كان جدي يجلس حزينًا في زاوية شبه مظلمة من بيتنا الصغير -الذي سكناه يومًا بعد أن هاجرنا لضاحية من ضواحي باريس..
فاقتربتُ منه وقلتُ له:
-ما بالك يا جدي شارد الذهن وكأنك لست معنا؟ تنظر للبعيد وكأنك تحدِّق في سراب!!
قال: كم هي كبيرة الهوَّة بيننا وبينكم يا ولدي..
فقلت: الهوَّة؟! عمَّ تتكلم يا جدي؟!
تنهد بحزنٍ وقال: في جيلنا تعلّمنا الجنس بمعناه الإنساني كما ذكر الكاتب كوستي بندلي يومًا -رحمه الله- وعلمناه لأولادنا، الحب أولًا يليه الإخلاص والصدق...
والحب هو الأساس، والجنس هو وسيلة من وسائل التعبير عن الحب!
اقرأ أيضًا خواطر أدبية : وهم الحب
فاجأني جواب جدي لكنه أكمل قائلًا:
-صار الجنس عندكم غاية، وصار الحب وسيلة لبلوغ تلك الغاية، بل صار عندكم بدلًا من الغاية غايات، سقفها الجنس بعديد من العلاقات!!
انقلبت المعايير مع أنني أوصلت رسالتي بأمانة لأولادي، فما الذي جرى وانكسر بيننا وبينكم؟!
فقلتُ: ولكن يا جدي تغيَّرت الأيام!
فازدادت تعابيره حزنًا وهمَّ بالوقوف مستعدًا للانصراف وهو يقول: ليتكم تعيدوا للجنس معناه الإنساني، وتستبعدوا ذاك المعنى الحيواني، فالحب هو الغاية والأساس وسبب الوجود.
الحب يفقد معناه جيلاً بعد جيل ويتحول من غاية إلى وسيلة... مع أنه أساس وجودنا وقد خُلق فينا ليبقى غايتنا.
اعذرني يا بني أطلتُ عليك، ولكن ليتني أستطيع أن أجعلك تشعر بما أشعر لتفهم، ولكن اختلاف الأجيال ينال منًّا ويباعد بيننا.
اقرأ أيضًا خواطر أدبية "مرآتي المكسورة"
تفوَّه بتلك الكلمات في حين كان يمشي متجهًا لباب البيت، وكأنه أراد أن يخرج ليتنفس الصعداء، لكنّ للأسف وقع قبل أن يصل!
فانصدم حفيده بصوت سقوطه أرضًا وركض إليه بعينين تملأهما الدموع صارخًا: جدِّي جدِّي! وما من مجيب.
في تلك اللحظة رحل الجدُّ.. رحل إلى السماء، وترك على الأرض في عقل حفيده تساؤلات كثيرة تحتاج لنقاشٍ عميق..
فهل من مجيب؟!
اقرأ أيضًا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.