ظل الحجاز مدة طويلة في العصر الإسلامي، وكذلك في العصر الحديث تحت حكم الأشراف، لا سيما منذ أن استولى الفاطميون على مصر، واتخذوها حاضرة لخلافتهم سنة 1358هـ - 696م، ومن يومها أصبح الحجاز يتبع سياسيًا للدولة الكبرى التي تسيطر على مصر كما فعل الفاطميون، وكذلك حال الحجاز مع الأيوبيين والمماليك والدولة العثمانية.
في العصر العثماني أضاف العثمانيون طريقة جديدة لحكم الحجاز، فقد تركوا الأشراف يحكمون كما كانوا من قبل بشرط اعترافهم بالسيادة العثمانية، وأضافوا إلى ذلك إقامة صنجقية عثمانية في جدة مع حامية عثمانية فيها يرأسها صنجق عثماني، وتغير النظام بعد ذلك عندما نصّبوا على مدن الحجاز كالمدينة وينبع وجدة ولاةً عثمانيين مثّلوا السلطة العثمانية، ونظرًا للمكانة العظيمة التي كان يتبوؤها شريف (حاكم) مكة، والعوائد التي كان يحصل عليها، فقد ظل هذا المنصب يتصارع عليه الأشراف فيما بينهم.
وكان العثمانيون عبر ولاتهم يذكون هذا الصراع، ويشعلونه بين الأشراف للسيطرة عليهم جميعًا على مبدأ فرق تسد، ومع ذلك فقد قويت شوكة الأشراف في عهد أسرة آل زيد على الرغم من الصراع المحتدم بينهم حتى خضعت الحجاز للدولة السعودية.
علاقة أشراف الحجاز بنجد وصعود الدعوة السلفية
أما عن علاقة أشراف الحجاز بمنطقة نجد وما حولها، فهي كما يراها البعض علاقة خلاف كان قديمًا دون أن يستطيع أحد أن يحدد بداياته، لكن الواضح جليًا هو أن ظروف القرون التي سبقت ظهور الدولة السعودية كانت ظروف صراع وخلاف حتى بين القرى المجاورة، والقبائل المختلفة في تنقلاتها بحثًا عن الكلأ والمرعى، لكنها عاشت بعض الاستقرار، كذلك كان الحال بين الحجاز ونجد.
بدايات التوتر والدعوة الإصلاحية في نجد
في هذا الصدد كان للأشراف بعض التحركات في اتجاه نجد في عهد الشريف (أبي نمي) الذي أرسل ابنه الشريف حسن على رأس قوات نفذت عمليات عسكرية هناك، وسرعان ما ضعفت بعد تحرك تلك القوات الحجازية في مناطق اليمامة ونجد، لا سيما بعد انشغال الأشراف وصراعهم فيما بينهم على السلطة إلى أن كان القرن الثاني عشر في المرحلة التي صاحبت بروز قوة آل سعود وظهورها، وحملهم دعوة ابن عبد الوهاب الإصلاحية على مسرح شبه الجزيرة العربية، وبداية نشرهم تلك الدعوة بين ربوعها وجبالها وفيافيها، لا سيما في أنحاء نجد والإحساء.

حينئذ عدَّ الأشراف تلك الدعوة ورجالها خصومًا لهم، فناصبوهم العداء، وظهرت في السنوات المبكرة محاولات من جهة الأشراف لفهم ما يجري في نجد عندما أرسل شريف مكة المكرمة أحمد بن سعيد إلى الأمير عبد العزيز بن محمد بن سعود، والشيخ محمد بن عبدالوهاب في سنة 1185هـ يطلب منهما إرسال فقيه من علماء نجد إلى مكة لتوضيح حقيقة الدعوة السلفية، فأرسلا إليه عبد العزيز بن عبدالله بن الحُصين، ودارت مناظرة بينه وبين بعض علماء مكة، لكنها لم تأت بنتيجة تذكر، فقد حدث انقسام بين الأشراف في العام التالي سنة 1186هـ عندما ثار آل مساعد على عمهم الشريف أحمد بن سعيد، وأخرجوه من سدة الحكم، وتولى بعده سرور بن مساعد شرافة مكة، فتغيرت سياسة الأشراف.
من الحوار إلى الحصار.. منع حجاج نجد
تبع ذلك اشتداد الخلاف بين الحجازيين وآل سعود، لا سيما بعد أن منع أشراف الحجاز حجاج نجد من أداء الفريضة، ومنعوهم من دخول مكة، فزاد التوتر بين الطرفين، واستمر إلى سنة 1202هـ - 1787م عندما تولى غالب بن مساعد شرافة مكة، وعندها بدأ الصدام المسلح بين الفريقين.
المرحلة الأولى: الصدام المسلح وحملات الشريف غالب
في سنة 1205هـ جهز الشريف غالب حملة عسكرية قوية بلغت عشرة آلاف جندي، ومعها عشرون مدفعًا جعل على قيادتها أخاه عبد العزيز لمقاتلة السعوديين، تعززها قبيلتا شمر ومطير، إضافة إلى أن الشريف غالب نفسه قد لحق بأخيه على رأس حملة أخرى للاشتراك في الاعتداء على الدرعية، وعلى الرغم من محاولاتهم المستميتة التي استمرت شهرًا للاستيلاء على بعض قرى نجد مثل قصر بسام والشعراء وغيرها، لكنها باءت بالفشل، ولم تسفر عن نتيجة تذكر، فرحل الشريف ومعه قواته عائدًا إلى الحجاز بسبب اقتراب موعد موسم الحج، وتجددت الصدمات مرة ثانية.
لكن في هذه المرة اختلف ميزان القوة، فقد تمكن السعوديون من ضم بعض القبائل التي أعلنت ولاءها لهم بعد أن كانت تابعة إلى الأشراف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان سعود بن عبد العزيز قد تمكن من إحراز نجاح كبير في الوصول إلى مناطق الإحساء، والسيطرة على غالب بلادها، ما جعل للدولة السعودية مكانة وهيبة أشد وأقوى من الأول، الأمر الذي دفع الأشراف إلى تحسس خطورة الموقف، وجعلهم يطلبون النجدة من الدولة العثمانية سنة 1207هـ دون جدوى.
نقطة التحول: معركة الجمانية وانكسار الأشراف
بعد ثلاث سنوات؛ أي في سنة 1210هـ حصلت حملة حجازية كبيرة يقودها ناصر بن يحيى (من قبل الشريف غالب) وصلت إلى عالية نجد، وتمكنت قبيلة قحطان، ومعها بعض القبائل الموالية للسعوديين في المنطقة من صد القوات الحجازية وتحقيق النصر عليها في موقعة الجمانية، والحصول على غنائم كبيرة، ما جعل قائد الحملة يلوذ بالفرار، ويعود إلى الحجاز.
ويبدو أن معركة الجمانية قد تركت أثرًا واضحًا في قدرة الأشراف الهجومية، وأضعفت من شأنهم، فالمعسكر المقابل لهم (السعوديون) قد أمدته الانتصارات المتتالية بعناصر القوة والهيبة، وتحول الأشراف من الهجوم إلى الدفاع، في حين تحول السعوديون بعد ذلك إلى المضي قدمًا في تحقيق الأهداف التي من أجلها امتشقوا الحسام نحو التوحيد ونشر السلفية في ربوع شبه الجزيرة العربية.

وقد يظهر لنا صدق تحول الأشراف إلى الدفاع من طلبهم إرسال بعض علماء نجد لمناقشة الأمور الدينية المختلف عليها مع علماء مكة المكرمة، وعلى الفور وافق الإمام على إرسال وفد نجدي بزعامة الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، وبعد مناظرة دارت بين الفريقين تمسك كل منهم بموقفه، ولم تسفر مناقشاتهم عن نتيجة تذكر، إضافة إلى أنها لم تؤد إلى تقارب في الرؤى.
