الحروب البيولوجية: ما بين الحقيقة والسراب ( الجزء الأول )

 

 

منذ اللحظة الأولى لظهور الإنسان على سطح تلك الكرة الصماء وهي تأنُّ دوماً بذريعته الوحشية. فقد أحجم آفاق عقله، وأحبس طيات فكره داخل بوتقة واحدة ألا وهي التدمير والخراب. صنع من المعادن والبارود ما يكفي من أسلحة كي يستخدمها كيفما شاء في التشريد والهلاك. لكنه أبي إلا أن يكون الخراب أكثر شمولا و أشد فتكا، أبي إلا أن تشهد السماء على مجازر لا تُسَّفك بها قطرة دم واحدة، ولكنها تودي بحياة الآلاف بل الملايين، فتفوق سعة الأرض في أن تضمهم بين أحضان قبورها. فيُترَكوا في العراء لقمة سائغة للكلاب الضالة والحشرات المقززة.

خلق من الفيروسات سيوفاً، ومن سموم الحشرات والزواحف رماحاً يقذف بها أعدائه. وما هي إلا ساعات قليلة حتى يستسلموا ويرفعوا الرايات، وعند تلك اللحظة عرف العالم الأسلحة البيولوجية. أسلحة هادئة لا تضجر لها الآذان، ولكن يخشاها الجسد ويهابها. تجتاز بحركاتها الدقيقة الحواجز ما بين البشر فتقتل وتسفك. وقد أدرك الانسان ماهية تلك الكائنات الدقيقة حتى قبل أن يبدأ في تسطير صفحات التاريخ الأولى.

تاريخ الحروب البيولوجية قبل الميلاد.

الوقائع التاريخية عديدة متزامنة ومتلاحقة، لا تكاد تنتهي إحداها حتى تبدأ أخراها في كتابة سطورها. ففي القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أقدم الحيثيون على  إلقاء أعدائهم بالخراف والكباش المصابة بالتولاريميا - وهي إحدي الأمراض التي تَنتج من إصابة الحيوانات البرية ببعض البكتيريا المميتة. وخلال  القرن السادس قبل الميلاد، شرع الآشوريون في استخدام  فطرا ساما - يطلق عليه (مهمان الجودر) و يُستخرج منهُ حاليا العقار المُخدر LSD- وذلك  لتسميم الآبار التي يعتمد عليها الأعداء كمصدر للماء. فيذهب بمن يرشف منه شربة واحدة إلى عالم من الهلوسة، والخيالات أبعد بكثير عن الواقع المحيط به، فيصبح فريسة سهلة في يد خصومه.

 لم تنتهي أحداث ما قبل التاريخ عند هذا الحد، فما كانت وحشية الإنسان أن تكتفي بتلك الجرعة من القبح والبشاعة. فخلال عام 500 قبل الميلاد، أمر الشاعر و رجل القانون الآثيني سولون بتسميم المياه التي تغذي مدينه كيراه القديمة بنبات الزين السام. وخلال نفس الحقبة الزمنية، وكما زعم المؤرخ اليوناني هيروديت، قام السكيثيون - وبأوامر من القيادة العليا إلى الرماه - بغمس سهامهم في جثث مُتحللة أو في دم مخلوط بالسماد، وهو خليط إذا تم تحليله في عصرنا الحالي فسوف يكون مزيج من بكتيريا الكلوستريديوم تيتاني، وسم الثعبان، والكلوستريديوم بيرفرنجنز.

وبينما يشرف التاريخ على كتابة الكلمات الأولى في عصور ما بعد الميلاد، حتى أبي القائد القرطاجي حنابعل أو هانيبال في عام 184 قبل الميلاد أن ينهي تلك الحقبة من الزمان دون أن يلحق بمن سبقوه من السفاحين، فقصف سفن أعدائه  بالأفاعي ليتركهم حائرين بين السهام المتطايرة والأفاعي السامة القاتلة.

الحروب البيولوجية بالعصور الوسطى.

لم تختلف البشاعة كثيرا من العصور القديمة المتأخرة إلى العصور الوسطى في صدر التاريخ. فخلال القرن الثاني عشر و في اكتوبرعام 1154، حاصر القائد الروماني بارباروسا مدينة تورتونا، وعندما لم يجد بدا من استسلام أهلها راجع صفحات أسلافه ممن سبقوه. فلوث المياه التي تغذي المدينة بجثث المصابين والمرضى.

 ولم يمض من الزمن إلا القليل حتى أدرك التتار بقيادة جينكزخان أنهم لن يستطيعوا أن يبسطوا مخالبهم على جدران مدينة كفا - الواقعة على ساحل البحر الاسود في شبه جزيرة القرم - إحدي المدن بأوكرانيا حاليا - دون أن يُرغموا أهلها أن يتجرعوا من نفس الكأس الذي أجُبروا على تذوقه. ففي ثنايا حصار التتار لتلك المدينة عام 1346 استفحش الطاعون بين الجنود، فوقعوا واحدا تلو الاخر. فما كان من جنكزخان إلا أن قذف أهل عكا بتلك الجثث ليجبرهم على الخروج.

" من بين الذين فروا من كافا بواسطة قارب كان هناك بعض البحارة الذين أصيبوا بالمرض السام. بعض القوارب كانت متجهة إلى جنوة ، وذهب البعض الآخر إلى البندقية وإلى مناطق مسيحية أخرى. عندما وصل البحارة إلى هذه الأماكن واختلطوا مع الناس هناك ، كان الأمر كما لو أنهم أحضروا أرواح شريرة معهم: كل مدينة ، كل مستوطنة ، كل مكان تسمم بالوباء المعدي" المؤرخ الإيطالي غابرييل دي موسيس.

تحكي سجلات المؤرخ الإيطالي غابرييل دي موسيس التي دونها في عام 1348 أن تلك الحادثة تعد هي واحدة من أهم الأسباب الرئيسية لجائحة الموت الاسود التي أصابت سكان أوروبا وخاصة المناطق الواقعة على ساحل البحر الابيض المتوسط. وذلك لهروب الجنود على متن السفن إلى إسطنبول وجنوه و فينيسيا، وكذلك الفئران والحيوانات المصابة.

وحتى الآن وبالرغم من الجدل الثائر عن هل فعلا طبقا للمعرفة الحالية بطبيعة مرض الطاعون تعد تلك الحادثة هي السبب الرئيسي لتلك الجائحة التي قتلت اكثر من 25 مليون أوروبي أم لا، إلا أن تلك الواقعة تظل هي الأكثر قسوة على مدار التاريخ لما سببته من آثار ظلت أوروبا تعاني من تبعاتها حتى وقت ليس ببعيد. وفي عام 1710 استخدم الروس نفس الوسيلة لإبادة الجيش السويدي المحاصر  بمدينة رفال (ايستونيا حاليا) أثناء حصارهم لها.

وفي آواخر القرن الخامس عشر الميلادي، وبعد أن فرض الآسبان سيطرتهم على الأمريكتين، أقدموا بقيادة بزارو على التخلص من الهنود الحمر بإهدائهم بعض الملابس الملوثة بفيروس الجديري. وفي ثنايا الحرب الفرنسية الهندية وتحديدا في 24 يونيو عام  1763، قام الإنجليز بأوامر من السير جيفري أمهيرست بمحاربة الهنود الحمر الذين يسكنون منطقتي اوهایو وبنسلفانيا بنفس الطريقة، وقاموا بتزويدهم بملابس وأغطية ملوثة بالجدري.

 ولكن أيضا ليس من المؤكد أن تلك الواقعة هي السبب الرئيسي في انتشار ذلك المرض في أمريكا خلال المئتي عاما  اللتان تبعا تلك الواقعة، والتي أُبيدَ  خلالها أكثر من ستة ملايين إنسان. كما استعمل الفرنسيون الفيروس نفسه عند احتلال كندا. وأثناء الحرب الأهلية في أمريكا انطلقت المزاعم لتدّعي استخدام الجدري كسلاح ضد الجيش الكنفيدرالي.

"هذه الحرب لم تنبثق من أرضنا ، هذه الحرب أجبرنا عليها من قبل أبناء الآب العظيم الذين جاءوا ليأخذوا أرضنا بدون ثمن، والذين فعلوا في أرضنا الكثير من الأشياء الشريرة . هذه الحرب سبهها السرقة - سرقة أرضنا ". قالها احد زعماء الهنود الحمر.

لم تنتهي الأحداث عند تلك المرحلة، فالسطور السابقة ذكرت جزء رحيما من سجل الحروب البيولجية اذا قورن بما سوف يتم طرحة في الحلقة المقبلة من ذلك المقال. فالتاريخ بعد ذلك عج باخرين اجتهدوا وعزموا العقد أن لن يرحلوا عن تلك الحياة إلا بعد هلاك أغلب سكانها.

 

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.