مؤسفٌ حقًا أن تُختزل مشاعر الحب في زمننا إلى قدرةٍ على الاحتمال، لا إلى قدرةٍ على الاحترام. بات بعض الناس يعتقدون أنَّ المحبة الحقيقية لا تُقاس إلا بمقدار ما تستطيع تحمُّل أذاهم، والتغاضي عن قسوتهم، وتجميل وقاحتهم بسوء الظن الحسن. وكأنَّ الحب تحوَّل إلى ساحة صبرٍ لا نهاية لها، بدلًا من أن يكون مساحة راحة، وموئلًا للكرامة، ومظلَّة للذوق والرقي.
في مجتمعاتنا، كثيرًا ما يُطلب من المُحبّ أن يُسكت كرامته، أن يُغلق فمه، أن يحتمل التجاهل والفتور والتجريح، لا لشيء سوى لأن «العِشرة لا تُهدَم بسهولة»، أو لأن «الحب يُغفر فيه كل شيء». لكن هذا المفهوم ليس سوى قناعٍ مؤلم، يُستخدم لشرعنة الأنانية، والتسلُّط العاطفي، والتهاون بحقوق الآخر تحت مظلَّة «المشاعر العميقة».
ما نغفل عنه -أو نتغافل- هو أن الحب الحقيقي لا يُرهق أحدًا، ولا يُضعف أحدًا، ولا يجبر أحدًا على دفن مشاعره أو احتياجاته. بل على العكس، هو العلاقة الوحيدة التي يُفترض أن ننمو فيها دون خوف، ونعبِّر فيها عن ذواتنا دون قلق، ونشعر فيها بأن كرامتنا مصونة أكثر منها مهدَّدة.
حين يتحوَّل الحب إلى ساحة معركة، يصبح أحد الطرفين دائمًا في موضع الدفاع، يبرِّر كل شيء، ويصمت عن كل شيء، ويبتلع كل شيء… كل ذلك باسم الحب. وهنا يفقد الحب جوهره، ويتحوَّل إلى شكل من أشكال العبء العاطفي أو حتى الاستعباد النفسي.
الفرق كبير بين الصبر في الحب، والصمت عن الإهانة.
الفرق شاسع بين أن تمنح شريكك مساحة لينضج، وبين أن تُشرعن تجاوزاته وتُبرر جراحه المستمرة. ومن الظلم أن يُطلب من الطرف الأكثر حُبًّا أن يُراكم على قلبه جراحًا، في حين لا يُكلِّف الطرف الآخر نفسه عناء أن يراجع أفعاله، أو يزن كلماته، أو حتى يفكر في أثر سلوكياته.
فليس من العدل أن يُصبح المحبّ هو من يضحي دائمًا، ويصمت دائمًا، ويتنازل دائمًا، في حين يعيش الآخر في مساحة آمنة من النقد والتأنيب، وكأن وجوده فوق المحاسبة فقط لأنه محبوب.
إنَّ الحب الصادق لا يُقاس بطول الصبر على القسوة، بل برُقيّ التعامل الذي يُغني عن الصبر أصلًا. فالحب، حين يُفقد احترامه، يُفقد ذاته، ويتحوَّل من شعورٍ نقيّ إلى آلية مدمِّرة تُفقد المرء ثقته بنفسه، وطمأنينته، وإيمانه بالعلاقات.
وفي النهاية، لا ينبغي أن تكون كرامتنا الثمن الذي ندفعه لإثبات مشاعرنا. ولا يجب أن نخشى خسارة من يؤذينا، بقدر ما يجب أن نخشى خسارة أنفسنا ونحن نحاول الحفاظ على ما لا يُحافظ علينا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.