تولى عرش الدولة الفرثية بعد وفاة بلاش الثالث ابنه الملك بلاش الرابع (Vologese 1V) (191-208م)، وفيما يتعلق بالدولة الرومانية.
فبعد وفاة الإمبراطور ماركوس أورليوس تولى عرش الإمبراطورية ابنه كومودوس (Commodus) (180-192م). وقد وُصف بضعف الشخصية وانصرافه إلى الملذات.
وقد أفصح عن ذلك الضعف على نحو واضح المؤرخ الروماني (ديو كاسيوس)، الذي قال عنه: «والآن يهبط تاريخنا من مملكة الذهب إلى تلك من حديد وصدأ».
اقرأ أيضًا الحروب الفرثية - الرومانية 117 -191م ج1
ضعف الدولة الفرثية
وبمقتله سنة 192م انتشرت الفوضى وعمَّ الاضطراب في أرجاء الإمبراطورية كافة، إذ تنافس القادةُ العسكريون وتنازعوا فيما بينهم على عرش الإمبراطورية، وأخذ جنود كل إقليم بمبايعة قائدهم إمبراطورًا.
فأعلن جيش الشرق قائده نيجر(Niger) (193-194م) المقيم في سوريا إمبراطورًا، في حين نادى الجيش المرابط في إقليم بانونيا (Pannonia) بقائده سبتيميوس سيفيروس (Septimius Severus) (193-211م) وريثًا على العرش.
أما في بريطانيا فقد أعلن جنودها قائدهم ألبينوس (Albinus) (193-197م) إمبراطورًا على العرش.
كان بإمكان الدولة الفرثية أن تستغل تلك الاضطرابات والفوضى الداخلية لصالحها فتحقق حلمها في إعادة أمجاد الدولة الأخمينية، لكننا لم نجد في المصادر المتوفرة لدينا ما يشير إلى أن الملك بلاش الرابع قد أعد العدة لذلك.
وهذا يعني أن الدولة الفرثية في عهده بلغت مبلغها من الضعف، وأنها كانت تمر بمراحلها الأخيرة من الانهيار والزوال، وهذا يعود -كما أشرنا سابقًا- إلى إهمال ملوكها النواحي الحربية وتركيزهم على الاحتفاظ بالسلطة والتاج.
فقد كثر المطالبون والمتنافسون عليهما سواء من الأمراء المقربين للملك أو من كبار رجال الدولة، ولا سيما القادة العسكريين، وقد أضعف كثرة تمردهم وعصيانهم من قدرته على المواجهة، فانعكس ذلك سلبًا على استعداده الحربي لاستعادة أملاك الإمبراطورية.
وعلى الرغم من ذلك فإن المصادر تشير إلى أن الملك بلاش الرابع حاول أن يستغل فرصة قيام الحرب الأهلية في الإمبراطورية الرومانية لمصلحته بطريقة دبلوماسية.
فما أن أعلن القائد الروماني نيجر نفسه إمبراطورًا في سوريا سنة 193م، حتى أرسل إليه رسله لتقديم التهاني، ويعرض عليه المساعدة ضد منافسيه بشرط أن يتنازل لهم عن سوريا، ولم يكن نيجر يتصور أنه سيواجه منافسًا قويًا ولذلك رفض عرض الملك بلاش الرابع.
اقرأ أيضًا الحروب الفرثية الرومانية سنة 66م
إعلان الولاء لدولة الرومان
وفي سنة 194م انتهز الملك الفرثي بلاش الرابع فرصة وقوع الحرب بين نيجر ومنافسه سيفيروس، فحرض حاكم إقليم أديابين وحاكم مملكة أسروهيني التابعين للرومان على العصيان والقيام بالثورة.
كما حرض تابعه حاكم مدينة الحضر برسيموس (Barsemius) على محاصرة مدينة نيسيبيس التي اتخذها الرومان معسكرًا لجيوشهم الموجودة في منطقة الجزيرة الفراتية منذ عهد الإمبراطور تراجان.
وبعد أن تمكن الإمبراطور سيفيروس من القضاء على منافسه نيجر قرر سنة 195م التوجه إلى الشرق لتأديب الثائرين وإعادة مناطق شمال غرب الجزيرة الفراتية إلى تبعية الدولة الرومانية ثانية.
وعندما علم حكام تلك المناطق بذلك التوجه سارعوا إلى إرسال رسلهم إليه ليخبروه أن ثورتهم كانت ضد منافسه نيجر، وأنهم يعلنون ولاءهم له وسوف يعيدون ما حصلوا عليه من الغنائم والأسرى الرومان الذين وقعوا في أيديهم إذا ما أُخرجت الحاميات الرومانية من أراضيهم، رفض الإمبراطور سيفيروس طلبهم.
وفي ربيع سنة 195م قاد جيوشه عابرًا نهر الفرات ومتوجهًا إلى مدينة نيسيبيس، وبعد أن تمكن من الاستيلاء عليها وضع فيها حامية عسكرية رومانية، وتابع زحفه لتأديب بقية المناطق الثائرة، فتمكن من الاستيلاء على إقليم أديابين وكذلك مملكة أسروهيني وجعلهما ملحقتين بالإمبراطورية.
وبذلك عادت مناطق شمال غرب الجزيرة الفراتية إلى تبعية الدولة الرومانية مرة أخرى.
وما كاد الإمبراطور سيفيروس ينهي عمله في الشرق حتى اضطر إلى العودة إلى بلاده لمحاربة منافسه الثاني ألبينوس، الذي استغل غياب سيفيروس وأعلن نفسه إمبراطورًا سنة 196م.
فانتهز الملك الفرثي بلاش الرابع ذلك الانشغال ثانية، فعاود مهاجمة الحاميات الرومانية الموجودة في أديابين وأسروهيني وتمكن من استعادتهما.
ويذكر المؤرخ (فؤاد حافظ) أن ملك أرمينيا المسمى ساناترويكس (178-216م) انضم إلى جانبه، وأرسل إليه الأرمنيين بقيادة ابنه ليُسهموا في القتال.
اقرأ أيضًا الصراع من أجل أرمينيا سنة 34 ق.م
شمال العراق مقاطعة رومانية
ولم تمضِ مدة طويلة على ذلك النجاح حتى ثار عليه سنة 197م حاكما إقليمي فارس وماد لأسباب غير معروفة، وبعد معارك عدة تمكن بلاش الرابع من أن يقضي على ثورتهما التي بدون شك أضعفت من قدرته.
ولذلك لم يتمكن من اقتحام نيسيبيس التي حاصرها فيما بعد، إلى جانب ذلك السبب فانه يوجد سبب آخر جعله يتراجع ويترك محاصرة نيسيبيس، وهو توجه الإمبراطور سيفيروس مرة ثانية نحو الشرق في السنة ذاتها أي سنة 197م وبرفقته أخو الملك بلاش الرابع الذي لا بد وأنه كان من المطالبين بالعرش والتاج الفرثي وكان يعيش في روما.
وكالعادة فقد اتخذ من أرمينيا ذريعة لذلك التوجه، وخوفًا من أن يهاجمها سارع ملكها ساناترويكس إلى الخروج لمصالحته معلنًا خضوعه ودولته للدولة الرومانية.
ثم توجه الإمبراطور سيفيروس جنوبًا في طريقه إلى مملكة أسروهيني التي ما أن علم ملكها أبجر التاسع (179-216م) حتى خرج لاستقباله تعبيرًا عن خضوعه وتبعيته له.
ولتأكيد تلك التبعية أبقى أولاده رهائن عند الإمبراطور، وبعد أن أصبحت أسروهيني ولاية رومانية تقدم واستولى على مملكة أديابين.
وبعد أن جعل شمال العراق الغربي مقاطعة رومانية للمرة الثالثة أخذ بتجهيز نفسه للاستيلاء على العاصمة طيسفون.
وفي سنة 198م قاد جيشًا نزل به في وادي دجلة وأسطولًا نزل به في وادي الفرات، فتمكَّن من الاستيلاء على بابل وسلوقية، ومن ثم اقترب من العاصمة طيسفون وفرض عليها الحصار متممًا بذلك ما قد بدأ به كل من الإمبراطور تراجان والإمبراطور ماركوس أورليوس.
اقرأ أيضًا محاولات الفرثيين الاستيلاء على سوريا سنة 51 ق.م
الاستيلاء على بابل
وفي رواية أن الملك الفرثي بلاش الرابع لم يبدِ أي مقاومة، ورواية ثانية تقول إنه دخل مع الإمبراطور سيفيروس في معركة حامية الوطيس، وأن الإمبراطور سيفيروس لم يتمكن من الاستيلاء عليها إلا بهجوم مفاجئ، وذلك في 28 كانون الثاني سنة 198م.
ومهما يكن الأمر فإن النتيجة أن الإمبراطور تمكن من الاستيلاء على العاصمة طيسفون وقام بسلبها ونهبها وقتل وأسر رجالها، ويقال إن عدد من قُتل وأُسر من الرجال والنساء والأطفال كان بحدود 100 ألف.
وهكذا خلال القرن الواحد يتمكن الرومان من أن يشقوا طريقهم إلى داخل العاصمة طيسفون ثلاث مرات.
لم يمكث الإمبراطور سيفيروس في العاصمة الفرثية طيسفون إلا مدة قصيرة، فعملية السلب والنهب والتخريب التي قام بها جنوده أفقدت المدينة مئونتها، وجعلها عاجزة عن سد حاجاتهم من الغذاء.
ولذلك فضَّل الإمبراطور سيفيروس تركها والانسحاب عن طريق نهر دجلة إلى أنتيوخيا عاصمة سوريا.
ومن النتائج المهمة التي أسفرت عنها حملة الإمبراطور سيفيروس أنها أثبتت قوة الرومان وتفوقهم الحربي.
فأصبحت أرمينيا خاضعة لسيادتهم وكذلك مناطق شمال العراق الغربي، التي جعل منها إقليمًا رومانيًا عهد به إلى حاكم عسكري، ومنحه صلاحيات مساوية لتلك الصلاحيات التي كان يمارسها والي مصر.
وأوضحت تلك الحملة عدم قدرة الملك الفرثي بلاش الرابع على صد الإمبراطور سيفيروس عن تلك المناطق أو محاولة استعادته لها حتى بعد انسحاب الإمبراطور عنها، وهذا يدل على ضعف الدولة الفرثية وأنها أخذت تمر بمراحلها الأخيرة من الأفول والزوال.
لقد تزامنت عودة الإمبراطور سيفيروس إلى أنتيوخيا مع الاحتفال بالذكرى المئوية لدخول الإمبراطور تراجان هذه المدينة.
فأعلن أمام جنوده منح ابنه (Passianus Antoninus) لقب أغسطس (Augustus)، ليكون شريكًا معه في الحكم وهو في سن الثالثة عشرة وألبسه العباءة الإمبراطورية، ومنح أخاه الأصغر جيتا (Geta) لقب قيصر (Ceaser)، وأغدق بهذه الاحتفالات المنح والعطايا على جنوده، ولقبوه بـ(بارثيكوس ماكسيموس)(Parthicus Maximus) أي الفاتح العظيم لمدن بارثيا و فاتح بارت الكبير، وسُكَّت نقود عليها صورته واسمه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.