلامية.
  2. على سبيل الوكالة:

حيث تعتبر وكالة بأجر (عقد إجارة)، وتمسى (وكالة بالاستثمار)، ويكون رب المال هو صاحب الحساب الاستثماري والذي وكّل المصرف باستثمار ماله المودع، ويأخذ المصرف أجراً مقتطعاً على هذه الوكالة سواء ربحَ المشروع الاستثماري أم لا، ففي حالة الربح يستحق المصرف نسبة من الربح متفقاً عليها بالإضافة للأجر المقتطع (أجرة الوكالة)، وفي هذه الحالة تكون الخسارة على العميل (رب المال).

والفرق بين البنوك الإسلامية والربوية في الحسابات الاستثمارية في أنها تقبل هذه الأموال الاستثمارية على سبيل القرض بفائدة، أي خراج دون ضمان، وغنم بلا غرم، والفائدة المترتبة لا تضمنها في حال الخسارة، وأما المصارف الإسلامية فهي تقبلها كما سبق ذكرها في الفقرتين السابقتين، فيكون الخراج بضمان، وربح بضمان ولو حصل خسارة يتحملها المصرف في حال تقصيره، ويتحملها رب المال في حال عدم تقصيره، والغنم بالغرم.

والأرباح في الحسابات الاستثمارية المشتركة لا يتم توزيعها مباشرة بعد انتهاء المشروع الاستثماري، بل في نهاية السنة المالية، وعن طريق ما يسمى (احتساب النمر).

الفرع الثاني: التكييف الشرعي للودائع الاستثمارية

كما تم ذكره باختصار ذهب رأي الجمهور المعاصرين، وبهذا صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي، وأخذت به هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات الإسلامية، بأن الذي يترجح للباحثين هو قبولها على أساس المضاربة (هيئة المحاسبة والمراجعة، الضوابط الشرعية، القرار رقم 86، من الدورة التاسعة، 1995)، والتكييف على أنها الودائع التي تسلم للبنوك الملتزمة فعليًا بأحكام الشريعة الإسلامية بعقد استثمار على حصة من الربح هي رأس مال مضاربة، وتنطبق عليها أحكام المضاربة "القرض" في الفقه الإسلامي والتي منها عدم جواز ضمان المضارب "البنك" لرأس مال المضاربة. (التميمي، توضيح الاحكام في بلوغ المرام، باب الرهن، ج4، ص474).

المطلب الثالث: ودائع التوفير

وهي كما أسلفت أحد أنواع الحسابات الاستثمارية، وهي ودائع فيها وجه شبه بالودائع الجارية من حيث إمكان السحب عليها في كل آن وآخر بالودائع الثابتة من حيث ما تقرضه المصارف من فوائد للموفرين.

هذا النوع من الحسابات تفتحه البنوك الإسلامية لعملائها على أساس إتاحة الفرصة للعميل للجمع بين مزايا الحسابات الجارية والحسابات الاستثمارية معًا، فيحق للعميل بموجب العقد المبرم بينه وبين البنك في هذا الشأن السحب من الحساب في أي وقت يشاء، كما يحق له مشاركة البنك، وكذا سائر المودعين من أصحاب الحسابات الاستثمارية في العائد المحقق من الأنشطة المختلفة، وذلك وفقًا لآخر رصيد قائم من الأموال التي أودعها، ويحصل العميل صاحب هذا الحساب على دفتر يتم تقييد كافة الإيداعات والمسحوبات (إلى) و(من) في هذا الحساب. (مجلة مجمع الفقه الإسلامي، باب المضاربة المشتركة في المؤسسات المالية، ج13، ص1142).

"هذا ويجب التنبيه إلى أن ‌ودائع ‌التوفير يمكن أن تدخل من جهة في الودائع الثابتة باعتبار احتمالات ثباتها لوجود صعوبة ما في سحبها بعكس السهولة الموجودة في الحسابات الجارية مما يوفر لها بعض المبالغ باعتبار دخولها كمساهمة في عمليات الاستثمار كما يمكن اعتبارها قروضاً كالحسابات الجارية وحينئذ فلا يمكن أن تَجرَّ إلى دخل". (مجلة الفقه الإسلامي، باب الودائع المصرفية، ج9، ص585).

‌ودائع ‌التوفير ولها صور متعددة

(د. الطيار، وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة، ج4، ص281).

  1. أن يقوم صاحب هذا النوع بإيداع مبالغ متفرقة بين الحين والآخر، بحيث إنه إذا أودع مبلغاً استحق فائدة عليه من حين الإيداع.
  2. ودائع الادخار، وهي عبارة عن مبالغ تودع لدى البنك، ويكون لهم حق السحب منها في فترات محددة كمرة في الأسبوع مثلاً لقاء فائدة معينة، وقد تحدد بعض البنوك حداً أعلى للسحب في كل مدة كنسبة مئوية أو مبلغ ثابت.
  3. ما يودعه الموفر في البنك من مبالغ ينشئون بها حساباً في دفتر خاص توضح فيه إيداعات ومسحوبات صاحبه مقابل نسبة فائدة ثابتة، وتوجد حدود للسحب اليومي من الرصيد في هذا الدفتر، ولا يمكن لصاحبه السحب كاملاً.

