إنّه الحبّ... ذلك الشعور الَّذي يسكن الرّوح وينفعل له القلب، ويبحث له العقل عن منطق. وفي عصر العلم؛ يبحث العلماء عن المادي المحسوس والمقاس، وحشروا أنوفهم حتى في فهم ماهية الحبّ ودراسة التغيّرات الَّتي تطرأ على أدّمغة المحبّين..
فما أن يشم أنف المحب –رجلًا كان أو امرأة- رائحة الإنسان الَّذي يتمناه، حتى يدفع المخ بدفقة من الناقل الكيميائي "الدوبامين" الَّذي يشعر الإنسان بالنّشوة والسّعادة والرضا.
وهذا الوصف الكيميائيّ لحالة المخ عند تعرّضه لجرعات من مشاعر الحبّ يؤكد أن هذه المشاعر تفعل ما لا تفعله أدوية الاكتئاب المخدّرات، ويمكن أن يكون وسيلة قوية للرّاغبين في الإقلاع عن التدخين.. بل أثبت العلماء فعلًا أن الأعراض المبكرة للحبّ تتشابه مع ما تسببه الجرعات الأولى من بعض العقاقير المخدرة كالأمفيتامين، والكوكايين، والمورفين؛ للاشتراك في تنشيط نفس النّاقلات العصبيّة.
وفي هذه المرحلة المبكرة يظهر التصوير الإشعاعيّ نشاطًا أكبر في مخ المرأة المحبّة أكثر من مخ الرّجل في المراكز الخاصّة بالانتباه والحدس والذاكرة، وهذا يدل على أن المرأة تتذكر هذه التّفاصيل الجميلة للحظات الأولى بكل ما فيها من صور وأصوات ومشاعر وكلمات بنسبة تفوق الرّجل. وأمّا الرّجل فيظهر نشاطًا أكبر في قشرته المخية البصرية ممّا يؤكد أنه عرضة للحبّ من أول نظرة أكثر من المرأة.
وفي تلك اللّحظات أعني -أول الحبّ- الَّتي تغنّى بها الشعراء تُغلق الدّوائر العصبيّة الخاصّة بالحرص والتّفكير المنطقيّ ويتمّ تهدئة المراكز المخية المسؤولة عن الخوف والقلق. وهذا يعني أن كل طرف لا يرى عيوب الطرف الآخر (مراية الحبّ عامية.. مثل مصري). ويروى عن النبي عند أبي داوود من حديث أبي الدرداء مرفوعا: «حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ»، ويفسّر ذلك أيضًا إلغاء من كان في أول الحبّ لكلّ المخاوف الَّتي تظهر بعد ذلك، فلا يخش النّاس وتعليقاتهم ولا الظروف والملابسات والتحديات.
ومن العجيب أن الحبّ يشغل نفس الدوائر العصبيّة المخية الَّتي تنشط عند الجنون، وقد رصدت الرّوايات كثيرًا صورة المجنون بسبب الحبّ (مجنون ليلى).
كما يشغل الحبّ أيضًا الدوائر العصبيّة الَّتي يؤثر فيها الإدمان، للاشتراك في عدم القدرة على الاستغناء والسعي الحثيث للإشباع. ويشعر المحبّ عند الفراق بأعراض تشبه الأعراض الانسحابية من العقاقير المخدرة، فالحبّ إدمان حقيقيّ وقد سجلت الأبحاث عند الفحص الإشعاعي نشاطًا كبيرًا يصل إلى مراكز الألم العضوي عند البعض، وذلك بحسب قوّة وصدق الحبّ.
وهناك هرمونات أخرى تكون حاضرة بقوّة في الأجواء الرومانسيّة كالتستوستيرون، والأستروجين، والأكسيتوسين، وكلّها تدعم التّعلق بالطرف الآخر، وإلغاء النّظرة الموضوعيّة النّاقدة والشعور بالنشوة والرّغبة في تملك الطرف الآخر وتعزيز الثقة به أيضًا.
وإذا ما حدث ما يهدد الهدوء والاستقرار وأصبح الارتباط في مهب الرّيح فذلك يؤدّي إلى انتعاش دوائر الشوق والإلحاح مرّة أخرى بالإضافة للقلق خشية الفراق.
وأشارت أبحاث حديثة عن دور مثير للدراسة للـ "أوكسيتوسن" وهو هرمون يفرز من الغدّة النخامية بالمخ، وكل ما كان يُعرف عنه أنّه يحفز انقباضات الرّحم أثناء الولادة، لكن المفاجأة المذهلة أن هذا الهرمون يؤدي أدوارًا مختلفة إذا ما ربطنا بينها اكتشفنا سرًا من أسرار الحبّ والَّذي جعله الله سبيلًا لإعمار الأرض ونشر التعاطف والودّ بين النّاس، لا سيما بين الأزواج وأفراد الأسرة.
الأوكسيتوسن مسؤول بدرجة ما عن الشّعور بالنّشوة أثناء العلاقة الحميميّة بين الرّجل والمرأة ومسؤول أيضًا عن زيادة تعلق الأمّ بطفلها الرّضيع ورغبتها في إرضاعه، أمّا في العلاقة بين الرّجل والمرأة بوجه عام فهو يعزّز الثّقة بالنّفس والانجذاب العاطفيّ للطرف الآخر.
وكل ما ذكرته يؤكّد أن مشاعر الحبّ بالفطرة جميلة ومنعشة وتضيف عبقًا سحريًا على إيقاع الحياة الرتيب، كما أنّها تساعد البشر على مواجهة كبد المعيشة بل وحتَّى آلام المرض.
لكنّي بعد أن وصفت لك عزيزي القارئ هذا التّحليل العلميّ للمشاعر وكأنّها صارت كالمواد المتفاعلة في مختبر كيميائيّ، يروق لي أن أطرح طرحًا مغايرًا نسبيًا أو قل مصاحبًا، وهو الحديث عن كيمياء الرّوح... نعم، لا تندهش.. فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله قال: «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ».
والحديث كما ذكرت متفق عليه أي أنّه في أعلى درجات الصحّة، ولاحظ أن الأرواح وصفت بوصفين؛ الأول: أنّها جنود مجندة أيّ أجناس مقسمة متباينة، والجندي ينفذ ما أُمر به وليس له دور في اتّخاذ القرار وهذا يدل على أن مشاعر الحبّ لا سلطان لأحد عليها، والثاني: أن بينها وبين غيرها من الأرواح قوى تجاذب وتنافر، وكأنّنا نتحدّث عن قوى مغناطيسية أو كهرومغناطيسية أو كما أسميها كيمومغناطيسية... ومدهش بصدق أن يتناول النبي معنى التنافر والتّجاذب منذ أكثر من 14 قرنًا، والَّذي لم يكن مألوفًا وقتها بين الأجسام الماديّة حتى يتحدّث عنه بين الأرواح.
وشُرَّاح الحديث اتّفقوا على أن المعنى الأرجح من الحديث أن الله خلق البشر بطبائع وأمزجة مختلفة، فيميل أصحاب الطّباع المتماثلة لبعضهم ويحدث التّنافر عند اختلاف الطّباع. وقال بعض الحكماء في ذلك: "وَقَدْ كَانَتِ الأَرْوَاحُ مَوْجُودَةٌ قَبْلَ الأَجْسَامِ فَمَالَ الْجِنْسُ إِلَى الْجِنْسِ فَلَمَّا افْتَرَقَتْ فِي الأَجْسَادِ بَقِيَ فِي كُلِّ نَفْسٍ حُبُّ مَا كَانَ مُقَارِبًا لَهَا، فَإِذَا شَاهَدَتِ النَّفْسُ مِنْ نَفْسٍ نَوْعَ مُوَافَقَةٍ مَالَتْ إِلَيْهَا ظَانَّةً أَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَتْ قَرِينَتَهَا ".
وذكر ابن الجوزي في كتابه "ذمّ الهوى" أسباب المحبّة والعشق ونقل ما خلاصته أن المحبّة تكون بين المتفقين في الخصال والطباع فقال: "وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْعِشْقَ شِدَّةُ مَيْلِ النَّفْسِ إِلَى صُورَةٍ تُلائِمُ طَبْعِهَا".
وأعجبتني عبارة لذي الرياستين عندما سُئل عن المودة فقال: "إِذَا تَقَارَبَتْ جَوَاهِرُ النُّفُوسِ بَوَصْلِ الْمُشَاكَلَةِ ثَقَبَتْ لَمْحَةَ نُورٍ سَاطِعٍ فِي عَالِمِ الرُّوحِ فَبَثَّتْهُ فِي أَقْطَارِهَا تَسْتَضِيءُ بِهِ نَوَاظِرُ الْعَقْلِ وَتَهْتَزُّ لإِشْرَاقِهِ طَبَائِعُ الْحَيَاةِ فَيُتَصَوَّرُ مِنْ ذَلِكَ خَلْقٌ خَاصٌّ بِالنَّفْسِ... يُسَمَّى الْوُدُّ".
بل قد يكون ذلك في الخير والشر، فيقول الله سبحانه وتعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)، بل في مشاهد يوم القيامة ذكر الله هذا التصنيف فقال: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا)، وقال: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا).
إذًا وجود الميل لشخص ما دون غيره أمر فطريّ جُبلت عليه الأرواح، لذلك نجد المصطفى عليه السّلام يقول في حديث صحيح آخر: «لَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلُ النِّكَاحِ» سنن ابن ماجه. وهذا الحديث يؤكد أن النبي لم ينكر حدوث الحبّ قبل الزّواج، وأيضًا يؤكد شفقته صلى الله عليه وسلم بمن صدق حبّه ووجد خليل روحه لعلمه بألم الفراق بعد اللّقاء. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لو أدركت عفراء وعروة لجمعت بينهما) رواه ابن الجوزي بسنده، وعروة عاشق وعده عمه بالزّواج من ابنته عفراء بعد عودته من سفر للتّجارة، ثمّ زوجها لرجل من الأثرياء، وقال هشام بن عروة عن أبيه: مات عاشق، فصلى عليه زيد بن ثابت -أحد كتاب الوحي وجامع القرآن الكريم- فقيل له في ذلك، فقال: إني رحمته "رواه ابن القيم في روضة المحبين.
وَقَدْ شَفَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَاشِقٍ أَنْ تُوَاصِلَهُ مَعْشُوقَتُهُ بِأَنْ تَتَزَوَّجَ بِهِ فَأَبَتْ، وَذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُغِيثٍ وَبَرِيرَةَ «لَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمْشِي خَلْفَهَا وَدُمُوعُهُ تَجْرِي عَلَى خَدَّيْهِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَوْ رَاجَعْتِيهِ؟ فَقَالَتْ: أَتَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: لَا، إِنَّمَا أَشْفَعُ، فَقَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ، فَقَالَ لِعَمِّهِ: يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيَرَةَ، وَمِنْ بُغْضِهَا لَهُ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ حُبَّهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ بَانَتْ مِنْهُ».
تعريف الحبّ:
وقد نحتار حقًا إذا ما أردنا تعريف الحبّ بموضوعية وإيجاز نصونه عن الإسهاب، وإذا ما سرنا خلف الأدباء والشعراء والفلاسفة لوجدنا تناقضات عجيبة واجتهادات شخصيّة أو اجتزاء يخل بكونه تعريفًا. ولكنّي عثرت على عدّة تعريفات بديعة جمعها الإمام ابن القيم في كتابه مدراج السالكين، فانتقيت بعضها مما لا يحتاج لتعقيب وتفصيل، ومنها:
1. إِيثَارُ الْمَحْبُوبِ، عَلَى جَمِيعِ الْمَصْحُوبِ.
2. مُوَافَقَةُ الْحَبِيبِ، فِي الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ.
3. مُوَاطَأَةُ الْقَلْبِ لِمُرَادَاتِ الْمَحْبُوبِ.
4. اسْتِقْلَالُ الْكَثِيرِ مِنْ نَفْسِكَ، وَاسْتِكْثَارُ الْقَلِيلِ مِنْ حَبِيبِكَ.
5. أَنْ تَهَبَ كُلَّكَ لِمَنْ أَحْبَبْتَ. فَلَا يَبْقَى لَكَ مِنْكَ شَيْءٌ.
6. أَنْ تَمْحُوَ مِنَ الْقَلْبِ مَا سِوَى الْمَحْبُوبِ.
7. أَنْ تَغَارَ عَلَى الْمَحْبُوبِ: أَنْ يُحِبَّهُ مِثْلُكَ.
وهناك أسئلة تهجم على الخاطر عند الحديث عن الحبّ، منها:
هل يمكن أن يحبّ المرء أكثر من مرّة؟
قد يكون ذلك نادرًا جدًا لكنّه ممكن، وهذا إذا سلمنا جدلًا أن ما كان حبًّا فعلًا. والنبي صلى الله عليه وسلم أحبّ عائشة حبًا عظيمًا وصرّح به في مواضع عدّة، لكنّه لم ينف حبّه لخديجة، وجاء في صحيح مسلم أنّه قال عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا».
هل هناك فرق بين الحبّ والأعجاب؟ وهل هناك ما يسمّى بـ "الحبّ الكاذب"؟
هناك ميل فطريّ وحاجة من كلا الجنسين للآخر، فالرّجل قد يجذبه جمال المرأة أو حنانها أو رقتها، وكذلك المرأة تنجذب لرجولة الرّجل وشهامته وذكائه واهتمامه. فهناك هاجس احتياج بداخل الرّجل والمرأة، وعندما يختلطا بالنّاس يبحثان عمّن يشبع فيهما هذا الاحتياج، فيظن الكثيرون أن مجرّد الإعجاب والانجذاب لشخص ما أنه حبّ، وقد يكون غالبًا حبًا كاذبًا لأنه سيبنى على تعويض نقص واحتياج، فهو ميل مسبب إذا تغيّر السّبب في أيّ لحظة تغيّرت الاستجابة، وليس معنى هذا أن كل إعجاب حبّ كاذب، قطعا لا.. ولكن قد يكون حبًا صادقًا يكبر مع الوقت وقد لا يكون حبًا وإنّما يؤدّي لزواج ناجح.. ربما، ولكن موضوع بحثنا هو "الحبّ الحقيقي".
هل للحبّ درجات؟ وهل يزيد وينقص ويصيبه الشيخوخة؟
نعم للحبّ درجات، وتختلف درجاته بحسب سمو الحبيبين وكريم صفاتهما ونبل مقاصدهما، وكذلك لسماتهما الشخصيّة، ومدى التّوافق بينهما، وبالطبع الحبّ يزيد وينقص، إذا كان الإيمان بالله يزيد وينقص، لكن الزّيادة تحصل بالمشاركة الوجدانية والتّعاطف والاهتمام والكلمات الرقيقة والمواقف الَّتي تثبت صدق المشاعر، وبتبادل الأدوار بحسب تغيّر الأحوال. وينقص الحبّ بالإهمال وبالجفاء وكثرة الاتهامات وإلقاء اللّوم على الطرف الآخر وبغياب المشاركة في الأفراح والأحزان.
وذكر مراتب المحبّة ابن القيم أيضًا فما وجدت أجمع ولا أروع من كلامه، ذكرتها بإيجاز وتصرف وهي:
الأولى: الْعَلَاقَةُ، وَسُمِّيَتْ عَلَاقَةً لِتَعَلُّقِ الْقَلْبِ بِالْمَحْبُوبِ.
الثَّانِيَةُ: الْإِرَادَةُ، وَهِيَ مَيْلُ الْقَلْبِ إِلَى مَحْبُوبِهِ وَطَلَبُهُ لَهُ.
الثَّالِثَةُ: الصَّبَابَةُ، وَهِيَ انْصِبَابُ الْقَلْبِ إِلَيْهِ، بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُهُ صَاحِبُهُ. كَانْصِبَابِ الْمَاءِ فِي الْحُدُورِ.
الرَّابِعَةُ: الْغَرَامُ وَهُوَ الْحُبُّ اللَّازِمُ لِلْقَلْبِ، الَّذِي لَا يُفَارِقُهُ. بَلْ يُلَازِمُهُ كَمُلَازَمَةِ الْغَرِيمِ لِغَرِيمِهِ. وَمِنْهُ سُمِّيَ عَذَابُ النَّارِ غَرَامًا لِلُزُومِهِ لِأَهْلِهِ. وَعَدَمِ مُفَارَقَتِهِ لَهُمْ. قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان: 65].
الْخَامِسَةُ: الْوِدَادُ وَهُوَ صَفْوُ الْمَحَبَّةِ، وَالْوَدُودُ مِنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ تَعَالَى.
السَّادِسَةُ: الشَّغَفُ يُقَالُ: شُغِفَ بِكَذَا، فَهُوَ مَشْغُوفٌ بِهِ، وَقَدْ شَغَفَهُ الْمَحْبُوبُ. أَيْ وَصَلَ حُبُّهُ إِلَى شَغَافِ قَلْبِهِ، كَمَا قَالَ النِّسْوَةُ عَنِ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ: {قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا}
السَّابِعَةُ: الْعِشْقُ وَهُوَ الْحُبُّ الْمُفْرِطُ الَّذِي يُخَافُ عَلَى صَاحِبِهِ مِنْهُ. وَعَلَيْهِ تَأَوَّلَ بعض أهل التفسير في قوله تعالى: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] بأنه هُوَ الْعِشْقُ.
الثَّامِنَةُ: التَّتَيُّمُ وَهُوَ التَّعَبُّدُ، وَالتَّذَلُّلُ. يُقَالُ: تَيَّمَهُ الْحُبُّ أَيْ ذَلَّلَهُ وَعَبَّدَهُ. وَتَيْمُ اللَّهُ: عَبْدُ اللَّهِ. وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيُتْمِ -الَّذِي هُوَ الِانْفِرَادُ- تَلَاقٍ فِي الِاشْتِقَاقِ الْأَوْسَطِ، وَتَنَاسُبٌ فِي الْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمُتَيَّمَ الْمُنْفَرِدُ بِحُبِّهِ وَشَجْوِهِ. كَانْفِرَادِ الْيَتِيمِ بِنَفْسِهِ عَنْ أَبِيهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا مَكْسُورٌ ذَلِيلٌ. هَذَا كَسَرَهُ يُتْمٌ. وَهَذَا كَسَرَهُ تَتَيُّمٌ.
التَّاسِعَةُ: التَّعَبُّدُ وَهُوَ فَوْقَ التَّتَيُّمِ.
الْعَاشِرَةُ: مَرْتَبَةُ الْخُلَّةِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الْخَلِيلَانِ -إِبْرَاهِيمُ وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ.
ولا شك أن الإفراط في كل شيء مهلكة للإنسان، ويروى عن المصطفى أنه قال: أحبب حبيبك هونًا ما. ودين الإسلام يدعو للوسطية والحكمة في الأمور كلها، لأن فيها سعادة الدارين.
هل للحبّ سن؟
لا طبعًا.. ليس للحبّ سن، وربما يجد الإنسان نصفه الآخر في وقت متأخر جدًا في عمره.. وتلك أقدار الله، تمامًا كالرزق والفقر والغنى، والصحّة والمرض، والإنجاب.
هل يشترط لنجاح الزّواج وجود الحبّ؟
هناك أدلّة كثيرة تؤكد أن الزّواج ينجح بدون حبّ إن توفرت أسباب النّجاح، والقرآن الكريم لم يذكر الحبّ في الآية الكريمة (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، وإنما ذكر المودة والرحمة وتلك صفات ومشاعر تنمو بالعشرة، والتشارك، والتعاطف الوجداني، في إدارة شؤون البيت والأسرة، مع فهم الحقوق والواجبات لكل طرف، والمتأمل لحياة النبي صلى الله عليه وسلم سيجد أمرًا عجبًا، وهو أنّه كان يصرّح بحبّه لعائشة رضي الله عنها فقط ولم يرو قط أنه صرح بحبّه لحفصة أو زينب أو غيرهما من زوجاته، وكانت تعرف بين الصحابة بحبيبة رسول الله وأنّها زوجته في الجنّة، كما أنّه مكث في بيتها في مرضه الأخير ومات في حجرها.
وفي الحديث المتفق عليه من حديث عمرو بن العاص أنه سأل النبي: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ». وفي صحيح مسلم من حديث عائشة قالت: "...أرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ مَعِي فِي مِرْطِي، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَزْوَاجَكَ أَرْسَلْنَنِي إِلَيْكَ يَسْأَلْنَكَ الْعَدْلَ فِي ابْنَةِ أَبِي قُحَافَةَ، وَأَنَا سَاكِتَةٌ، قَالَتْ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَيْ بُنَيَّةُ أَلَسْتِ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟» فَقَالَتْ: بَلَى، قَالَ «فَأَحِبِّي هَذِهِ»، ولم يكتف النبي بالقول وإنما بالفعل وإظهار حبّه كذلك برومانسية وحنان فريد، فتارّة يسابقها وتارّة يقف معها لتشاهد الأحباش وهم يلعبون بالحراب في المسجد، وتارّة يسمع لها وهي تحكي له قصّة أم زرع الطويلة، وتارّة يمازحها، وكان عليه السلام يشرب من نفس الموضع الَّذي شربت منه، وكان يقبلها وهو صائم ولم يفعل ذلك مع غيره من زوجاته مع قيامه بحقوق الزوجيّة، بل قال عليه السلام: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي، فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي، فِيمَا تَمْلِكُ، وَلَا أَمْلِكُ». ويعني الحبّ وما يميل له القلب، وهذا دليل ناصع على أن الحبّ لا حيلة للإنسان فيه، وأن الزّواج يمكن أن ينجح بدون حبّ.
لماذا تنتهي قصص الحبّ نهايات مؤلمة وقليل منها ما يكتب له النّجاح؟
هناك فارق بين الحبّ وإدارة الحبّ، والَّذي يساعد في استمرار ونضج هذه المشاعر ليس الحبّ في حد ذاته وإنّما طريقة التعامل معه، وأسرار نجاح الحبّ بين الرّجل والمرأة أربعة:
1. أن يكون الحبّ في الله: نعم. فقد صح عن المعصوم أنه قال: "الحب في الله من أوثق عُرى الإيمان" وهذا يعني ألّا يؤدّي هذا الحبّ إلى الوقوع فيما يغضب المولى سبحانه وتعالى، سواء باقتراف المحرّمات أو بعقوق الوالدين أو بظلم أحد من البشر أو بالكذب والخيانة. وهذا السرّ سيجعل الطرفين يحفظان حدود الله حتى وإن لم يكتب لهما الزّواج مع حرصهما عليه.
2. طبيعة تطوّر العلاقات: العلاقات النّاجحة تمرّ بأربعة مراحل هي نفس مراحل تكوين الفريق، أولًا: مرحلة التكوين، ثانيًا: مرحلة الصراع، ثالثًا: مرحلة الطبيعية، رابعًا: الأداء بكفاءة عالية. والكثير من العلاقات تنتهي في مرحلة الصراع والقليل يتوقف عند مرحلة الطبيعيّة، وأقل القليل يصل لمرحلة الأداء بفاعلية. ففي البداية يحرص كل طرف على إظهار ما يتوافق مع الطرف الآخر ثمّ عندما تبدأ مرحلة الاختلاف في وجهة النظر تحدث المشادات، ويظن أكثر النّاس أن ذلك دلالة سلبية تؤدّي بالبعض للنفور والتراجع، مع أن هذه المرحلة منطقية جدا ولا بد من المرور بها وأيّ علاقة لم تمرّ بها فهي لا تزال علاقة سطحيّة، ومن ينجحون في تخطيها حينئذ يتصرّف كل طرف على حقيقته دون تصنع وتكلف، وهذا تقدّم في العلاقة واتجاه نحو العمق والاندماج الفكريّ والعاطفيّ، لكن لا يكفي أن تقف العلاقة عند هذا الحد وإنما ينبغي أن تتحول نحو الأداء بكفاءة خاصّة بعد أن فهم كل طرف الطرف الآخر وعرف طباعه يأتي وقت الانسجام العاطفي الحقيقي، البعيد عن التظاهر والتنمق. ونفس ما ذكرته الآن ينطبق تمامًا على الفرق النّاجحة في مجال إدارة الأعمال.
3. النظرة الإيجابيّة للحب: تحوّل الحبّ إلى رغبة في التملك وأنانية لإرضاء الذّات وعتاب ولوم دائم، وتركيز على المشاعر السلبيّة، والغيرة المبالغ فيها والمتابعة المزعجة تؤدّي إلى الضجر والألم والسرحان والريبة، مع أن الأصل في الحبّ وجود الثّقة المتبادلة والطاقة الإيجابيّة الَّتي تنشر البهجة وتملأ القلب تفاؤلًا وأملًا في الحياة، وأيّ حبيبين قد تعصف بهما لحظات تخطف منهما الفرحة ويشوبها القلق والتوتر وذلك وارد وطبيعيّ أن يحدث لكن التّحدي والبطولة تكمن في تخطي تلك اللّحظات والعبور فوقها، ويمكن ذلك بالمزيد من الثّقة فيمن نحبّ.
وللأسف... تراثنا العربيّ الشعريّ والقصصيّ يمجد لمشاعر الألم في الحبّ والبكاء على الأطلال وآلام الفراق والهجر... وهذه الصورة السوداء للحبّ ينبغي أن تقاوم، والأحبّة في النّهاية بشر يعتريهم ما يعتري البشر من نواقص كالنسيان، والمرض، والقلق، والخوف، والوقوع في الخطأ والغضب والانشغال بشؤون الحياة والعمل، وغير ذلك ممّا يجري على البشر رجلًا كان أو امرأة، فعندما يستوعب الطرفان ذلك ويتخليان عن الصورة المثاليّة للحبيب ويلتمسان الأعذار لبعضهما البعض ويتسامحان ويتغافران فيما بينهما، يمكن للحبّ أن يكون حاضرًا بقوّة لإسعادهما ولإضفاء قيمة كبيرة وجميلة للحياة تدفع للإمام وتشجع على العمل والإنتاج، وإذا ما أتمّ الله عليهما بالزّواج عاش الحبّ في ظلّ مؤسسة الزّواج، لأنه تشكّل تشكيلًا صحيحًا ناضجًا يصمد أمام التّحديات بمرونة وتعلم مستمرّ من خبرات الحياة وإخفاقاتها. ومن نفيس كلام ذي الرياستين لأَصْحَابِهِ: "اعْشَقُوا وَلا تَعْشَقُوا حَرَامًا فَإِنَّ عِشْقَ الْحَلالِ يُطْلِقُ اللِّسَانَ الْعَيِيَّ وَيَرْفَعُ التَّبَلُّدَ وَيُسَخِّي كَفَّ الْبَخِيلِ وَيَبْعَثُ عَلَى النَّظَافَةِ وَيَدْعُو إِلَى الذَّكَاءِ". وهذه نظرة إيجابيّة للحبّ.
4. الذكاء الوجداني: صحيح أن الأحبّة بينهم تشابه كبير في الطباع لكن هذا لا يعني التطابق التامّ، كما أن هناك حالات وأحوال تختلف فيها الانفعالات فعندما يثور أحدهما ويغضب على الآخر أن يضبط انفعالاته ويتفهم الملابسات وراء الانفعال ويتبادلان الأدوار، كما أن هناك فروق نفسية وفسيولوجية بين الرّجل والمرأة ينبغي أن توضع في الاعتبار فمن الحماقة أن يعامل الرّجل المرأة كما يعامل الرّجال، فإذا اهتم كل طرف باستيعاب الطرف الآخر مع اختلاف الأحوال دامت المودة، فلا يكفي أن تحبّ لكن عليك أن تحافظ على هذا الحبّ، هكذا هي الحياة... لغزها الكبير ليس في الوصول لقمّة الشيء عادة، وإنما في الحفاظ على القمّة. كذلك الذّكاء في اختيار الكلمات أو اللّمسات المناسبة في الأوقات المناسبة، واتّباع فنون التّواصل الفعّال الذكيّ ولغة الجسد المناسبة، والتّنويع والتّشويق المستمرّ والمفاجأة أحيانًا؛ لتبقى جذوة الحبّ مشتعلة. كما ينبغي أن يُراعى اختلاف العادات الَّتي اكُتسبت بفعل البيئة والتربية وليست طبعًا في الرّوح، لأنّها قد تتسبّب في خلاف وشقاق لاختلاف عوامل النشأة، وهذا أمر طبيعيّ، وكما يقولون في البرمجة اللّغوية العصبيّة: الخريطة ليست هي المنطقة.
هل هناك فرق بين الحبّ والشهوة؟
الشهوة رغبة تزول بتحصيلها... وهي قصيرة جدًا وهي مطلب من مطالب الجسد كالطعام والشراب، أما الحبّ الحقيقيّ فهو مطلب من مطالب الرّوح، وبدون شك إذا ما اجتمع الحبّ بالشهوة الحلال -أيّ بالزواج- كان ذلك توثيقًا لرباط الحبّ مع مراعاة ما ذكرناه من فهم فلسفة العلاقات وإدارتها، وحينها ترتبط ذات كاملة بذات كاملة، وأعني بالذّات: الرّوح والجسد معًا. أما إذا كانت الشرارة الأولى يحكمها الشهوات فليس ذلك بحبّ حقيقيّ.
وفي ظلّ تأجيج الغرائز وتسليع جسد المرأة تتآكل المطالب السامية وينزوي عشاق الرّوح وكأنهم كائنات غريبة، ولن تتخلص المجتمعات العربيّة من مشكلات التّحرش والانحطاط الأخلاقيّ إلّا بمحاولة تصحيح مفهوم الحبّ الحقيقيّ الَّذي يترفع عن النزوات العابرة والعبارات السوقيّة الرخيصة، ويحضرني جملة في أغنية لموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب أختم بها مقالي وهي "وعشق الروح ما لوش آخر لكن عشق الجسد فاني".
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.