الخيانة والتوسع: انضمام المضايفي وسقوط الطائف
إضافة إلى تعرض الأشراف إلى هزيمة قاسية في الخرمة سنة 1212هـ على يد القبائل الموالية للسعوديين مثل قحطان والدواسر وغيرهم، في العام نفسه دخلت الحملة الفرنسية مصر، وصاحبتها شائعات بأن نابليون قد يتجه صوب الحجاز للاستيلاء عليه، ما جعل الشريف يهتم بالأمر ويحصن جدة، ويجري الاستعدادات اللازمة، فأجرى اتصالات جادة مع السعوديين نتج عنها الاتفاق على هدنة مؤقتة في جمادى الأولى سنة 1213هـ بين الطرفين مدتها 6 سنوات مع السماح للسعوديين بأداء فريضة الحج، إضافة إلى تحديد القبائل التي تتبع كل فريق منهما.
ولم تستمر الهدنة سوى 3 أعوام، فقد تغير الحال سنة 1217هـ عندما فضلت بعض القبائل إعلان تبعيتها للدولة السعودية، ما أثار حفيظة الأشراف، وقد زاد من حنقهم انتقال عثمان المضايفي (أحد قادة الأشراف) إلى صفوف السعوديين، وتحوله عن جانب الأشراف بعد اقتناعه بالدعوة السلفية عندما أوفده الأشراف إلى نجد لبحث بعض المسائل المختلف عليها.
واتخذ المضايفي مقرًا له في المنطقة التي تقع بين الطائف وتربه، ومن هناك أخذت القبائل القريبة من مقره تنضم إليه، ما عزز من موقفه، واستطاع صد هجوم الشريف غالب، وتمكن كذلك بمساعدة القبائل التابعة للسعوديين من الزحف بهم إلى الطائف وانتزاعها من يد الشريف غالب الذي فر منها إلى مكة المكرمة.
دخول آل سعود مكة وتأسيس الدولة السعودية في الحجاز
في هذه المدة التي حقق فيها آل سعود مركزًا طيبًا وانتصارات أعلنت منطقة عسير بزعامة عبد الوهاب أبي نقطة انضمامها للسعوديين، وتحمس زعيمهم إلى الدعوة الإصلاحية، ما أتاح الفرصة للأمير سعود بن عبدالعزيز إلى جمع قوات عدة، واتجه بهم صوب مكة المكرمة حيث لحق به المضايفي وقواته، وهناك عسكر الجميع خارج مكة انتظارًا لانتهاء موسم الحج حفاظًا على أرواح الحجاج، وخشيةً من تعرضهم لأي سوء، في الوقت الذي كان فيه الشريف غالب يحاول توريط الحجاج الشاميين المصريين معه في هذا الصراع الداخلي، لكنه فشل في ذلك على ما يبدو، ولذلك فقد ترك مكة المكرمة ومن معه متجهًا إلى جدة، فدخلها سعود في محرم سنة 1218هـ دون صدام أو قتال.
أما آل سعود فقد وافقوا على تعيين الشريف عبد المعين بن مساعدًا على مكة ومواليًا لها، وعمد الأمير سعود إلى إزالة ما كان مخالفًا للشريعة الإسلامية، وإلغاء الضرائب، والحث على اتباع التعاليم السلفية، وأرسل كتابًا إلى السلطان سليم الثالث العثماني طالبًا منه منع والي دمشق ووالي مصر من إرسال المحمل الذي يأتي إلى مكة وحوله الطبول والمزامير التي تلهي الحاج عن عباداته وأداء شعائره الدينية في خشوع وخضوع.
اتجه الأمير سعود إلى جدة في محاولة منه للسيطرة عليها، لكنها استعصت عليه، فتركها عائدًا إلى مكة، ومنها إلى الدرعية بعد أن وافق على تعيين الشريف عبد المعين حاكمًا تابعًا للدولة السعودية.
وفي العام نفسه سنة 1218هـ اغتيل الأمير عبد العزيز، وتولى ابنه سعود قيادة الدولة السعودية، وفي سنة 1219هـ دارت المعارك بين عبد الوهاب أبي نقطة وقوات السعوديين وبين الشريف غالب، هُزم فيها الأخير، ما اضطره إلى طلب الصلح، وعرض أن يحكم مكة المكرمة على أن يكون تابعًا للدولة السعودية، فأجابه سعود إلى طلبه في سنة 1220هـ، وخلص الحجاز بذلك للسعوديين بعد أن دخلت المدينة المنورة هي الأخرى في العام نفسه في تبعية الدرعية.
تحليل أسباب انتصار الدولة السعودية
ونستطيع أن نستقرئ الأحداث والأسباب التي أدت إلى انتصار السعوديين على الأشراف على الرغم من أن الأشراف كانوا أكثر قوة، وربما كانت إمكاناتهم المادية أكثر سعة للموارد الاقتصادية التي كانوا يحققونها، لا سيما من عوائد الحج وغيره، وهذه الأسباب هي:
- أن السعوديين قد اجتهدوا وجاهدوا عن اعتقاد يقيني بنبل رسالتهم مُؤيدين بتعاليم الدين الصحيحة ضد تعاليم بالية أدخلها البشر على مبادئ وقيم الدين الحنيف، فابتعدوا به عن أصول السلف التي أخذت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن لآل سعود شغل شاغل سوى تنقية العقيدة مما لحقها من أباطيل وترهات، ونشر العقيدة السليمة، لا سيما أرض الرسالة الإسلامية (شبه الجزيرة العربية) وجمعها في بوتقة واحدة تحت راية (لا إله إلا الله) عن وعي وفهم صحيح، فالقضية كانت صدامًا بين قوة فتية ناشئة، وقوة هرمة أخنى عليها الذي أخنى على لُبدٍ.
- تغلغل الدعوة السلفية ووصولها إلى الإحساء، واقتناع العسيريين الذين انضموا إلى الدعوة بها، وقاتلوا من أجلها في صفوف السعوديين، إضافة إلى انتشار الدعوة -جزئيًا كذلك- بين الحجازيين، وانضمام بعضهم إلى السعوديين، وكان على رأسهم وزير الشريف الحجازي (عثمان المضايفي).
- اعتماد الشريف غالب على معونة الدولة العثمانية التي كانت حينئذ مشغولة بمشكلاتها الداخلية والخارجية، لا سيما عند احتلال الفرنسيين مصر سنة 1897م، وخلافاتهم مع الروس، وثورات اليونان.
- تربص الأوروبيين بهم، ما أدى في النهاية إلى سيطرة السعوديين على الحجاز دون أن يحرك العثمانيون ساكنًا.

النتائج التاريخية لسيطرة السعوديين على الحجاز
- انتقال القيادة والزعامة الروحية من الدولة العثمانية التي كانت تتباهى بسيطرتها على الحرمين الشريفين إلى السعوديين الذين باتوا يوجهون دفتها التوجيه الصحيح.
- اتساع الرقعة التي يسيطر عليها السعوديون، فقد أصبحت أراضيهم تطل على اثنين من المجاري المائية المهمة: الخليج العربي والبحر الأحمر.
- حصول آل سعود وأتباعهم على قوة دفع جديدة، ما أتاح لهم فرصة الاختلاط بأبناء البلاد الإسلامية الأخرى في مواسم الحج، وإرشادهم ونشر العقيدة السليمة بينهم، لذلك تظهر بعد ذلك مجموعة من الدعوات الإصلاحية التي نهلت من فكر ابن عبد الوهاب في إفريقيا وآسيا طوال القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين الميلادي.
- تأثر الدولة العثمانية معنويًا بهذا التحول بعد أن كانت تستمد قوتها الروحية من سيطرتها على الحرمين الشريفين، واستقرار سيطرتها نسبيًا على الدول العربية بهذه الزعامة الروحية.
مثَّل صعود الدولة السعودية الأولى وسيطرتها على الحجاز نقطة تحول مفصلية في تاريخ شبه الجزيرة العربية، هذا الصراع الذي جمع بين الطموح السياسي والدافع الديني، كشف عن تغير ميزان القوى في المنطقة، وأسفر عن نتائج بعيدة المدى غيَّرت الخريطة الجيوسياسية والروحية. من ضعف نفوذ الأشراف وانشغال العثمانيين إلى قوة الدعوة السلفية وإيمان أتباعها، كانت العوامل متضافرة لترسيخ الدولة السعودية قوة إقليمية صاعدة. ختامًا، اذكر لنا في التعليقات: ما الدروس التي يمكن أن نستخلصها من هذا التحول التاريخي العميق لتفهم ديناميكيات المنطقة العربية اليوم؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.