وهي عبارة عن المبالغ الّتي يودعها أصحابها في البنك بغرض التوفير والادخار، وينشئون بها حسابًا في دفتر خاص (دفتر التوفير) توضح فيه إيداعات ومسحوبات صاحبه.

وتوجد حدود للسحب اليومي من الرصيد في هذا الدفتر، ولا يمكن لصاحبه السحب لكامل رصيده دفعة واحدة. (الودائع المصرفية للأمين، ص: 210).

الفرع الأول: مفهوم ودائع التوفير

يعد مفهوم ودائع التوفير من أكثر المفاهيم شيوعًا، بل ويستخدمه أي شخص نظرًا لسهولة فهمه وأيضًا لأنه يمكن أن يكون مرتبطًا بأيٍّ منا، ويمكننا القول: إن وديعة التوفير هي واحدة من أكثر العمليات شيوعًا، والتي يمكن للمرء القيام بها عند التعاقد مع اهتمام أو خدمات البنك، وبهذا المعنى فهي أيضًا إحدى العمليات التي تتطلب متطلبات أقل نظرًا لأنها مريحة لكلا الطرفين: العميل أو البنك، وهي وديعة الادخار، وديعة يقوم بها شخص في بنك لدخله أو مدخراته أو رأس ماله بهدف واضح وهو حماية تلك الأموال، وفي نفس الوقت منعها من أن تكون متاحة بشكل دائم الأمر الذي قد يجعلها متاحة لسوء الاستخدام، يتم بعد ذلك إيداع التوفير بموافقة العميل، الذي يقترب من البنك لإيداع أمواله في خزائن المؤسسة حتى لا تكون بحوزته في جميع الأوقات، وبما أن النظام المصرفي والمالي حقق اليوم مستوى هائلاً من التطور، فمن المستحيل الاعتقاد بأن الفضة التي يودعها المرء تكون ملموسة وبشكل ملموس في فرع أو مكان معين، إن لم يكن ذلك فإنه يصبح جزءًا من إجمالي رأس المال في البنك الذي لديه توافر أحد أفضل عناصر إيداع التوفير، ما يجعله شائعًا جدًا، وهو أنه يمكن للعميل سحب أمواله في أي وقت، وهي الحسابات التي يحتفظ المودعون على أساسها بدفتر توفير تسجل فيه كافة عمليات السحب والإيداع في الحساب وفق الشروط والضوابط التي يضعها البنك، والهدف منها تشجيع صغار المدخرين على الادخار.

وقد جاء في توصيات مؤتمر المصرف الثاني في دبي لعام 1997م / 1399م أنه لا تعطى أرباح على أرصدة الحسابات الادخارية إلا في الحالة التي يُنص فيها -عند طلب فتح الحساب- على أن المعاملة بين المودع والبنك الاسلامي تأخد حكم المضاربة، وعلى هذا تكون هذه النسبة مضمونة من البنك، فإذا دخلت هذه الودائع في الأعمال الاستثمارية استحق أصحابها نسبة من الأرباح المحققة وفقاً لنسب مئوية يحددها مجلس إدارة البنك. (موقع http://WWW.ARABANK.COM/ الوديعة-البنكية، موقع عربي متخصص في متابعة شؤون التمويل الإسلامي عامة والبنوك الإسلامية خاصة، تاريخ الدخول للموقع 18/12/2021م، س:3.12ص، https://www.arabnak.com/الوديعة-البنكية;;)

التوصيات:

أوصي بالآتي:

  1. نشر الوعي الثقافي الديني بمفهوم البنوك الإسلامية، وجعل منظورها الخارجي والداخلي مستوعباً لدى أفراد المجتمع.
  2. الاهتمام بغرس مفهوم الودائع المصرفية الإسلامية في عقول الأفراد بواسطة الكتب والمجلات والنشرات، والأكاديميات التعليمية حتى يستطيع الفرد المسلم الانتباه لمفهومها وأهميتها في دينه وماله.
  3. على البنوك الإسلامية أن تجذب العدد الأكبر من هذه الودائع، عن طريق الترويج أو الحملات الثقافية في البيئات الاكاديمية أو التوعوية.
  4. على الباحثين الإكثار من نشر الأبحاث التي توسع من إدراك الباحث المبتدئ بمفهوم الودائع المصرفية.
  5. على البنوك الإسلامية أن تثبت نفسها، لأن المنافسين من حولها كثر، فضرورة إثبات وجودها يقتضي أن تعمل على جذب الودائع بكل أنواعها، وتبتعد عن الترويج لها بأفكار قد تجعل من الملتفت لها كأنه لا يفرق بينها وبين البنوك التقليدية (الربوية).
  6. على موظفي البنوك الإسلامية توعية العميل المقبل على فتح الحساب الاستثماري، ومحاولة جعله مستدركاً لكامل الشروط المذكورة في العقد، وهذا لا يساعد العميل فقط في فهم مجريات فتح الحساب وماله وما عليه، بل إن المعاملة الحسنة ونقل الصورة الكاملة عن فكرة حساب استثماري ما لهو الطريقة الأمثل لجعل العميل معتزاً ومُمتنّاً وولاء لهذا المصرف، وهذا يساعد أيضاً في جعله ينقل الصورة واضحة لمن هو ليس بعميل لدى المصرف، ومنه تتحسن صورة وسمعة هذا المصرف ويقبل عليه العملاء الآخرون بكل فخر واعتزاز.

المصادر والمراجع

  1. عبد العزيز محمد عزام، فقه المعاملات، مكتب الرسالة الدولية، ط 1997م - 1998م، ذو الحجة 1431هـ.
  2. مجلة مجمع الفقه الإسلامي، إعداد د. محمد علي القري، ع9، بترقيم الشاملة، سنة 17 أكتوبر2019م.
  3. الأستاذ الدكتور عبد الله بن محمد الطيار، وبل الغمامة في شرح عمدة الفقه لابن قدامة، دار النشر للطبع والتوزيع الرياض - المملكة العربية السعودية، ط1، 1432هـ.
  4. الهيتي، عبد الزراق رحيم الهيتي، المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق، دار أسامة للنشر، ط1، الأردن.
  5. الأستاذ الدكتور حسين محمد السمحان، محاسبة المصارف الإسلامية في ضوء المعايير الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية 2015م، دار الميسرة للنشر، طبعة معدلة 2017م.
  6. الزيلعي، فخر الدين الزيلعي الحنفي، تبين الحقائق عن كنز الدقائق، المطبعة الأميرية، ط1، القاهرة.
  7. الحطاب، شمس الدين محمد بن الرعيني، مواهب الجليل، مطبعة السعادة، ط1، القاهرة، 1335هـ.
  8. فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم، علماء وطلبة علم، موقع الإسلام اليوم:

 http://WWW.ISLAMTODAY.NET

  1. الفيروز، مجد الدين محمد بن يعقوب الشيرازي الفيروز أبادي، القاموس المحيط، ج1.
  2. الصيفي، عبد الله علي محمود، الودائع الاستثمارية في المصارف الإسلامية: تخريجها، وكيفية توزيع أرباحها، الجامعة الأردنية - عمادة البحث العلمي، م2010.
  3. دعوب، ماهر عبد الغنى، الصيارفة ودورهم في قبول الودائع وتقديم القروض في الحضارة.
  4. العربية الإسلامية، النقابة العامة لأعضاء هيئة التدريس الجامعي 2016م.
  5. التقرير السنوي للبنك الإسلامي لعام 2018م، رابط الدخول:

https://www.jordanislamicbank.com/sites/default/files/JIB_AnnualReport_2019_Arabic low.pdf.

  1. عبندة، نبيلة خليل إبراهيم، أثر الودائع الاستثمارية على كفاءة المصارف الإسلامية الأردنية، جامعة جرش، 2018م.
  2. أحمد، عبد القادر محمد، ضمان الودائع المصرفية وتطبيقاته المعاصرة، بنك السودان المركزي، 2016م.
  3. الخياط، عبد العزيز عزت، الودائع المصرفية: نظرة إسلامية، الأكاديمية العربية للعلوم المالية والمصرفية – مركز البحوث المالية والمصرفية، 1995م.
  4. عبد الرحمن، تسابت، أهمية الودائع المصرفية في تكوين رأس المال الثابت: دراسة حالة المنظومة المصرفية الجزائرية، المركز الجامعي علي كافي بتندوف، 20
  5. جريدة الدستور، وتاريخ الدخول في يوم 17/12/2021م ، رابط الجريدة إلكترونياً

https://www.addustour.com/articles/1215498-البنـك-الإسلامـي-الأردنـي-العمـود-الفقـري-للصيرفـة-الإسلاميـة-خـلال-مسيـرة-المئوية;

  1. موقع البنك المركزي، المصدر لقوانين البنوك رقم 28 لعام 2000م:

https://www.cbj.gov.jo/Pages/viewpage.aspx?pageID=78

  1. موقع مؤسسة ضمان الودائع وأهدافها، 17/12/2021م،

https://dic.gov.jo/ar/Objectives_Ar.aspx

  1. موقع عربناك، الوديعة البنكية: https://www.arabnak.com/الوديعة-البنكية/
  2. موقع جريدة الدستور:

https://www.addustour.com/articles/1215498-البنـك-الإسلامـي-الأردنـي-العمـود-الفقـري-للصيرفـة-الإسلاميـة-خـلال-مسيـرة-المئوية;.

  1. جمال، حسام جمال، مكالمة هاتفية، خدمة العملاء، البنك الإسلامي الأردني، توقيت المكالمة: 17/12/2021، س: 5م

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة