الحب الصادق.. تعرف على شعراء الحب وكتاب طوق الحمامة

فقد كان الحب شيئًا لا يُعَرِّفه أحد، ولا يداويه طبيب، كما عرف الجميع، ولا مانع للحب، والمرء يتعلق قلبه بمن رأى فيه ما اشتهى، فلا يرى عيبًا تصديقا لما قيل: "حبك شيئًا يُعمي".

ولقد قال خير من أحب وفهم معنى الحب، رسولنا الكريم: (المرء مع من أحب).

وإذا كان من أحب قاصيًا عنه، يتربص له كل مرصد ولا تسمح له عيناه بمفارقة المحبوب، ولا يترك القلب ذكره، ولا يتوقف لسانه من ذكره، ولا يزال فمه مفغورًا ولا يزال عقله مصورًا، ولا يزال خياله جائشًا، ولا يزال سكران هيمان من ذكره، ولا يزال مجنونًا.

اقرأ أيضاً بناء الشعر النيجيري القديم ونماذج من أشعار العرب

الشعراء عن الحب

وقد ذُكِر أن هناك رجلًا يعشق امرأة عشقًا، فلما عاد من عندها بعد زيارته لها، ارتقى في السلالم، فلم ينتبه حتى بدأ يضرب برأسه الجدار، فاندهش أصحابه من فعله، فقالوا له: ماذا بك؟ قال: ما زلت أذكرها، فلم أدر أنني قد أُصبْتُ بشيءٍ.

فهذا من أحوال المحبين، وهو لا يريد مفارقة تلك المرأة فبدأ السكر يخمره. ومفارقة المتحابين تُبْعِد القرب، وتُقَرِّب البعد، والطولَ قِصَرًا، والقِصَر طولًا، لقد صدق بشار بن برد إذ قال:

لم يطلْ ليلي ولكن لم أنمْ *** ونفى عني الكرى طيفٌ ألَمْ

اقرأ أيضاً أشعار وقصائد رومانسية

الحب في شعر امرؤ القيس

وقد قال امرؤ القيس قبله:

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي **** بصبحٍ وما الإصباحُ فيك بأمثل.

ومن ذلك يريان اليوم غدًا، الغد أسبوعًا، والأسبوع شهرًا، والشهر سنةً.

وكل حبيب لا يرى اليومَ يومًا *** يرى كل قربٍ عنه في الحب بعدًا

إذا أظلمت أيامُه ظل في الأسى *** يظن بأن الليل بالحب أكدى

ويسهر حتى فجره متحيرًا *** وفي قلبه في ليله ذكر سُعدى

جاء في كتاب ابن العثيمين (الحلال والحرام) أن امرأة وقعت في حب رجل، فأبى أبوها تزويجها إياه، فمرضت، فماتت.

ألا ما الحب مبتاع *** وما للحب نزَّاع

وليس الحب مصدودًا *** فإن الحب إيلاع

لكل إنسان في هذه الدنيا محب ومحبوب، وإذا لم ير الإنسان محبه أو محبوبه، فلا يستريح حتى يراه أو يلقاه.

والحب لا يكلف، والحب المكلِّف لا ترى له حال جيدة، ولا يعقبه خير، ولا يعقبه إلا القتال والفراق.

وعلى المرء أن يختار محبه أو محبوبه كيلا تكون حياته فتنة له، وإذا لم يختر فلا يُحسن إليه عند اتهامه بالجفاء، ولا يتعلق قلبه به، ولا يهواه بعد ذلك.

ومن العلامات التي بها يُعرَف الإنسان الذي لا يحب، الغلظة والغيظ، والهجر، والترك، والبعد، والإنكار، وإغماض العينين.

ولكل إنسان سبب للحب من الرجال والنساء، وإذا انعدم هذا السبب، فالحب يكون غير صادق، والإنسان لا يكترث له.

وكلٌّ له محبوبه ومحبُّه *** إذا لم ير المحبوب فالحب بغضُ

إذا لم ير الإنسان ما قلبه اشتهى *** فحاله في كل الأمور لَرَفْضُ

ورُبَّ كريهٍ عنده وهو ما اشتهى *** سواه، وفي عينيه عن ذاك غضُّ

اقرأ أيضاً ملخص كتاب الأب الغني والأب الفقير

كتاب طوق الحمامة  

إذا أحب الإنسان امرأة فلا يبالي بما بذل أو ما يبذل أو سيبذل في تحقيق حبها، وتراه مسرعًا إلى ما أمرتْه تلك المرأة المعشوقة ظنًّا للوصول إلى الغاية.

وقد كان كثير من الشباب في هذا الزمان يطيعون أمر النساء فتراهم ينقادون لهن، ويحملون الأعباء الثقال الفِداحَ على رؤوسهم، وهن يمشين مختالات خلفهم. وإن سُئِلوا عن السبب، قالوا: لتحقيق المنى؛ إذ ما يقدمه الرجل وقت خطبة المرأة تغافل وخداع، فالحرب خدعة.

وكثير منهم يقولون:

فلست أبالي بالأوامر ما النسا *** أمرنَ، فإني للمنى كنت مسرعًا

إذا حملتْ شيئًا عليَّ فإنني *** بعيرٌ لها في الحب ما كان أنفعا

ولست بفعلي عندها متغفلًا *** إذا أمرَتْ أن كنت في القول أسمعا

وقد ذكر أكثر هذا ابن حزم الأندلسي في كتابه: (طوق الحمامة): "ولا يرى العقلاء بأسًا في طاعة الرجل المرأة المعشوقة لتحقيق المراد".

ملخص كتاب طوق الحمامة

ولكن ما أريد أن أنبه عليه هو أن يدقق الرجل العاشق في أمرها، كيلا تجبره على مساعدتها؛ لأنه إذا أجابها فإنه يخدمها ولا يعلم أن ذلك خدمة، والخدمة أن تحصل بينهما إذا تحقق المراد حتى لا يخسر بعد.

فإذا أحبت المرأة رجلًا، فلا يهدأ قلبها إلا بعد وصولها إليه ولو كان الطريق وعرًا.

وقد أُولِعَت النساء بمعشوقيهن من الرجال، فلا يجدن مضرة في الطريق إلى المحبوب، وإن كان العذاب قد توسط الطريق.

فلذلك يمكن القول إن الحب: نار متأججة لا تنطفئ أبدًا في قلب المتحابين. وإذا تلاقى المتحابون وذكرا الحب، ينجذب قلباهما إلى عدم الفراق، ويبلغ هذا الحب غاية يكون الأمر فيها "بالموت يُنزَع جلد المعزة".

إذا الحب يلقى الحبَّ فالحب يتفقْ *** فنارهما في القلب بالحب تحترقْ

إذا لم يوافقْ ما أراد فمُنْكَرٌ *** إذا لم ير المحبوبَ في القرب لم يُطِقْ

هل الحب يقتل الإنسان؟

الحب يقتل الإنسان إذا لم يُظهره لمن أحب، ونار لن تزال متأججة ومتوقدة. فأما وقودها فكلام المحبوبة وزيتها رؤية المرأة المعشوقة؛ لأنه إذا كان يحبها من كلامها فلا تزال تلك النار مشتعلة ما دامت هي تتكلم.

وإذا لم تعرف المرأة المعشوقة بذلك، فقلب الرجل تملأه النار فتأكل قلبه كما تأكل الحطب.

ذُكِرَت امرأة أحبت رجلًا، وهو لا يعبأ بها، ولا يلتفت إليها، ولا يأبه لها، وهي لا تزال تظهر الحب إشارة، هو لا يعرف حتى قالت له عند صب ذلك الرجل الماء على الأرض: لا تصب عليَّ الماء حتى لا أراك في المنام.

فقيل للرجل: إنها أحبته حبًّا جمًّا، فلما لم تجد السبيل إلى إظهار الحب، اتخذت هذا السبيل لإنشاء سرها.

فبالنظر في هذا الأمر، يتبين أن صدرها منشرح لذلك الرجل، ويسكن من كتمان الحب.

وقد خطبت امرأة رجلًا بنفسها لما لم تستطع تحمُّل ذلك الحب، فأظهرته لذلك الرجل، فأشرق وجهها وسكن قلبها.

وقد صار أكثر الناس مجانين من خيانة المحبوب؛ لأنهم يركنون إليهم، ويعتمدون على ما لم يتحقق.

ومن عادات الحب أن النساء إذا وجدن امرأة أخرى مع محبوبهن تحيرن، ويسألن أنفسهن: أفيَّ عيبٌ؟ بدون أن تعرف من تلك المرأة الأجنبية.

وأحيانًا يذكرن قبائحهن، ويقلن: أهو يغضب منها أو يكرهها؟

ويظهر الحب الصادق عندما يقول الرجل للمرأة: لا أريدكِ في حياتي ولا تقتربي مني، ودعيني وحدي، ولا تتصلي بي، ولا تكلميني، فإني تاركك.

فتتحير المرأة من أمرها، فتزور أصدقاء هذا الرجل، وتفيض عينها من الدمع، وتذرف، وقلبها يكون فيه العلَز (القلق والخوف الشديد).

وعندما يقابله أحد أصدقائه، ويخبره بحال تلك المرأة، يقول: أنا لا أنوي هجرها، فتعود المرأة وتقول: أتريد أن تقتلني، ولقد صار قلبي مصَّعِدًا إلى السماء، ولا أريد أن تكرري هذه الدعابة مرة أخرى، فاطمأن قلبها.

إذا الحب أمسى ثابتًا في القلوب *** تجنن أهل الحب من غير ربب

فإذا أرادت المرأة جلب المنفعة من الرجل، زيفت الحب، وكذبته كذبًا شديدًا، فيظن الرجل أنها صادقة.

ذُكِرَت امرأة كانت تأخذ من رجل ما تقضي به حاجتها، فلما أعجلها الرجل للنكاح، قالت: إنها ليس لديها وقت النكاح. فعلم الرجل أنها خادعة، وإنما هي جعلت حبها له في المال الذي تأخذ منه.

إذا لم تريدي حب كل محب *** فلا خير في ضر الرجال المعذِّب

الحب في القرآن الكريم

فإذا ظل الرجل يزعج المرأة للحب، قالت له: نعم، فتبدأ تنتفع منه فقط دون أن تحبه ولو يومًا.

ومن الحب الصادق ما حكاه القرآن الكريم أن امرأة العزيز تتربص بيوسف، فلما رأت من يوسف الرفض والإنكار، كادت به وغلقت الأبواب وقالت: هيت لك، قال معاذ الله.

فلما خاب رجاؤها، بحثت عن سبيل تصل به إلى الغاية، ولكن دون جدوى. فما زال هذا الحب يشتعل في قلبها حتى سمعت بما قالته النساء.

فأظهرت حبها بدعوتهن إلى المأدبة، فلما حضرن، طلبت من يوسف الخروج، فقطعن أيديهن، فقالت: هذا لتعلمن أنني صابرة عليه، ولكن قد نفد صبري بعد الآن.

امرأة العزيز قد راودتْ *** يوسفَ عن نفسه إذ ودَّتِ

في قلبها حب له صادقٌ *** قميصَه من أجله قدَّتِ

ولم تزل تطلب ما ترتجي *** حتى رأى يوسفُ ما أبدَتِ

ما تركتْ يوسفَ فيما رجتْ *** حتى أقرَّتْه وأكَّدَتِ

ومن الحب الصادق حب امرئ القيس لما قال:

فقلتُ يمين الله أبرح قاعدًا *** ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

مشقة حب المرء ليست مشقة *** بها الحب يغدو في المحبين راسيًا

وقد أراد المسلمون أن يزوجهم الله الحور العين الحسان، فلا سبيل إليهن إلا بالمشقة، فلا يزال المسلمون يكابدون الصعاب من أجل الوصول إليهن. وهذه المشقة هي مهر الحور الحسان، وقد قيل:

بعض أشعار المسلمين

يا خاطب الحوراء في خدرها **** وطالبًا ذاك على قدرها

انهض بعزم لا تكن نائبًا **** وجاهد النفس على صبرها

والليل قم إذا بدا وجهه **** وصم نهارًا فهو من مهرها

والنساء يحببن الرجال من المشقة التي كابدوها من أجلهن، ويثبت بذلك حبهم في قلوبهن.

لا تكن من هذي قانطًا *** سوف تلفي وجْهَها منبسطا

وهي أحيانا هوتْه نظرةً *** وهي لا تُبدِي هواها المُفْرِطا

لعلي ألاقي من تحبُّ جميعي *** فأجعل حقًّا حبَّها خيرَ نَوع

وأعشقها عشقًا سليمًا من الردى *** وأجعل حقًّا حبها خير جُوع

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة