استمر السلام قائمًا بين الطرفين الفرثي والروماني عقب معاهدة رانديا مدة 50 سنة، فلم يحدث نزاع بينهما طوال تلك المدة، غير أن أرمينيا وإقليم أتروباتين تعرَّضا خلال المدة ما بين سنة 72م وسنة 75م إلى هجمات قبائل اللالان أو اللان.
وقد كانت تلك الهجمات من القوة بحيث لم يتمكن حاكم أتروباتين (باكر) أخو الملك بلاش الأول من مقاومتهم ففر إلى الجبال، واستولت تلك القبائل على بلاده وعاثت فيها تخريبًا، ثم انطلقت منها إلى مهاجمة أرمينيا، ولم يقوَ ملكها تيرداد الأول هو الآخر على صدهم، ولما رأى الملك الفرثي بلاش الأول أن أخاه أصبح قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة طلب العون والمساعدة في التصدي لهم من الإمبراطور الروماني فسباسيان (Vespasian) (69-79م)، لكن الأخير امتنع عن تقديم تلك المساعدة.
ولم تذكر المصادر أسباب ذلك الامتناع ولا موقف الملك الفرثي بلاش الأول من ذلك، لكنها ذكرت أن تلك القبائل بعد أن غنمت الغنائم عادت إلى بلادها، فزال الخطر عن بلاد الفرثيين.
اقرأ ايضاً حملة الإمبراطور تراجان على العراق (115-116م)
حملة الإمبراطور تراجان على أرمينيا
بوفاة ملك أرمينيا تيرداد الأول سنة 100م انتهت مدة السلام بين الفرثيين والرومان، وعلى إثر تلك الوفاة أجلس الملك الفرثي باكور الثاني (78- 108م) على العرش الأرمني ابنه أكسيدارس (Axidares) (100-113م) دون استشارة روما، أو أخذ موافقة إمبراطورها تراجان (Trajan) (98-117م)، فكان تصرفه ذلك خرقًا واضحًا لمعاهدة رانديا المنعقدة سنة 63م، وذريعة لأن يستأنف هجومه على الدولة الفرثية.
وُصف الإمبراطور تراجان بأنه عسكري ومحارب من الطراز الأول، فقد انتهج منذ اعتلائه عرش الإمبراطورية سياسة قائمة على التوسع ووضع يد الرومان على كل منافذ التجارة الشرقية من سهول روسيا إلى البحر الاحمر.
ولذلك وجد في ذلك الخرق من الجانب الفرثي ذريعة لاستئناف نشاط روما الحربي ضدهما، لكنه غضَّ الطرف عنهم حينًا بسبب انشغاله خلال المدة من 101 – 107 م بحروبه في جبهة أوربا (شمال نهر الدانوب)، وقد مكَّنه نجاحه في تلك الجبهة من وضع يد الرومان على منافذ التجارة في البحر الأسود وجنوب روسيا.
اقرأ ايضاً حملة القائد أنطونيوس على الفرثيين سنة 36 ق.م
ماذا فعل الإمبراطور تراجان بعد انتهاء حروبه في الجبهة الأوربية؟
في سنة 114م وبعد أن فرغ الإمبراطور تراجان من حروبه في الجبهة الأوربية استعد للقيام بحملة كبرى باتجاه الشرق تضاهي حملة الإسكندر المقدوني (336- 323ق.م)، وكانت أول أهدافه إعادة توطيد النفوذ الروماني على أرمينيا والسيطرة على منافذها التجارية.
ويبدو أن إعداده تلك الحملة كان من القوة والتنظيم بحيث إن الملك الفرثي خسرو (Khusrau) (108- 130م) وهو أخو الملك باكور الثاني لم يكن قادرًا على مواجهته عسكريًّا.
ولذلك فضل استرضاءه، فلما وصل الإمبراطور تراجان بجيشه البالغ 100 ألف جندي إلى مقدونيا، أرسل إليه الملك الفرثي رسوله محملًا بالهدايا وليخبره بأنه غير راضٍ عن تنصيب أكسيدارس؛ ولذلك فإنه سيعزله ويعين بدلًا عنه بارتامازيريس (Partamusiris) ابن ملكها السابق تيرداد الأول، وأنه سيتسلم التاج من يد الإمبراطور مثل والده.
ولكي لا يترك للفرثيين مجالًا للاستعداد لمواجهته، قبل الإمبراطور تراجان هدايا الملك الفرثي، لكنه لم يُعطِ جوابًا شافيًا لرسوله، وإنما اكتفى بالإجابة بأنه سيعمل لما فيه الصالح بعد دخوله سوريا.
اقرأ ايضاً الصراع من أجل أرمينيا 34 ق.م
متي توجه الإمبراطور تراجان إلى أرمينيا؟
وفي بداية سنة 114م وصل الإمبراطور تراجان إلى أنتيوخيا. وفي ربيع السنة نفسها توجَّه إلى أرمينيا، ولما علم ملك أرمينيا الجديد بارتامازيريس بمسيره إلى بلاده، أرسل إليه يعرض عليه أن يتوِّجه ملكًا عليها مثلما توج الإمبراطور نيرون والده تيرداد الأول، فرد عليه الإمبراطور تراجان بما فهم منه قبوله، ولهذا سار إليه ليعلن عن ولائه له، فالتقى به في بلدة إليكيا (Elegeia) الواقعة إلى الغرب من مدينة أرضروم.
فبادر بارتامازيريس إلى خلع التاج عن رأسه ووضعه عند قدمي الإمبراطور معتقدًا أنه سيعيده إليه ويتوِّجه به، ويعلنه ملكًا على أرمينيا، لكن الإمبراطور تراجان لم يُعد إليه التاج بل أجابه بأنه معزول عن الحكم، وأنه قرر من الآن فصاعدًا أن تكون أرمينيا ضمن الولايات الرومانية.
بالتأكيد أن تصرف ملك أرمينيا الفرثي ذلك التصرف دليل على أن الدولة الفرثية بلغت مرحلة كبيرة من الضعف، وأنها أخذت تسير نحو التدهور والانحطاط.
والسبب في ذلك يعود إلى إهمال ملوكها النواحي الحربية، فلم يحاولوا استغلال مدة السلام البالغة 50 سنة في إعادة تقوية وتنظيم وتدريب جيشهم الذي أفشل حملة كراسوس والإمبراطور أنطونيوس، بل إن طمعهم في عرش السلطنة كان شاغلهم الأكبر؛ ولذلك ركزوا اهتمامهم في محاولة الوصول إليه والمحافظة عليه.
لم يكتفِ الإمبراطور تراجان بطرد وعزل ملك أرمينيا الفرثي بل أوعز بقتله، فقُتل في طريق عودته، ثم واصل الإمبراطور تراجان بقواته المتفوقة عدة وعددًا مسيره إلى أرمينيا التي لم تستطع قواتها مقاومته فاستولى عليها وأجلس على عرشها قائده الروماني كاتليوس سفيروس.
وفيما يخص رد فعل الملك الفرثي خسرو فلا تمدنا المصادر المتوفرة لدينا بمعلومات عنه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.