الحرية والفكر عند هيباتيا

" إنّ الإنسان حين يدافع بشراسة عن فكرة واهيه، فهو إنما يدافع عن أمانه النفسيّ الذي بناه أصلاً على هذه الفكرة الواهيه. “وكلما ازدادت الفكر هشاشة، ازداد إرهاب أصحابها في الدفاع عنها." نبيل فياض

هذه المقولة التي استشهدت بها لا تنطبق على الفيلسوفة هيباتيا الاسكندرية (350-370 تقريبًا - 415) بل على خصومها من ارهابي الفكر نحن عندما نطالع التاريخ نزداد خبرة في فهم حاضرنا الذي يعاني من هذه العوائق .بل على العكس كانت حياة هيباتيا خصبه معرفيا فقد كانت ابنت احد ابرز العلماء في الاسكندرية يومها. الذي كان سند قوي لها وهو يعلمها معرفته الخاصة والمشتركة مما جعلها شغوفه بالمعرفة تبحث عن الاجابات التي تجعلها تحيط بما نجهله فقد اتخذت من الرياضيات وعلم الفلك والتنجيم منهجا في اكتشاف المجهول  مما جعل معظم المؤرخين يعتقد أن هيباتيا تجاوزت معرفة والدها في سن مبكرة. ولقد كان والدها حريصا ان يكون لها الجسم السليم، فضلا عن العقل الواعي من خلال اعتماد المنهج التربوي السليم بالاضافة الى منحها الخبرة في معرفة الاديان المختلفة ولعل هذا منحها دراية وفكر متسامح يعترف بالمختلف بالاضافة الى درايتها بالبيان والخطابة التي منحتها ، وعلمتها كيفية التأثير على الناس مع قوة الكلمات. ثم انه علمها أساسيات التدريس، بحيث أصبحت هيباتيا خطيب عميق. وجاء الناس من مدن أخرى للدراسة والتعلم منها.

أولا - دراستها العلمية : فقد شملت دراسة علم الفلك، وعلم التنجيم، والرياضيات. مراجع في رسائل كتبها سنسوس، واحد من طلاب هيباتيا، هيباتيا الائتمان مع اختراع الأسطرلاب، وهو جهاز يستخدم في دراسة علم الفلك. ومع ذلك، تعود مصادر أخرى هذا الصك العودة قرن على الأقل في وقت سابق. كتب كلاوديوس بطليموس على نطاق واسع على إسقاط المستخدمة في الاسطرلاب الطائرة، وكتب والد هيباتيا اطروحة الإسطرلاب الذي كان الأساس لمعظم ما كتب في وقت لاحق في العصور الوسطى. الا انها عرفت بشكل بارز في مجال الرياضيات في المقام الأول لعملها على أفكار القطوع المخروطية التي أدخلها أبولونيوس. حررت العمل على هندسة المخروطيات من أبولونيوس، والتي قسمت إلى أجزاء مختلفة المخاريط على متن طائرة. هذا مفهوم تطوير أفكار القطوع الزائدة، القطوع المكافئة، والحذف. مع العمل هيباتيا على هذا الكتاب المهم، وقالت انها قدمت مفاهيم أسهل للفهم، مما جعل العمل يبقى حاضرا عبر قرون عديدة. كانت هيباتيا أول امرأة لديها مثل هذا التأثير العميق على بقاء الفكر المبكر في الرياضيات. وقد عدت يومها اول امرأة في التاريخ يلمع اسمها كعالمة رياضيات، في الواقع هناك مصادر ذكرت فيها أعمال هيباتيا تشهد على أنها كانت مشاركة في كتابة بعض التعاليق كتبت تعليقا على ديوفانتس Diophantus ووضعت جداول فلكية وتعليقاً على كتاب المخروطات لأبولونيوس. جاء في مقتطف من تعليق "ثيون" Theon على كتاب "المجسطي" ما يلي "تعليق لثيون الإسكندري على قواعد الرياضيات لبطليموس، وقد قام  بتصحيح هذه النسخة الفيلسوفة "هيباتيا". اعتبرت أول امرأة على تقديم مساهمة كبيرة في تطوير الرياضيات.

اما في مجال الفلسفة اذ من اللافت للنظر بدلا من أن هيباتيا أصبح رئيس المدرسة أفلاطوني في الإسكندرية في حوالي 400 م. هناك انها حاضر في الرياضيات والفلسفة، ولا سيما تعليم الفلسفة الأفلاطونية الحديثة . هيباتيا أسست فلسفتها على ما تعلمته من استاذها  أفلاطون ، مؤسس الأفلاطونية الحديثة، و امبليكوس الذي كان مطور من الأفلاطونية الحديثة حوالي 300 م. فان تواريخ الافكار تروي عنها انها تخصصت في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، شدد أفلوطين أن الناس لم تكن لديها القدرة العقلية على فهم كامل كل من الحقيقة المطلقة نفسها أو عواقب وجودها.

 كانت لهذه الافكار أثرها في فكر هذه الفيلسوفة صاحبة المنهج العلمي والشخصية الفكرية الجذابة لدى طلبتها ومستمعيها الذين لم يكونوا على شاكلة واحدة فقد دشنت هذه الفيلسوفة مرحلة حرجه من الفكر حيث هناك صراعات فكرية ودينية وسياسية قوية فقد جمعت هذه الفيلسوفة بين كونها عالمة وكونها صاحبة رؤية فلسفية عقلانية مماجعل منها تمثل أنموذج للمثقف العقلاني فيها تجلت الفلسفة اليونانية وقد امتزجت بالفكر الشرقي المصري العريق .اذ كانت قد عاشت هيباتيا في مصر الرومانية،احد النماذج للثقافة اليونانية وما عرفت به من حريات ودور مميز للعقل في الفهم والتحليل وخيار الحرية في النظر والتامل التي كانت تحميها الحكومات اليونانية والرومانية الى جنب هذا. كل هذه الحركة الفكرية كانت وليدة فضاء من الحرية الا ان هذه الحرية كانت قد اخذت بالخمول والزوال مقابل ظهور الخطاب الديني بكل شموليته وكانت هذه الفيلسوفة تنتمي الى انموذج قد اخذ بالتواري أي التفكير الحر والتامل العقلي والدين بوصفه تجربة فردية كل هذا جعلها تواجه مصير مؤلم اذ ماتت على يد حشد من الغوغاء  بعد اتهامها بممارسة السحر والإلحاد والتسبب في اضطرابات دينية.

كانت تلك الاحداث تعطي علامات على تحولات فكرية وسياسية كبيرة فصلت بين مناخ الحريات في التاريخ القديم ومناخ العصور الوسطى حيث كانت بداية التحولات الفكرية التى مهدت الى ولادة خطابات اكثر شمولية متمثلة بالفكر الديني الذي بدا يتحول الى سلطة رمزية شمولية ومعيار للمشروعية السياسية في تحريك الناس وتوظيفهم وفق الغايات التي كان يسعى لها رجال الدين والسياسين ممن ادركوا مكانة الدين في الفضاء العمومي بوصفه معيار الشرعية السياسية.

فبين الخطابين حدثت القطيعة الفكرية والسياسية فقد كانت تلك الفيلسوفة على صلة مع عالم الفكر في اثينا اذ سافرت إلى أثينا وإيطاليا للدراسة قبل أن تكون عميدة للمدرسة الأفلاطونية نحو عام 400 ميلادية. ما جعلها تعرف بكونها من المدافعين عن هذا النمط من التفكير الحر القائم على الفلسفة والتساؤل، حتى اصبحت أستاذة فلسفة وعلّمت فلسفتَي أرسطو وأفلاطون على السواء. وكان بين طلابها عدد من المسيحيين والأجانب، ورغم أنها كانت تجد الحرية الدينية امر حيوي جعل منها تعتمد التفكر الحر بعيدا عن اشكال التسليم اليقيني لهذا كانت تمثل استمرار الى نمط من التفكر لا يرى ضرورة الايمان ، اذ اصبحت  معارضة للإيمان المجرد.

 

ثانيا - موقها من مشاكل عصرها : فقد كانت تلك الفيلسوفة تجمع بين العقل والتواضع والشجاعة وهي مزايا نادرا ماتجتمع في انسان اذ رغم سلوكها الاخلاقي الا انها كانت تقف أمام قضاة المدينة وحكامها دون أن تفقد مسلكها المتواضع المهيب الذي كان يميزها عن سواها، والذي أكسبها احترامهم وتقدير الجميع لها ومنهم كان التفاف جمهور المثقفين حول الفيلسوفة هيباتيا يسبب حرجا بالغا للكنيسة المسيحية وراعيها بالاضافة الى والي المدينة (اورستوس) الذي كان يكن عظيم الاحترام لها .

يبدو ان هناك صراع على السلطة السياسية في الاسكندرية بين الاتجاه الديني متمثل بالأسقف الذي كان يرغب بالهيمنة على مقدرات المدينة والوالي في الاسكندرية وهو حاكم مدني وقد تمظهر هذا الصراع في امور مختلفه منها رغبة الاسقف باخراج اليهود من المدينة متسلح بدعم جيش من الرهبان اما الوالي فرغم معارضته لهذا التوجه الا انه لم يستطع ان ينتصر في هذا الامر بل نجد انه تعرض بدوره للإهانة من جانب بعض الرهبان الذين قاموا بقذفه بالحجارة، بعد أن علموا بالتقرير الذي أرسله للإمبراطور متضمناً الفوضى التي جرت بالإسكندرية جراء اشتباكاتهم مع اليهود، ومن ثم تأزمت العلاقة بين المسيحيين وبين الوالي أوريستوس رغم أنه كان مسيحياً أيضا، وسرت الشائعات في المدينة أن سبب هذا العداء بين رجلي الإسكندرية يعود إلى هيباتيا وتأثيرها على حاكم المدينة، وهذا لم يكن يعني حسب اعتقادهم أن المدينة لن تعرف الهدوء إلا بالخلاص منها.

من هنا كانت تلك الدوافع هي المحرضه على الفعل الذي كانت بوادره تتجلى بفعل المكانة الفكرية والاجتماعية لها بوصفها مثقفه ترفض العنف والقسوة على اسس دينية ، لليهود او الوثنين، بشكل عام وكان لهذا الموقف مؤيدون من المثقفون الذين ظهروا في ظل التعددية الدينية والعرقية التي عرفت بها الاسكندرية حينها ،وكان تاثيرها عميقا في والي المدينة المسيحي المتنور اوريستس Orestes.

ومن ابرز اقوالها تاكيدها :" بأن كل انسان هو حر بما يفكر و يعتقد , و لا يجوز ان يْكره المرء على اختيار اي سلوك او امر غير مقتنع فيه بتاتا, و بذلك يعد قسرا و خارجا عن مفهومها الفكري و الشخصي".

ثالثا - مصيرها : كان مقتلها مأساويا على يد جموع من الغوغاء المسيحيين التي تتبعتها عقب رجوعها لبيتها بعد إحدى ندواتها حيث قاموا بجرها من شعرها، ثم قاموا بنزع ملابسها وجرها عارية تماما بحبل ملفوف على يدها في شوارع الإسكندرية حتى تسلخ جلدها، ثم إمعانا في تعذيبها، قاموا بسلخ الباقي من جلدها بالأصداف إلى أن صارت جثة هامدة، ثم ألقوها فوق كومة من الأخشاب وأشعلوا بها النيران.

ونتيجه الى تلك المواقف فان المؤسسة الدينية الكنسية كانت تجد في هذه الفيلسوفة ونمط التفكير الذي تنطلق منه وما تثيره من عاصفه فكرية واجتماعية خطر داهم على المؤسسة الدينية لهذا جاءت تحركات المؤسسة تحاول اسقاط صور نمطية تجرد الفيلسوفة من حريتها الفكرية عبر اتهامها بممارسة السحر و الشعوذة.

فان هذه الاتهامات كانت تهدف الى تجريدها من أي حق فكري وشخصي من خلال تجيش المشاعر ضدها من الخاصة والعامة الذين كانوا يريدون ان يبعدوا عن انفسهم التهمة بالكفر والهرطقة وهي التهمة التي ازدهرت في العصر الوسيط بعد ذلك.

وارادت الكنيسة ان تحرمها من الفعل السياسي والفكر بذريعة كونها امرأة وقد جاء بالانجيل على ان دور المراة فقط يقتصر على خدمة الزوج و طاعته في البيت لا اكثر , و بان لا يكون لها دور عمل الرجال .الى جانب هذا جاءت التهمة الثالثة كونها لم تكن تتبع الديانة المسيحية انذاك , و لم ترضى الدخول فيه على خلفية ان ذلك يسمى (باستغلال الايمان).

الى جانب تلك التهم التي مسرحة في قاعة الكنسية عندما تم تكفيرها ومطالبة زوجها ان يعترف بما اطلق من تهم بحقها الا ان الزوج الذي كان هو الوالي والخصم الحقيقي للكنيسة رغم كونه مسيحي.

كانت الاجواء صاخبة وعنيفة في فضاء الكنيسة وهي تسقط على راس الزوج والوالي كالصاعقة

الا انه رغم هذا الارهاب وما صاحبه من عنف رافضا الخضوع لآيات الانجيل المنصوص عليها ضد زوجته, فكيف يوافق على قرار بإيجاز قتل زوجته! و عند وصوله حرم القيصرون Caesarium الخارج, قوبل عندها بالتجريح و الذم و حتى برميه بالحجارة من قبل عامة المسيحيين المتدينين  حيث اصابته عدة حجارة على رأسه مما أسال الدماء منه على الرغم من انه كان حاكما على الاسكندرية آنذاك و كان مسيحيا و رددها امامهم مرارا و تكرارا (انا مسيحي مثلكم و تم تعميدي) اثناء رميهم عليه الحجارة.

في ظل هذه الظروف القاسية رغم عزمة على نصرة زوجته ومواقفها الا انه وجد ان اغلب العامة و المتدينين قد اصبحوا ضده ولم يستطع اقناع الفيلسوفة بتغير موقفها الا انها رفضت هذا المطلب فاعتبرته استغلالا للايمان و تحريفا بما تؤمن هي به من مبادىء.بل انها اصرت على المواجهة رافضةً دعم الوالي عندما ذهبت الى الكنيسة لوحدها بشجاعة عالية رافضةً بان يرافقها زوجها او اي حرس من حرسه و ذلك بما كانت تتمتع به هيباتيا من قوة شخصية و ثقة بالنفس و بما كانت تؤمن به من مبادىء. لكن الكنيسة قد اصدرت قرارها المتضمن بالحكم بالموت بحق تلك الفيلسوفة الشجاعة. وكان الحكم قد تحول الى فعل بشع بحق الفكر الحر الذي يخالف الكنيسة حيث  قررت  قتلها بسلخ جلدها حية, و بعد ان جردوها من ملابسها و اصبحت عارية تماما.

وقد اعترف لها  معظم المؤرخين انها جمعت بين كونها عالمة رياضيات وكونها فيلسوفه. ويعتقد المؤرخون ان ميلادها 370 م ويعتقد بعض المؤرخين انها كانت امرأة مسنة (60) في وقت وفاتها مما يجعل ولادتها في العام 355 ميلادية.

 

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة