الحروب الفرثية الرومانية سنة 199م

لا تزودنا المصادر المتوافرة لدينا بمعلومات عن أوضاع الدولة الفرثية عقب انسحاب الإمبراطور سيفيروس من العاصمة طيسفون سنة 198م، حتى وفاة ملكها بلاش الرابع سنة 208م.

اقرأ ايضاً الفرثيون.. من هم وما سبب التسمية؟

ماذا حدث بعد وفاة الملك بلاش الرابع ؟

وهذا يؤكد ما كنا قد أشرنا إليه من أن الملك الفرثي بلاش الرابع كان ملكًا ضعيفًا، ويحملنا على الاعتقاد أنه طيلة مدة السنوات التسع (199 –208م) لم يُجر تحسينًا على أوضاع الجيش الفرثي ويوحد صفوفه، ويحاول استرجاع ما فقده من مناطق ذات أهمية استراتيجية للإمبراطورية.

وبعد وفاة الملك بلاش الرابع سنة 208م وقعت الحرب الأهلية بسبب مسألة تولي العرش بين ولديه؛ الأكبر بلاش الخامس (Vologese V) (208 –224م) والأصغر أردوان الخامس (ارطبان الخامس) (Artaban V) (208 –224م).

وأخيرًا اتفقا على تقسيم الدولة بينهما، وذلك بأن يحكم أردوان الخامس الولايات الغربية، أما الولايات الشرقية فتولى حكمها بلاش الخامس.

واستمر الأخوان يحكمان معًا إلى نهاية الدولة الفرثية سنة224م، أما عن علاقة الأخوين مع بعضهما عقب ذلك التقسيم فلا تذكر المصادر أخبارها. 

ولم تكن الدولة الفرثية الوحيدة التي تنافس ملوكها على التاج والعرش، ففي سنة 211م توفي الإمبراطور سفيروس، وتنافس على العرش ولداه كاراكلا (Caracalla) (211-217م) وأخوه الأصغر جيتا (Geta).

ومن أجل وضع حد لذلك التناحر فقد اقترح تقسيم الإمبراطورية بينهما، وذلك بأن يحكم كاراكلا لكونه الأخ الأكبر أوربا وغرب إفريقيا (القسم الغربي)، في حين يتولى أخوه الأصغر جيتا حكم القسم الشرقي (آسيا ومصر) وأن يتخذ مقرًا له في الإسكندرية أو أنطاكيا اللتين لا تقلان أهمية عن روما نفسها من حيث الثروة والعظمة.

على أن ذلك التقسيم لم يوضع موضع التنفيذ، ومن أجل أن يحول كاراكلا دون تفكك الإمبراطورية، حتى ينفرد بحكمها لوحده لم يجد بدًا من تدبير مؤامرة لقتل أخيه والتخلص منه، وتم له ما أراد في السنة ذاتها أي سنة 211م.

ويذكر أن كاراكلا بعد سنة من مقتل أخيه ترك العاصمة روما ولم يعد لها، وقد قضى بقية سني حكمه في خوض الحروب في مختلف ولايات الإمبراطورية.

وفيما يتعلق بحروبه في الشرق، فإن الإمبراطور كاراكلا حرص على السير في خطى الإسكندر المقدوني في تتبع فتوحاته فيها، ولذلك توجه إليه عن طريق آسيا الصغرى وصولًا إلى سوريا، جاعلًا من أنتيوخيا مركزًا تنطلق منه قواته العسكرية نحو الدولة الفرثية بهدف حماية سوريا وتوسيع حدودها الشرقية.

ويبدو أن الأوضاع المضطربة في الدولة الفرثية قد ولَّد لدى الإمبراطور كاراكلا الرغبة في محاربتها، وكذريعة لبدء ذلك الهجوم طالبها سنة 215م بإعادة اثنين من رعاياها كانا قد لجآ إليها بعد وفاة الإمبراطور سيفيروس وهما أنتيوخوس الفيلسوف والثاني كان يسمى تيرداد.

حتى يفوت الفرصة على الإمبراطور كاراكلا ولا يبقي سببًا لتبرير مهاجمته لهم وافق الملك بلاش الخامس على تسليم هذين الرجلين له.

وفي السنة التالية أي سنة 216م وبهدف مواصلة خططه في مهاجمة الفرثيين أرسل الإمبراطور كاراكلا رسوله محملًا بالهدايا القيمة إلى الملك الفرثي أردوان الخامس متظاهرًا برغبته في إقامة علاقات ودية بين البلدين، ولتأكيد تلك الرغبة طلب الزواج من ابنته، فوافق الملك أردوان الخامس بعد تردد على ذلك الزواج بشرط أن يأتي الإمبراطور بنفسه إلى العاصمة طيسفون ليأخذ عروسه.

اقرأ ايضاً الحروب الفرثية - الرومانية 117 -191م ج1

كيف استولى الإمبراطور كاراكلا على العاصمة طيسفون ؟

وفي سنة 217م قدم الإمبراطور كاراكلا بجيش كبير إلى العاصمة طيسفون لإتمام حفل الزواج الذي خرج لمشاهدته والابتهاج به عدد كبير من الناس والجيش المرابط في العاصمة طيسفون، فاستغل الإمبراطور كاراكلا انشغال الفرثيين بذلك الحفل وأوعز إلى جنوده بالانقضاض عليهم والإيقاع بهم، ويذكر أن الملك أردوان الخامس أنقذ نفسه وبرفقته عدد من أصحابه بصعوبة.

وبتلك الطريقة استولى الإمبراطور كاراكلا على العاصمة الفرثية طيسفون واستباح لجنوده نهب وسلب القرى والمدن المحيطة بها، وما أن حل فصل الشتاء حتى انسحب عنها حاملًا معه عددًا كبيرًا من سكانها أسرى، وفي طريق العودة وفي أثناء مروره بإقليم أديابين أقبل الإمبراطور كاراكلا على انتهاك قبور الفرثيين الملكية في مدينة أربلا (أربيل) فنبشها وبعثر عظام من دفن فيها.

عد الفرثيون تخريب تلك القبور عملًا ينطوي على شيء كبير من انتهاك الحرمة والطيش، وعلى الرغم مما كانوا عليه من حالة مزرية آنذاك لكنهم لم يغفروا للإمبراطور هذا العمل.

فيذكر أن الملك أردوان الخامس حالما سمع بأنباء ذلك التخريب جمع جيشه، واتجه لمحاربة الجيش الروماني الذي تولى قيادته الإمبراطور ماكرينوس (Macrinus) (217-218م)، الذي نادى به الجند إمبراطورًا عليهم بعد اغتيال كاراكلا في مدينة كرها (حران) على يد أحدهم، وذلك في السنة نفسها أي سنة 217م.

اقرأ ايضاً حملة الإمبراطور تراجان على العراق

ما هي شروط الصلح التي وضعها الملك أردوان؟

لم يكد الإمبراطور ماكرينوس راغبًا بمحاربة الفرثيين؛ لذلك أرسل رسله إلى الملك أردوان الخامس طالبًا الصلح، وأظهر استعداده لإطلاق سراح الأسرى الذين أخذهم الإمبراطور كاراكلا من العاصمة طيسفون، لكن الملك أردوان اشترط لقبول ذلك الصلح شروطًا عدة هي:

1- إطلاق سراح الأسرى.

2- أن يعيد الرومان بناء المدن التي هدمها الإمبراطور كاراكلا.

3- أن يدفع الرومان غرامة مالية تعويضًا عن تخريبهم وتهديمهم للقبور الفرثية.

4- أن يعيد الرومان مناطق شمال العراق الغربي إلى الدولة الفرثية.

رفض الإمبراطور ماكرينوس تلك الشروط وأعلن الحرب، فتقدم الملك أردوان الخامس سنة 217م بجيشه إلى مدينة نيسيبيس، وجرت عندها معركة بين الطرفين كانت آخر معركة بين الطرفين استمرت ثلاثة أيام.

ولما تبين للإمبراطور ماكرينوس الهزيمة التي لحقت بجيشه وافق على عقد معاهدة الصلح بين الطرفين بالشروط التي فرضها الملك الفرثي أردوان الخامس.

وتذكر المصادر أن الإمبراطور ماكرينوس أعاد الأسرى، ودفع غرامة مالية كبيرة تقدر بمليون وسبعمائة وخمسين ألف ليبرة، لكنه لم ينسحب من المناطق الشمالية الغربية من العراق.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة