الحروب الفرثية - الرومانية 117 -191م ج1

أدرك الإمبراطور هادريان (Hadrian) (117 –138م) الذي خلف الإمبراطور تراجان على عرش الإمبراطورية أن الفرثيين سوف لن يرضوا عن توغل النفوذ الروماني في أراضيهم وسيطرتهم على مسالك التجارة خلالها، وأن مواصلة القتال معهم مع الشك في نتيجته سيزيد من عبء عدم الاستقرار في داخل بلاده.

ولذلك حذا حذو سلفه الإمبراطور أغسطس في التمسك بسياسة المحافظة على هيبة الإمبراطورية وكرامتها دون محاولة منه لتوسيع حدودها.

بمعنى أنه فضَّل مسالمة الفرثيين بالتخلي عن فتوحات الإمبراطور تراجان والعودة بحدود الإمبراطورية الرومانية إلى ما كانت عليه في عهد أول أباطرتها الإمبراطور أغسطس.

اقرأ أيضًا العلاقات السلمية بين الفرثيين والرومانيين سنة 30 ق.م

المسالمة مع الفرثيين

وأول مظاهر تلك المسالمة مع الفرثيين أنه عيَّن سنة 117م على عرش أرمينيا الأمير الفرثي بلاش (117-140م)، ووضع قوة رومانية خارج أرمينية وقريبًا منها في إقليم صوفين لمراقبة سير الأمور فيها بكونها تحت الحماية الرومانية.

وسحب الحاميات الرومانية من إقليم أديابين ومن المناطق الشمالية من أرض الجزيرة الفراتية، فأصبح نهر الفرات مرة أخرى الحد الفاصل بين الإمبراطوريتين.

وتأكيدًا لتلك العلاقات الودية التقى الإمبراطور هادريان سنة 123م بالملك الفرثي خسرو في إحدى مدن الجزيرة الفراتية.

فأعاد له ابنته التي أسرها الإمبراطور تراجان ووعده بإعادة تاجه الذهبي، وحصل الإمبراطور هادريان من الملك خسرو على وعد بحرية التجارة عبر أراضيه.

إن استقرار الوضع الخارجي للدولة الفرثية عقب ذلك اللقاء قابله عدم استقرار في وضعها الداخلي، إذ تشير المصادر من دون أن تذكرالتفاصيل أنه في سنة 128م دخل الملك الفرثي خسرو في صراع مع منافسه بلاش الثاني (Vologese 11)، حُسمت نتيجته سنة 130م لصالح بلاش الثاني (130-148م).

وفي سنة 133م هاجم اللانيون بتحريض من ملك أيبيريا فرسمان – لم تذكر المصادر سنوات حكمه- أرمينيا وأتروباتين.

وبما أن ملك أيبيريا كان أحد الملوك التابعين للدولة الرومانية، فقد أرسل الملك الفرثي بلاش الثاني بشكوى إلى الإمبراطور هادريان، لكن الأخير بدلًا من توبيخه أكرمه.

ولم نجد في المصادر ما يشير إلى أن الملك بلاش الثاني اتخذ أي إجراء ضد ملك أيبيريا أو ضد الإمبراطور هادريان، ولم يتمكن من مواجهة اللانيين.

ولكي يتقي شرهم ويبعدهم عن أتروباتين والمناطق المجاورة اضطر إلى منحهم مبلغًا كبيرًا من المال

اقرأ أيضًا الحروب الفرثية الرومانية سنة 66م

تجديد العهد مع الإمبراطورية الرومانية

وفي سنة 138م تولى عرش الإمبراطورية الرومانية الإمبراطور أنطونيوس بيوس (Antoninus Pius) (138-161م).

فأرسل إليه الملك الفرثي بلاش الثاني رسوله محملًا بالهدايا لتأكيد علاقات الصداقة بين الطرفين، ويطلب منه أن يفي بالوعد الذي قطعه الإمبراطور هادريان إلى سلفه الملك خسرو حول مسألة استرجاع التاج الفرثي الذهبي، الذي كان قد استولى عليه الإمبراطور تراجان.

لكن الإمبراطور أنطونيوس لم يعر رسول الملك بلاش الثاني اهتمامًا، ولم يعطه جوابًا نهائيًّا حول التاج الفرثي، ومع ذلك لم يتخذ الملك بلاش الثاني أي إجراء ضده.

إن تلك الحادثتين تقدمان دليلًا واضحًا على ضعف القدرات الحربية للدولة الفرثية زمن الملك بلاش الثاني.

وقد استفاد الرومان من ذلك الضعف في تقوية وتعزيز مسالك التجارة المارة بين الأراضي الخاضعة لنفوذهم وبين أراضي الدولة الفرثية.

فيذكر (Grant) أن القوات الرومانية كانت تقوم بحملات تأديبية على مسالك التجارة في جانب وادي الفرات، وتقيم لها حصونًا في بعض المواقع مثل دورا (Dura) وأناثا (Anatha) (مدينة عانة)، وفي مواقع أخرى على نهر الخابور وفي تلال سنكارا أيضًا.

ومن مظاهر اهتمام الإمبراطور هادريان بالطرق التي تعد الشريان الرئيس للتجارة وللتحركات العسكرية أنه رصف طريقًا بين تدمر وبين مدينة دياكيرا (Dicira )(مدينة هيت) يبلغ طوله نحو 475 كم، وحفر على طوله آبارًا لا تتجاوز المسافة بين الواحد والآخر 45 كم.

وما أن تولى بلاش الثالث (Vologese 111) (148- 191م) العرش الفرثي بعد أبيه بلاش الثاني حتى توحدت كلمة الفرثيين على محاربة الرومان وإعادة أمجاد الدولة الأخمينية، والسيطرة على سوريا ومواني البحر المتوسط، فاستعد سنة 155م للاستيلاء على أرمينيا.

وما أن وصلت إلى الإمبراطور أنطونيوس أنباء ذلك الاستعداد حتى أرسل إليه يطلب منه أن يعدل عن رأيه ويوصيه بألا يقحم نفسه في حرب قد يتسبب عنها أضرار وخسائر لا يمكن تعويضها.

اقرأ أيضًا الصراع من أجل أرمينيا سنة 34 ق.م

إعلان الحرب على الرومان

ويبدو أن الملك الفرثي بلاش الثالث اقتنع بكلام الإمبراطور أنطونيوس، فقرَّر صرف النظر عن مهاجمة أرمينيا إلى وقت آخر يكون فيه أكثر استعدادًا.

وفي سنة 161م وعلى إثر وفاة الإمبراطور أنطونيوس ومجيء الإمبراطور ماركوس أورليوس (Marcus Aurelius) (161- 180م) أعلن الملك الفرثي بلاش الثالث الحرب على الرومان.

فأوعز إلى قائده خسروف بمهاجمة أرمينيا، فاستولى على عاصمتها أرتاكساتا وطرد منها ملكها سوهيموس (Sohaemus) (140-178م) ونصَّب بدلًا منه الأمير الفرثي باكور (161- 164م).

وهزم عند إليكيا القريبة من أرضروم حاكم كبدوكيا الروماني سفريانوس الذي سار لصد المهاجمين، وبعد ذلك النجاح وفي سنة 162م عبرت القوات الفرثية نهر الفرات غربًا واندفعت نحو سوريا، وأجبرت حاكمها الروماني أتيدوس كورنلينوس (Attidius Cornelianus) (156-162م) على التقهقر والهرب من أمامهم وبدأت تعيث خرابًا في البلاد.

إزاء ذلك قرَّر الإمبراطور ماركوس أورليوس إرسال صهره وقائده وشريكه في الحكم لوكيوس فيروس (Lucius V) (161- 169م) على رأس جيش بلغ عدده 75 ألفًا إلى الشرق، ليتولى قيادة الحرب ضد الفرثيين.

ويبدو أنه لم يكن أهلًا لتلك القيادة، إذ تشير المصادر أن الذي قاد الجيش الروماني المتجه إلى محاربة الفرثيين في أرمينيا سنة 163م هو القائد ستاتيوس بريسكوس (Statius Priscus)، فتمكن بعد تعاون الأرمنيين معه من الاستيلاء على عاصمتها أرتاكساتا، وأخذ ملكها الفرثي أسيرًا وأرجع إلى عرشها حاكمها السابق سوهيموس.

وبعد أن تمكن بريسكوس من تهدئة أحوال أرمينيا شرع في بناء مدينة كاينيبوليس (Caenepolis) لتكون معسكرًا لقواته.

وتأكيدًا لتبعية أرمينيا للدولة الرومانية سكَّ فيها نقودًا نقش عليها عبارة (Rex Parthis dtus) (بادشاهي اعطايي به أرمينيا) أي حكومة أرمينيا العطائية.

اقرأ أيضًا محاولات الفرثيين الاستيلاء على سوريا سنة 51 ق.م

توسع الإمبراطورية الرومانية

ولم يكتف بريسكوس بما حقَّقه بل هاجم سنة 164م إقليم أديابين، وبعد أن تمكَّن من إخضاعه هاجم مملكة اسروهيني وتمكن من إخضاعها أيضًا، وبذلك أصبح شمال غرب الجزيرة الفراتية تابعًا للدولة الرومانية وأصبحت حدودهم تمتد إلى حد نهر الخابور

ولم تكن جبهة أرمينيا الجبهة الوحيدة التي حقق فيها الرومان انتصارًا على الفرثيين، فقد كان لهم مثل ذلك في جبهة سوريا أيضًا.

إذ تمكن القائد الروماني الذي أصبح حاكمًا على سوريا فيما بعد أفيديوس كاسيوس (Avidius Cassius) سنة 164م من التصدي للفرثيين في سوريا وأجبرهم على الانسحاب عنها إلى مدينة دورا يوروبوس على نهر الفرات وهم في حالة من الفوضى وارتباك الصفوف.

فاستغل ذلك واستمر في ملاحقتهم وبعد معارك عدة معهم استولى على المدينة.

ويبدو أن ذلك الانتصار زاد من رغبة القائد الروماني كاسيوس في أن يصل إلى ما وصل إليه الإمبراطور تراجان.

فاجتاز نهر الفرات سنة 165م وتمكن من الاستيلاء على بابل وسلوقية وطيسفون التي هرب منها الملك الفرثي بلاش الثالث، فأضرم النار فيها وهدم قصر الملك بلاش الثالث.

ونتيجة لتلك الانتصارات لقب الإمبراطور ماركوس أورليوس وشريكه في الحكم الإمبراطور لوكيوس فيروس بلقب بارثيكوس ماكسيموس (Parthicus Maximus) أي سيد الفرثيين.

وفي الوقت الذي كان فيه كاسيوس مشغولًا بالاستعداد لاقتحام إقليم ميديا أصاب جنوده وفتك بهم وباء الطاعون والجدري الذي انتشر في أرض العراق ومصر وآسيا الصغرى، فاضطر إلى إنهاء عملياته العسكرية والانسحاب من العاصمة طيسفون حاملًا معه ذلك الوباء إلى بلاده.

ومع أن ذلك الانسحاب أعطى للفرثيين الفرصة في استعادة أراضيهم، لكنهم على ما يبدو كانوا أضعف من الرومان.

إذ تشير المصادر إلى أن الملك بلاش الثالث فضَّل استعادة عرشه في طيسفون والتزام الهدوء على استرجاع أرمينيا والمناطق الشمالية الغربية من أرض الجزيرة الفراتية، التي ظلت خاضعة لسيطرة الرومان حتى سنة 191م، وهي سنة وفاة الملك الفرثي بلاش الثالث.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة